جدل الحوار حول التمييز بين البشر

طلعت رضوان
2017 / 3 / 7

جدل الحوارحول التمييزبين البشر
طلعت رضوان
شهد المناخ الثقافى فى الفترة السابقة على سيطرة ضباط يوليو1952 على مصر، العديد (من السجالات) التى دارتْ بين المتعلمين المصريين، والتى كشفتْ توجهات كل فريق، وعلى سبيل المثال، فإنه نظرًا للغزوالعربى واحتلال مصر، فقد تأثربعض المصريين بالعروبة والإسلام، ووصل الشطط بالبعض لدرجة إنشاء (نقابة) أطلقوا عليها اسم (نقابة الأشراف) أى الذين نسّـبوا أنفسهم لرسول الإسلام وآل بيته، حدث ذلك مع بداية القرن التاسع عشرالميلادى (عمرمكرم نقيب الأشراف- عام1809) أى وجود فترة زمنية بين عصر نبى الإسلام وتاريخ إنشاء النقابة، لاتقل عن 1200سنة، فمن أين أتاهم اليقين (أوالوحى) الذى أبلغهم أنهم من سلالة نبى الإسلام؟ ولكنها الميتافيزيقا التى تعلــّـقوا بأذيالها، واستمرّهذا الولع بالميتافيزيقا حتى بعد ثورة شعبنا فى شهربرمهات/ مارس1919، حيث تقدم السيد عبدالجواد حسن (نقيب الأشراف) بمركزالواسطى، بالعريضة رقم332بتاريخ23مارس1919طلب فيها إعفاء العاملين بالأشغال العمومية وخفرالنيل، من هذا العمل (الذى لايليق بهم) لأنهم ((من سلالة النبى صلى الله عليه وسلم)) وعندما تم عرض هذه العريضة على أعضاء مجلس الشيوخ، قرّرت اللجنة المختصة (حفظ العريضة) وجاء فى حيثيات قرارالحفظ الذى كتبه الشيخ حسن عبدالقادرمُـقرّراللجنة أنّ اللجنة ((رأتْ أنه ليس هناك ما يدعوإلى التمييزبين (الأشراف) والفلاحين لأنّ خفارة النيل من التكاليف العامة، التى يجب على جميع الأفراد القيام بها على السواء، ولاتسقط عن أحد حتى ولوكان (من الأشراف) واختتم مُـقرّراللجنة كلامه بأنّ (نقيب الأشراف) يجب أنْ يعلم أنّ العمل اليدوى وخفارة النيل لاتحط من شأنهم ولامن شأن نبى الإسلام. وهكذا لجأ مُقرراللجنة (وهوأحد شيوخ الإسلام) إلى (حيلة تجميل وجه الإسلام ونبيه) بإدعاء أنّ الإسلام لم يحتقرالعمل اليدوى، بل والعمل الزراعى بصفة خاصة، كما ورد فى أحاديث كثيرة مثل ((إذا تبايعتم بالنسيئة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لاينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)) (رواه أحد وصححه الحاكم) وهذا الموقف من الزراعة، كان نتيجة الدفاع عن رعى الغنم، وهوما عبرعنه الرسول بقوله لأتباعه ((اتخذوا الغنم فإنها بركة)) (الخصائص لابن جنى- وفيض القدير- شرح الجامع الصغير- محمد عبدالرؤوف المناوى- دارالنهضة الحديثة- عام1971وذكرأنه جاء فى الأثرالإسلامى أنّ ((ما من نبى إلاّورعى الغنم)) وأنّ نبى الإسلام كان يرعاها قبل النبوة – المصدرالسابق- ص112)
وأعتقد أنّ سبب إنشاء (نقابة للأشراف) جمع بين (وهم) الانتساب لسلالة نبى الإسلام وآل بيته (وهوما يتعذرالتحقق منه) وبين (الدونية القومية) التى شملتْ (بعض) المصريين، مثلما حدث بعد الغزوالعربى واحتلال مصر، عندما حاول بعض المسيحيين (بعد اعتناقهم الإسلام) من أهالى (منطقة الحرس) بالقرب من الفيوم الانتساب إلى أية قبيلة عربية، فذهبوا (فى خلافة الرشيد) إلى القاضى (العمرى) ودفعوا له مبلغـًـا كبيرًا من المال ((ليـُـثبتْ لهم نسبـًـا عربيـًـا)) واستعانوا فى ذلك بنفرمن عرب الحوف الشرقى، فشهدوا لهم بالانتساب إلى (حوتكة) من (قضاعة) فوافق القاضى بعد أنْ (قبض مبلغ الرشوة) ولكن العرب الذين نزحوا إلى مصر، وعاشوا فيها واستقروا، عندما علموا بذلك غضبوا، وانطلق شعراؤهم فى هجاء القاضى، وكان من بينهم الشاعر(المعلى بن المعلى الطائى) الذى قال موجـّـهـًـا حديثه للقاضى فقال ((تقضى نهارك بالهوى/ وتبيتُ بين مُـغنياتك/ فاشرب على صرف الزمان/ بما ارتشيتَ من الحواتك/ إنْ كنتَ قد ألحقتهم/ عربـًـا فزوّجهم بناتك)) واستمرّتْ المشكلة حتى خلافة الأمين، وانتهتْ بأنْ مزّق القاضى ما كتبه عن انتسابهم للعرب (د. إبراهيم جمعة فى كتابه " القومية المصرية الإسلامية" وهوعنوان شديد التناقض ونقلام جانبى عن كتاب "عروبة مصر" تأليف الشاعرأحمد عبدالمعطى حجازى- دارالآداب- بيروت- عام1979- ص60، 61)
وأعتقد أنّ أهم ما قاله الشاعر المعلى للقاضى الذى وافق على انتساب بعض المصريين للعرب هو قوله ((إنْ كنتَ قد ألحقتهم/ عربـًـا فزوّجهم بناتك)) لأنه كان يـُـعبـّـرعن حقيقة الثقافة العربية العنصرية، التى كرّستْ للتمييزبين البشر: إما على أساس (عرقى) أوعلى أساس (دينى) ولذلك كان العرب يستبيحون لأنفسهم الزواج من أية فتاة غيرعربية، وفى نفس الوقت يرفضون زواج الفتاة العربية لغيرها من جنسيات أخرى، وقد طبـّـقوا هذا على شعبنا المصرى حيث جاء فى أمثالهم الشهيرة ((يأكلها التمساح.. ولايا خدها فلاح))
ورغم أنّ على يوسف اشتغل بالصحافة، وأصدر(جريدة المؤيد) فإنّ توجهاته الإسلامية، جعلته يرتكب جريمة فى حق نفسه، عندما تعلــّـق بالفتاة صفية ابنة (نقيب الأشراف) الشيخ السادات وتوهـّـم أنّ والدها سيوافق على زواجه منها، فكانت النتيجة (المُـتوقــّـعة والتى لم يفطن إليها) أنّ الشيخ السادات رفض هذا الزواج. وتطوّرتْ الأحداث عندما تدخل الشيخ الشرقاوى وجمع بين على يوسف والفتاة فى منزله، وأحضرالمأذون والشهود وتم عقد القران. فهل رضخ الشيخ السادات للأمرالواقع؟ الإجابة لا، حيث أقام دعوى قضائية لفصل الزوج عن زوجته، وجاء فى عريضة الدعوى – التى اشترك السادت فى كتابتها مع المحامى، أنّ طلب إنهاء هذا الزواج يتأسس على سببين الأول: أنّ على يوسف (الزوج) من الفلاحين. والثانى: أنه يمتهن مهنة حقيرة (الصحافة) وهكذا لم ينتبه على يوسف إلى خطورة التعصب العرقى لأنه تصوّرأن الأب (نقيب الأشراف) سيوافق على زواجه من ابنته. ولوأنه (على يوسف) استخدم عقله فكان عليه أنْ يـُـدرك استحالة تحقيق (حلمه) أوما توهـّـم أنه قابل للتحقق على أرض الواقع.
ومن بين أشكال التعصب النظرة الضيقة للدين، وهوما يقع فيه مسلمون ومسيحيون، مثلما حدث عندما تقـدّم النائب (توفيق دوس) باقتراح تضمن أنْ يوضع للأقليات نظام يضمن تمثيلهم فى مجلس النواب، بنسبة تتفق مع عدد كل أقلية. وساق بعض الحجج الساذجة، مثل أنّ هذا التشريع سيمنع الدول الأوربية من التدخل فى شئون الأقلية المسيحية فى مصر. ولكن رد عليه (عبدالحميد بدوى) بأنّ نائب البرلمان يـُـمثل مجموع أفراد الأمة الذين انتخبوه (بغض النظرعن ديانتهم) وبالتالى فإنه لايجوزأنْ يكون نائب البرلمان ممثلا لفئة معينة أوطائفة معينة، لأنّ هذا لايتفق مع المفهوم العام للعمل البرلمانى، كما هومستقرفى الأنظمة الليبرالية. وأضاف أنّ : الفارق الدينى (بين الشعوب أوبين الشعب الواحد) بدأ يضعف.. ولن يطول الزمن حتى ينمحى من علاقاتنا الاجتماعية، وتنتهى جميع آثاره، وأنّ محاولة إبقاء هذا الفارق هى من أجل إحياء (ماضى) اندثر ولم يعد له وجود فى حياة الشعوب. ولاما تجتمع عليه الشعوب (أوالشعب الواحد) وإنما تجمعهم المصالح الاجتماعية والاقتصادية المشتركة، بدون النظرللدين أوللمذهب. وكان أكثردقه عندما أضاف ((وإننى أتمنى أنْ أرى اليوم الذى يجمع كل أسباب مرافقنا، حتى فى الزواج والطلاق، وما إلى ذلك من أحوالنا الشخصية، تحت نظام واحد بحيث نعيش حياة مدنية مُحكمة منظمة)) وانضم قلينى باشا إلى عبدالجميد بدوى ووافقه على عدم تمثيل الأقليات. وكذلك على ماهرالذى قال إنّ ((تمثيل الأقليات فكرة هادمة لوحدة القومية وموجبة التفريق بين الشعب. وهذا ما لا نود الوقوع فيه))
أما محمود عزمى فقال : كان أحب شيىء لدينا أنْ نرى مصرقد بلغ من رقيها، أنْ راحت من أدمغة أبنائها مسائل التفريق بينهم تفريقــًـا يقوم على اختلاف العقائد والمذاهب (جريدة الاستقلال16سبتمبر1922) ووصل الشطط ببعض الإسلاميين (الذين أيـّـدوا المادة149 التى نصت على دين الدولة الإسلام، بأنْ طالبوا بأنْ ((يكون الوصى على العرش مسلمًـا))
وعن خطورة خلط الدين بالسياسة، ومحاولة الملك أنْ يكسب الإسلاميين فى صفه، تقدم النائب أحمد عبدالغفارإلى مجلس النواب بجلسة11/8/1926 باقتراح تضمن أنْ ((يـُـسن قانون بواسطة الحكومة يـُـقـدّم فى الدورالبرلمانى الآتى بجعل مشيخة الأزهر، والعاملين فيها وفى دارالإفتاء وظائف مدنية بالانتخاب. وأنْ يتضمن القانون (فى سبيل الحد من سلطات الملك) أنْ ((تــُـشرف وزارة الأوقاف اشرافــًـا فعليـًـا على الأوقاف التى يتولاها المفتى والأزهر)) وأضاف هذا النائب المحترم ((إننا نتألم جميعـًـا يا حضرات النواب مما أصاب الأزهرمن مصائب، ومما دفع إليه الأزهربواسطة كبارشيوخه. ومن تأثيربعض رجاله بتلك المرتبات التى تكاد تكون أشبه شىء بالرشوة لهم (ولذلك) لانريد أنْ يكون الأزهرتحت إرادة أى إنسان كائنــًـا ما كان.. إنّ الأزهرأصبح يسير- بتأثيرهذه المنح المالية الكبرى- إلى وجهة غير وجهته. وقد رزينا (= ابتلينا) بما فعله الشيوخ. وأنّ من له رأى مستقل نقلوه إلى الجهات النائية بلا ذنب أوجريمة. إننا لانريد أنْ يتدخل الأزهرفى السياسة فيفسدها، ولاتتدخل السياسة فى الأزهر فتفسده)) (مضبطة مجلس النواب- جلسة 11 أغسطس1926)
ولما روّج الإسلاميون لتتويج الملك فاروق بإحتفال دينى، فإنّ الليبراليين اعترضوا وقاوموا ذلك التوّجه ، حتى لاتوصم مصربأنها (دولة دينية) وحسم الموقف مصطفى باشا النحاس (رئيس الوزراء) فخضع الملك وانهزم الإسلاميون. وفى تلك المعركة السياسية/ الفكرية ظهركل كاتب على حقيقته، ففى حين يعتقد البعض بأنّ العقاد أحد الليبراليين المصريين، فإنهم يتجاهلون مواقفه شديدة الرجعية، من ذلك أنه انضم لفريق الأصوليين ودافع عن تتويج فاروق بإحتفال دينى فكتب ((نود أنْ نعرف أين هوالتناقض بين الدستور وإقامة الحفلة الدينية؟ إنّ المادة 149 من الدستورتنص على أنّ الإسلام دين الدولة، فأى احتفال أولى بأنْ تظهرفيه هذه الحقيقة من الاحتفال بولاية الملك وهوعنوان الدولة وتاجها الأعلى..إلخ)) (جريدة المصرى19/6/37)
وفى جلسة مجلس النواب يوم21يوليو1937 ناقش المجلس الاستجواب المُـقـدّم من بعض النواب حول الحفلة الدينية، فقال النحاس باشا: إنّ المادة 50 من الدستورأوجبتْ أنْ يـُـباشرالملك سلطته الدستورية بحلف اليمين أمام هيئة المجلسيْن مجتمعيْن ويقول: أحلف بالله العظيم أنْ أحترم الدستوروقوانين الأمة المصرية وأحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه. وهذا القسم أمام ممثلى الأمة فى البرلمان هوالاجراء الدستورى الوحيد، فلايجوزاشتراط مراسيم دينية أوغيردينية. وأنّ النص فى الدستورعلى أنّ دين الدولة هوالإسلام لايـُـبيح تجاوزحدود الدستوربإتخاذ إجراءات أخرى لم ينص عليها. أى أنّ النحاس باشا رفض المزايدة بالدين. رغم أنه كان- على المستوى الشخصى- شديد التدين ولكنه خشى من أنْ يتحوّل منصب الملك من (منصب دستورى) إلى (حق إلهى) وهكذا انتصرالتيارالليبرالى برفض تتويج فاروق باحتفال دينى، والأهم رفض التمييزبين البشرحتى ولوكان ملك البلد.
***