استشهد باسل الأعرج فهل مات ؟

محمود فنون
2017 / 3 / 8

إن دم الشهيد هو هويته ، الشهيد الذي يسقط في معمعان الكفاح ، وقد كان ينتظر الإشتباك المميت ، صابرا صامدا مقداما ، فوقعت المعركة .. معركة الشهادة .. أليست هذه هي الهوية . وبعد ذلك نقول من هم الشهداء ؟ فالإجابة على هذا السؤال هي واجب الأحياء قطعا وكان باسل بحسه الكفاحي ورؤياه واستشرافه للمستقبل قد أدرك هذه الحقيقة حينما قال في وصيته : "لكن من الصعب أن تكتب وصيتك، ومنذ سنين انقضت وأنا أتأمل كل وصايا الشهداء التي كتبوها، لطالما حيرتني تلك الوصايا، مختصرة سريعة مختزلة فاقدة للبلاغة ولا تشفي غليلنا في البحث عن أسئلة الشهادة.. وأنا الآن أسير إلى حتفي راضيا مقتنعا وجدت أجوبتي، يا ويلي ما أحمقني! وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد. وكان من المفروض أن أكتب هذا قبل شهورٍ طويلة، إلا أن ما أقعدني عن هذا هو أن هذا سؤالكم أنتم الأحياء، فلماذا أجيب أنا عنكم، فلتبحثوا أنتم... أما نحن أهل القبور فلا نبحث إلا عن رحمة الله".
وبعد هذه البلاغة المكثفة العميقة التي تمخض عنها تفكير الشهيد باسل ، يصبح من واجب الأحياء - المعبرين عنهم ، أن يجيبوا.
الشهداء هم آيات الشعب الفلسطيني البينات ، هم من المحكمات بل من السبع المثاني الخاصات بالشعب الفلسطيني .
وحين يسقط الشهيد مقاتلا وفي وضعية مثل وضعية باسل ومن هم على هذه الطريق يكونون من آيات ام كتاب الكفاح الوطني الفلسطيني . وأنا أقول دائما : ما ان يسقط الشهيد الذي قاتل باسم هذا الفصيل أو ذاك حتى يصبح شهيد الشعب والقضية واليوم أضيف آية من آياته البينات ..
كيف سقط باسل شهيدا ؟
لقد سقط وهو شهيد مسيرة وليس افنعال يوم واحد ، مسيرة اختطها بنفسه وربما مع ثلة غيره ، قالوا في انفسهم : " الآن وإلا فلا " وامتشقوا سلاحهم فكرهم وحجرهم وبندقيتهم ، والأهم من هذا كله بل والأسبق فقد اتخذوا موقفهم واختطوا طريقهم ومشوا فيه غير هيابين .
بحثوا عن السلاح الأهم الذي يجعل البندقية المقاتلة أكثر صوابا وصائيبة .
إن هذا السلاح قد تمثل بكل تأكيد في وضوح الرؤيا التي ترى الطريق والطريق فقط المؤدي للتحرير .
إن باسل وغيره من المناضلين الذين اعتقلوا أو استشهدوا ، قد رفعوا صوتهم والحالة من حولهم هلامية ورمادية ورجعية ومنحطة وتيارها يسير على غير ما تشتهي فلسطين .
هم قالوا : "لا بأس .. نسير عكس التيار ، فكل الثوار ساروا في ظروف مجافية " ولكنهم قالوا أيضا : " لا بأس فكل مسيرة ثورية ولها بدايتها ، ولتكن البداية قطرات دمنا .. إن مسيرة سابقة قد وصلت إلى ما وصلت إليه ولا بد من استئناف السير من نقطة تؤدي حتما وفعلا إلى الحرية ولا تمر من طرق التسويات ..."
هم شعروا بالفراغ من حولهم وبالهبوط وبما وصل إليه الحال !" الحياة مفاوضات" " والتنسيق الأمني مقدس" "وخدمة العدو مصلحة وطنية عليا" وخيانة الشعب الفلسطيني أصبحت في نظرهم عادية بل تمسكوا بها لأنها سر بقائهم .
قل ساسة ومثقفون : " المستقبل هو حل الدولتين وبالمفاوضات ".. وقال آخرون " دولتين لشعبين وبالمفاوضات وإقناع الغرب بجذرية التنازلات وابديتها " وقال آخرون وهم ذاتهم الأولون بعد ان استقطبوا مزيدا من القوالين " ما دام العدو قد رفض حل الدولتين فلنرفع شعار حل الدولة الواحدة " وأضاف بعضهم " لتكن الدولة لكل مواطنيها وذلك كي نسهل على من يسير في قطارنا من المريدين والمرتشين " وقال بعضهم " لتكن دولة واحدة ديموقراطية .. فهذا اسم جميل " وقال بعضهم وهم كلهم من نفس مدرسة خدم الإحتلال: لتكن الدولة اشتراكية "وأكد بعضهم " لنطبع معهم فالتطبيع يجعلنا نفهمهم أكثر ويفهموننا أكثرر .. التطبيع يجعلنا نتحدث معهم بلغة مفهومة منهم ومقبولة من الغرب " وأضاف بعضهم شروطا تطالب بحل الجيش الإسرائيلي وتغيير ايديولوجية الصهيونية بما يمكنهم من اعتناقها معهم ..على ان يتم ذلك بنشر المقالات وتكرار الدعوات وحلفان اليمينات على صدق طويتهم مع العد وعدائهم للشعب الفلسطيني وقضيته .
أليست هذه مناخات مجافية ؟ أليست هذه مناخات تلاحق فيها سلطة أوسلو كل من ناضل أو فكر أو خطط للنضال ؟
هنا وقف الشهيد على المنبر ونادى بأعلى صوته ومؤشرا بدمه : " من هنا تبدأ المسيرة الجديدة .. من هنا طريق النضال نحو المستقبل ، نحو التحرير " أليست الدماء أبلغ الناطقين ؟ أليست هي المشروع الوطني الثوري بديلا عن الإستخذاء وخدمة العدو
يقول دمه : " فليسقط المتخاذلون .. وليسقط الساقطون .. وعاشت فلسطين حرة عربية من البحر الأبيض المتوسط وحتى نهر الأردن والبحر الميت ووادي عربة .. كل فلسطين لنا .. كانت كلها لنا ... ونناضل من أجل ان تكون كلها لنا "
ويقول دم الشهداء : ليسقط شعار الحياة مفاوضات وشعار التنسيق الأمني مقدس وشعار خدمة العدو مصلحة وطنية عليا
إن الشعار الناظم لكل الشعب الفلسطيني هو : "الحياة كفاح والتحرير يأتي حصريا بالنضال "
إن مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة والشهداء لا يموتون.
ولا بد أن يتحرك الماء الآسن ولتكن بدايات جديدة وتجديدية ... وعاشت فلسطين حرة عربية