عقيدة التسويغ -6-

إبراهيم الوراق
2017 / 3 / 9

عقيدة التسويغ
منعرجات فكرية
‏-6- ‏
يتبع
وإذا كنا قد أثبتنا في قضية خلق العالم شقه الثاني، وهو المعلول، ولم نثبت شقه الأول، وهو العلة، فإن إرجاعها إلى المصادفة محض ‏مغالطة، لأنه لا معلول بدون ‏علة مباشرة، وهي المحركة لمادته، والمتحكمة فيه، وإلا، فإن المصادفة لا معنى لها، ولا مفهوم، لأنها لم تكن ‏معلولة حتى تصير علة، بل تحديدها يعتريه الخفاء، ولو ‏ظهرت بجلاء في شيء من أشياء الكون، لجاز لنا القياس عليها. وما دامت لم تحرر ‏من عدمها، فإن وجودها متعذر، ومتعسر، لأن ثنائية الشيئين تستوجب ‏وجودهما في عملية الخلق، ولو كان الأول روحا، والثاني مادة، ‏لأن مقتضى العلة لا يستلزم الجرمية فيهما معا، بل غاية معناها أن تثبت سبب وجود الشيء ولو ‏كانت خفية. وإذا كان هذا ضروريا ‏لاستحالة رؤية شيء وجد مصادفة من غير علة، ولاسبب، فإن القول بذلك في باب الخلق صعب دركه بالعقل المجرد، ‏والوجدان المتذوق ‏للحقائق، لأن أسمى قانون آمن به الإنسان في تاريخه، هو لزوم المعلول لعلته، والمسبب لسببه، وذلك ما يعني وجود فراغ في الفكر ‏المادي، ‏لأنه أثبت المادة، ولم يثبت الروح، وإن أمن بشيء يسميه الطاقة، وهي النور في الاعتبار الروحي. ‏
ومن هنا، فإن السلفية حين استحضرت المخالف الذي يعني بالقطيعة ما يبتر الصلة بينه وبين تاريخ السماء، لم تدرك أن ما ذهب إليه هذا ‏من رأي، هو عينه ‏مستغرق في الرجوع إلى الوراء، لأن فكرة العودة إلى السماء، على اعتبارها ملاذا للإنسان الفار من بؤس الديار، ‏وشقاء الأدوار، قد نشأت حيث ولد الإنكار، ‏إذ هي الضد عند التقابل بين معاني الألفاظ. ولا وجود للضدية إلا عند وجود الفرعين في ‏القضية، لأن دلالة الإثبات تتضمن في ماهيتها الإنكار. وهكذا الإنكار في ‏ذاته، يحتوي على معنى الإثبات، لأنك إذا أنكرت شق تعدد ‏الآلهة، أثبتت وجود إله واحد، وهكذا في إنكار الإله الواحد، فإن القول به يعني إثبات آلهة متعددة، ‏وهي بمقدار كثرة العقول الإنسانية، ‏ووفرتها، وهو في الخلاصة تأليه الإنسان لذاته، وعبادته لمعنى الإنسانية. وأي معنى لها إذا انفصلت عن الإنسان الأول وتاريخ ‏ذريته في الوجود.؟ ‏
ولذا يكون الإنكار لغة في التاريخ المتصاعد رأيه نحو السماء، على اعتبارها مهربا للإنسان الذي أثبت عجزه أمام إرادة جامعة لكل القوى، ‏والبنى، ويكون الإثبات ‏مصاحبا لنقيضه في الولادة، ودالا عليه بدليل التضمن، والاحتواء، لأنهما معا قد انبثقا من حقيقة الإله التي تحارب ‏الناس على ميدانها، إلا أن سلفية الدَّيِّن، ترى ‏الرجوع إلى الموروث القديم اقتضاء يستوجبه الحفاظ على خيط السماء، بينما يرى المادي ‏الذي يجادل حول العدم والوجود رجوعها إلى الإنسان، وهو المحدد ‏لاختياره، وإراداته، والمسير لكونه، وطبيعته. وكلاهما يحكمان على ‏الأشياء بمنطق الرجوع إلى شيء معتبر في الأذهان، وهو الإله في صورة الروحي، والإنسان في ‏صورة المادي. وما حكم به المادي من عدم ‏وجود ارتباط بين السماء، والأرض، أو بين الإله، والإنسان، هو ما نحكم عليه بالإثبات، ونقيس عليه صيرورتنا في ‏الوجود، ونحسبه عقدا ‏صحيحا مستوجبا لآثار التكليف المعنوي، لأن المادي يستكنه تاريخ البشر في نقطة التعرف على حركة المادة، وتغيرها، ولحظة الوثوق ‏‏باستقلاله عن الخرافة، والأسطورة، وهي في حقيقتها تاريخ تطورِ ثقافة الإنسان الدينية، والاجتماعية، وآثار فعله الممتدة معه منذ بداية بحثه ‏عن فهم نواميس ‏الكون، والطبيعة، (وإن كان قد غاب عنه أن لازم كلامه في نفي الأرض عما يبحث بين ضروب وجوده، هو أن يتضمن كل شيء خلْقه من طبعه، أي أنه في ‏ماهيته غير محتاج إلى علة يقوم بها جرهره، وجرمه. وينبني على هذا أن يخلق الشيء ذاته استقلالا عن غيره، لأنه غير مفتقر إلى فاعل خارجي، ولا مفوض إلى ‏مؤثر يحدث فيه الانفعال. وذلك مما يكره المادي الخوض فيه، لكون بنائه المنطقي يؤدي إلى العبث في النهاية، لأن تسلسل القضايا فيه دائري، إذ لا يصل ‏الماهر بالسباحة فيه إلى نهاية إلا عند بداية أختها. وهذا هو الضرر الذي درأه المتدين حين نسب اعتقادا كل شيء تم خلقه إلى فاطر نسمته.) بينما يجعل له ‏المتدين بداية، ونهاية، وهي بداية تدوين تاريخه بأبيه آدم، وما جرى على ظهر الأرض ‏من صراع بين الخير، والشر، والصلاح، والفساد. وعلى هذا يكون القول ‏بالمصادفة شبيها للقول ببداية تاريخ الإنسان من لحظة نزوعه إلى ‏العلم، والمعرفة، ونظيرا لمن جعله بداية لما عرف عنده طهره، وفوْحه، وهو المحرف بالتأويل ‏الفاسد للأديان، والمبتدئ بتضخم العقيدة في اتجاه واحد، لا في اتجاه توحيد الإنسان على درك حقيقة الوجود المستفاض من كرم الإله، وعدله، لأن إقصاء جزء ‏كبير من ثقافة الإنسان المتطورة معه؛ وهي أوهامه، وظنونه، وأساطيره، وخرافاته، وانشراحه، وانكساره، وانتصاره، وانهزامه، هو التجني على قواعد ‏المنهج ‏الذي تقاس به النظم، والقوانين، والنواميس، لأن مقتضى الشيء الموجود له أثر في المادة أن يمر عبر مراحل متسلسلة، تبتدئ بالخيال الذي يضغط على الإنسان ‏بضرورة خلق روح في الصور المدركة حياتها، وتنتهي ‏بالحقيقة التي تتجسد في مظهر الحركة المنسابة في الأشياء المرئية، والمسموعة. ولولا ذلك، لما أنتجت الخرافة ‏العلم، والأسطورة المعرفة، إذ لازمهما أن يكون هناك شيء آخر مطلوب من وراء الصورة التي نطق بها رمزا، أو إشارة، وهو ‏الذي نصل إليه بعد تحريرنا من ‏أوهامنا، وأغلاطنا. ‏
وهكذا، فإن مشترك التدين في تحديد نقطة الرجوع إلى لحظة الانبثاق عن الأزل، هو وجود إله أزلي، منه ابتدأ الكون، ومنه فاض الأمر بتدبيره إلى حين نهايته. ‏لكن ‏الرجوع إلى هذه النقطة التي تعود بكل المعاني الكاملة إلى عالم السماء، تجعلنا جميعا بهذا الاعتبار سلفيين، وتنسبنا إلى مطلق لا يجادل فيه ‏إلا المادي الرافض ‏لوجود إله قبل المصادفة، لأننا ابتدأنا الرجوع من نقطة بداية الكون، والإنسان، وهي الصادرة من الله، وهو روحها ‏بالمعية، والعناية، لكن اختلف الحد عند ‏الرجوع إلى الزمن المدرك في الصلاح الديني، لأن ما بين بداية الكون إلى تلك اللحظة التي لها اعتبار في السياق ‏العقدي، لم يكن حاضرا إلا على شكل قصص، ‏أو حكايات، أو أساطير، إذ هذا التقدير للزمن يشترك فيه المادي، والروحي المتدين بنمط عبادي ‏معين، لأن المتدين يعتبر ما قبل زمن بداية أنموذج سلفيته غير ‏صالح إلا للاعتبار، والعظة، بينما يغفله المادي، على اعتباره بدائيا لا تليق ‏نسبته إلى ما وصل إليه الإنسان من تقدم، وحضارة. ‏
وإذا قلنا بهذا، فإن بداية القطيعة مع تاريخ الإنسان في الزمن، تبتدئ باختلاف المحدد لمرحلة الرجوع إلى الماضي، لكن مطلق الرجوع لا ‏يفيد القضية شيئا عند ‏السلفي المتدين، لأنه لن يستطيع كسب الصفة له وحده، بل هي عامة في كل ما له خلف، وشاملة لجميع المكونات ‏الدينية، والثقافية، والاجتماعية. وذا يستوجب ‏بداية في تحديد مفهوم السلفية الرجوع إلى معنى الإله، والكون، والإنسان، والأديان، لأننا ‏بهذه العملية، سندرك سلفيات مختلفة في ارتباطها بالزمان، والمكان، ‏لأن كل واحدة منها، انطلقت في كتابة تاريخها من تلك المرحلة التي ‏تشعر بنقائها، وصفائها. وهي كل المراحل التي تجسد فيها الإنسان بقوة بحثه عن علاقة السماء ‏بالأرض، ورابطة الإنسان بالإله، ووظيفة هذا الكائن في الكون، والطبيعة، والحياة. ‏
وإذا قلنا بهذا، فإن مستحق السلفية في مفهومها العام؛ وهذا في الاعتبار نمط من الأنماط المقدسة عند الإنسان، يحدد إطارا زمنيا لوقت ‏بداية إشراق أنوار ‏الخير عليه، وبلوغه إلى لحظة السمو في استغلال الطبيعة، واستظهار جمال الحياة فوق هذه البسيطة، هو من عاد ‏بتاريخه إلى بدايته التي تشكل منطلق عقله ‏العقلي، والخرافي. وقد تكون هذه البداية، من بداية إيجاد الكون، وانفصال نسيمه من الأزل، أو من بداية ‏الصراع بين آدم والشيطان حول الاستخلاف في ‏الأرض، أو من بداية درك الإنسان لمعنى السماء في الأديان، أو من بداية تحول ‏الإنسان من نمطه الطبعي الزراعي إلى نمط الصناعة، والتقنين. إلا أن هذه العودة، ‏لا تكون محل نظر، واعتبار، إلا إذا واصلت بين حقب الزمن ‏في مراحل التطور البشري، لأن السلفية في المقايسة مرتبطة بمحدود الزمان، والمكان، والفصل بينهما ‏في قراءة تاريخ الإنسان، لن يتأتى منه ‏ذلك الأمل المنشود، والهدف المقصود. ومن هنا تكون السلفية رجوعا إلى الوراء، وهو الزمان والمكان المحدد بحدود معينة، ‏وتكون ‏الرجعة إليه مطلوبة لتحديد الأفق المرغوب في المجهول القادم من الزمن. ‏
وإذا كانت السلفية تقتضي الرجوع إلى زمن معين، وهو منطلق الفكر الديني، والمادي، فإن إشكالية السلفية المعاصرة، أنها راهنت على ‏مرحلة محددة، قطعتها عما ‏سبقها، وعما لحقها، وجادلت من أجل ترسيخ مفاهيمها، وأغاليطها، لأنها لم ترد مطلق العودة إلا هروبا من واقعها ‏المغترب بين عينيها، وفرارا من زحف الحضارة ‏على ما تبقى من قباب تستهدي بالخرافة، والأسطورة، وتستقوي بالدجل، والشعبذة، لأن ‏لازم الحضارة يجعلنا بين خيارين: الأول البحث عن النيات، وأعظمها ‏فداحة أن نفتش على نوع العقائد المكنونة في الإنسان، لأنها توجه مضمرات الخطاب إلى الرغبة الممتزجة بالهاجس النفسي في الرفض، ‏والقبول، وأحيانا إلى عقدة ‏الكراهية التي تنتهي ساديتها بالقتل، والإرهاب. الثاني البحث عن إنتاج الحضارة، وهي من صنع الإنسان الذي يساكننا ظلال هذا الكون، فنأخذ منها ما هو في ‏طريقه مسلوك بالأخلاق ‏الإنسانية، ونترك ما فارق الحياة السعيدة، وفاصل رغبة سكان هذا الكوكب في السلم، والأمان. وهذا مما لا يمكن القبول به، لأن منطق ‏السلفية مبني على الكراهية ‏لكل حديث، ولو غرقت في يمه من أخمص قدمها إلى فرق رأسها. وهذا واقعها في صيرورتها التي تظهر ظاهرها متشبثا بالقديم التليد، ‏وإن كان ‏باطنها يستحر فيه ما برز على خارجها من ألوان الرفاه، والنعيم، إذ قبول المستحدث في جزء مرتبط بكماليات الذات، لا يعني إلا الاحتياج إليه فيما هز ‏من ضروريات الحياة، لأن مفاصلة الجسد عن الروح، هي معرة الفكر الديني، والمادي، إذ وجودهما في الذات، يمنع من الفصل بينهما، لأنها جوهر، وعرض. وأي ‏فرق بينهما، يحدث حربا على الآخر، وينتهي إلى حرق الذوات رغبة في انصهار المعنين بين سويداء معنى واحد. ولذا اختارت سبر النيات، وكشفها بربط مظاهر ‏السلوك بالنفي، ‏والإيجاب. ويتجلى ذلك في حكمها على العقائد بالإيمان، والكفر، وحكمها على الأرض بدار الحرب، ودار السلم. ومن هنا كانت السلفية ‏خنجرا ‏مسموما في خاصرة العقل العربي، وهو يريد أن ينفض الغبار عنه، لكي يعلن صولته بالعودة إلى أسمى ما أبدعه الإنسان في تطوره فوق الكوكب الأرضي من ‏حقوق، ‏وأنظمة، ونواميس. ‏
وإذا كان الرجوع إلى زمن معين هو السلفية في المفهوم، فإنها تتضمن القطيعة مع التاريخ الذي كان الإنسان موضوعه، ومبحثه. وتلك هي ‏سبب خلافها مع ‏المخالف، وصراعها مع الموافق الذي يحدد نقطة الرجوع بزمن محدد، ولكنه لا يفصل تتابعه إلى حاضره، وهو راحل إلى ‏غده، لأن السلفية في نمطها المزعج لبدعة ‏العالم الحديث، هي ذلك السياق الذي يحدد لحظة الرجوع بزمن الخيرية، وهي القرون الثلاثة، ثم يقطع الصلة مع ما ‏أنتجه العقل في تدبير شأن دينه، وتقويم أمر ‏سبيله، لأن مضمون ذلك الزمن الذي جاء بعد القرون الثلاثة، هو الذي يبين لنا تجربة ‏الإنسان مع الدين، وعلاقته مع السماء، وخبرته في سبر أغوار ذاته، ‏وواقعه، وملاحظته في الكون، والطبيعة، وهو الذي يتضمن حركة العقل الديني في طرق استنباطه للحكم الدال على نمط التكليف، ووسائل تنزيله على وقائعه، ‏وأحداثه، إذ بدون العروج على هذه المراحل التي رافقتها قواعد الأصول، وطرق الاستنباط، لن نربط حاضر الأمة بماضيها ‏الخالد، لأن وضوح مرور الإنسان ‏على هذه التجارب في الزمان، هي التي جعلت لكل مكان سياقا معينا في الخصوصية الدينية والاجتماعية المحلية. ‏
ومن هنا، فإن السلفية لم تدرك نوع القطيعة إلا في رأي المخالف الذي نفى وجود بداية يحق لنا أن نعود إليها عند إرادة مطلق الرجعة، ‏ولكنها لم تدركها في قولها ‏المجانف لرأي من حدد زمن الرجوع إلى أصل الكون، أو إلى بداية الإنسان، أو إلى تأسيس أس الأديان، لأن ‏كل رجعة مقصودة، ومهما كان زمنها قصيرا، تحدد ‏عمر الكون في ذاكرة الإنسان، ووعيه بالأرض، والسماء. وما لم يكن نظره متسعا إلى حدود غائرة في القدم، ‏لن يكون إدراكه شاملا لكل المراحل التي طواها ‏الإنسان في السنين، والأعمار. ولذا يسهل علينا أن نعتقد ببداية الكون من زمن الخلق الأول في ‏الأزل، أو من الزمن الهلامي الذي تفيده المصادفة، ولكن صعب ‏أن نتحرك مع امتداد الكون من نقطة وجوده، واختراقه لمراحل طويلة في ‏سيره، ومروره عبر تجارب إنسانية كثيرة، بل ما يزال سائرا إلى الأمام، ولن ينتهي إلا ‏عند بدايته. إذ بدايته هي التي تميته، وتقتله، لأنه ‏ما ابتدأت دائرته إلا لكي ينتهي عندها. ومن هنا، فإن مسايرة الزمن الكوني، والترحل بين مداراته، هي التي ‏تجعل سلفيتنا إنسانية، لأنها تقرأ حاضرها ومستقبلها من مطلق الإنسان في ماضيها. ولذا، فإن اختصاص فئة دون فئة باسم السلفية، هو جعجعة بلا طحن، ‏وفقاعة في فنجان، ‏لأنها هي ذاك المشترك بين الناس عند ابتغاء العودة إلى صورة بريئة لتدفق الكون، والطبيعة، لكن دخول مسمى السلفية في سوق المزايدات ‏‏الفكرية، والصراعات السياسية، هو الذي أدى بها إلى أن تكون إيديولوجية تخدم كل فكر استعلائي يصنع العنف، والإرهاب، إذ ما ‏قامت بين الديار التي ‏طاش حلمها بما أغراها من جديد لم تمتلك روحه، إلا لكون هذا الإنسان يستبطن في غوره مطلق الرجوع إلى سلفه، ‏بل لا يتقوم شرفه الذي يصافح به نعومة ‏الحياة إلا إذا كان ذا حسب، ونسب. وما أنسابنا، وأحسابنا، إلا الرابط القوي الذي يربطنا ‏بأجدادنا، وأسلافنا. وفي هذا سر حرصنا على عاداتنا، وتقاليدنا، ‏وأعرافنا، وكلها مضمون ما أنتجه السلف من تنظيم وترتيب للخلف.‏
‏ ربما قد يكون في كلامي غموض غير مقصود، ‏لكنني ألح على وجود رابطة بين الإنسان الأول ‏في كل كمالاته، ومقاماته، وإنسان اليوم في ‏‏أحلامه، وآماله، لأنه همزة وصل مع ما سيأتي بين ‏حواصل الغد من غرائب، وعجائب. ولذا، فإن ‏تسويغ العودة إلى الماضي بمقتضى ‏التحصن، ‏والتوقي، لا يستقيم إلا بمنطق يرى الواقع ‏مكروها، ومذموما، ثم يخال عودته إلى تلك ‏اللحظة المتسامية في ذهنه، ونفسه، هي ‏القلعة ‏التي ستحميه من الهزيمة أمام هذا الجديد ‏الكاسر، والحاسر. وإذا كان هذا المهد لحظة ‏مقيدة في الذهن، أو سارحة فيه، فهو في ‏علاقته ‏بمركبات الذات التي تضمر الحقد للحديث، ‏سيتحول إلى فعل إجرامي، يقوم به المتشبث ‏بالماضي، وكأنه يعلن بذلك إيمانه بطهارة ما ‏‏مضى، ونجاسة كل ما عداه من حقيقة فيما هو ‏قائم، أو قادم. ‏