جنيف4 والحل السياسي الممكن

منذر خدام
2017 / 3 / 7

جنيف 4 والحل السياسي الممكن
منذر خدام
أيام قليلة تفصلنا عن الذكرى السابعة لانتفاضة الشعب السوري ضد الاستبداد، وفي سبيل الحرية والديمقراطية والكرامة ، و قد دخلت في مرحلة جديدة من مسارها عنوانها العريض جنيف4 و بدء الحل السياسي للخروج من الأزمة، التي أدت إلى إخراج سورية من التاريخ الفاعل في المنطقة لعقود من السنين. لقد صارت سورية خلال السنوات الست الماضية من عمر أزمتها أقرب إلى التفسخ الجغرافي والبشري، تتقاسم فسخها دول طامعة عديدة، إقليمية وبعيدة كان أغلبها من أسباب حالتها الراهنة، وهي تحاول اليوم أن تكون من أسباب خروجها منها والبدء في تعافيها. لقد جرت مياه كثيرة في مجرى الأزمة السورية رسمت جميع تعرجاتها، وهي اليوم تقف عند منعرجها الأخير، ربما، أعني منعرج جنيف 4.
لقد شكل التدخل الروسي العسكري في سورية، منذ أكثر من سنة، العامل الحاسم في جعل المنعرج الحالي للأزمة السورية ممكنا، وربما نهائيا، فهو ليس فقط قد حال دون سقوط الدولة السورية، بل وساهم إلى حد كبير في جعل التفكير السياسي سواء للنظام أو للمعارضة أكثر واقعية. بطبيعة الحال لم يكن حصول هذا التحول سهلا،إذ تطلب جهدا عسكريا ودبلوماسيا لأكثر من سنة، اجتهد النظام خلالها لإظهار التدخل الروسي وكأنه تدخل لإنقاذه من السقوط، في حين نظرت المعارضة (منصة الرياض على وجه التحديد) إليه على أنه احتلال. اليوم صار النظام يقبل بمناقشة مسائل كان يرفضها باستمرار، وصارت المعارضة تشكر روسيا على دورها الإيجابي في التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية.
كانت البداية بمساعدة روسيا، بواسطة طيرانها الحربي، الجيش السوري وحلفائه على وقف تراجعهم على مختلف الجبهات في خريف 2015 والتحول إلى الهجوم، خصوصا، على جبهة حلب التي نجح النظام باستعادة السيطرة عليها في نهاية المطاف. وكان يخطط مع إيران لمتابعة الهجوم على إدلب، غير أن روسيا حالت دون ذلك وأعلنت رسميا أنه بعد حلب هناك وقف إطلاق نار شامل والبدء بالحل السياسي.
من جهة أخرى نجحت روسيا بمساعدة تركيا في إقناع أغلب الفصائل العسكرية المعارضة المصنفة معتدلة بأن استمرارها في القتال يعني نهايتها المحتومة، وبالتالي لا فرصة أمامها إلا الانخراط في العملية السياسية، وكان لها ذلك. لقد أدرك الروس منذ البداية أن إعطاء الأولوية في العمل الدبلوماسي لجذب المعارضة المسلحة إلى المسار السياسي سوف يكون له دور حاسم في تحفيز المعارضة السياسية للانخراط فيها بصورة جدية وعقلانية. إن مسار " أستانا " كما وصفه الروس حقا هو الذي جعل جنيف 4 ممكنا، إنه بالفعل كان بمثابة المدحلة التي مهدت الطريق لانعقاد جنيف 4، وسوف يستمر في تمهيدها حتى وصوله إلى خواتيمه الناجحة في التوصل إلى الحل السياسي التوافقي للأزمة. يدرك الروس جيدا أن من يحمل السلاح في وجه النظام، والقابضون على الأرض هم القادرون على ترجمة السياسة أفعالا، لذلك عملوا بذكاء ليس فقط لثقيل حصتهم في منصة الرياض، وعزل المتطرفين السياسيين والعسكريين منها، بل والحفاظ على مسار أستانة كنوع من الموجه لجنيف 4، والمناورة به للضغط على المعارضة السياسية لكي تكون بناءة أكثر في تعاملها مع قضايا الحل السياسي التي تضمنها جدول الأعمال المقترح من ديمستورا. في الواقع حتى جدول الأعمال الذي اقترحه ديمستورا وكذلك ورقة " اللاورقة" كما سميت، والتي تضمنت بمبادئ الحل السياسي الإثني عشرة ما كان للمعارضة ولا للنظام القبول بها لولا التدخل الروسي الحاسم بمساعدة تركيا بطبيعة الحال. لقد تولت روسيا مهمة " إقناع" النظام بقبول جدول الأعمال المقترح، في حين تولت تركيا مهمة " إقناع" المعارضة المسلحة والسياسية بقبوله، وهذا بحد ذاته يعد إنجازا مهما على طريق التسوية السياسية للأزمة السورية.
جنيف 4 إذا؛ صار لديه جدول أعمال مكون من أربع سلات، في السلة الأولى وضعت جميع القضايا المتعلقة بالانتقال السياسي وتشكيل هيئة حكم ذات مصداقية وغير طائفية بحسب نص القرار 2254 الذي صار الأساس للمفاوضات. وفي السلة الثانية وضعت القضايا المتعلقة بإعداد دستور جديد، في حين وضعت في السلة الثالثة القضايا المتعلقة بالانتخابات ، وفي السلة الرابعة التي أضيفت بناء على طلب وفد النظام وضعت القضايا المتعلقة بمحاربة الإرهاب. إضافة إلى السلال الأربعة التي سوف تناقش بالتوازي، وهذا بحد ذاته إجراء مهم، إذ في جميع الجولات السابقة لجنيف كان وفد النظام يرفض البحث في أية قضية إلا بعد التوافق على محاربة الإرهاب، فقد وضع ديمستورا قواعد لإدارة الحوار.
بالنسبة للسلة الأولى ثمة خلافات بينة بين أطروحات المعارضة بمختلف منصاتها ووفد النظام، ففي حين تركز المعارضة على مطلب تشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة تنفيذا لما جاء في بيان جنيف1، يصر النظام على تشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة. تصر المعارضة أيضا على تعليق العمل بالدستور المعمول به حاليا، وإصدار إعلان دستوري مؤقت يصر النظام على بقاء العمل به لحين التوافق على دستور جديد تجنبا لحصول فراغ دستوري بحسب زعمه . وهناك أيضا إشكالية دور الأسد خلال المرحلة الانتقالية، إذ لا تزال تصر معارضة منصة الرياض على أن لا يكون له أي دور خلال المرحلة الانتقالية، في حين لا تمانع منصة القاهرة وموسكو من بقائه بصلاحيات معينة متفق عليها. بالنسبة لوفد النظام فلا يزال يعد مناقشة دور الأسد خطأ احمرا لن يقبل بتجاوزه.
من الواضح أن قضايا السلة الأولى هي الأعقد من بين بقية قضايا السلال الأخرى، وسوف تحتاج بالتأكيد إلى تدخلات دولية إلى التوصل إلى حلول وسط لها تكون مقبولة من الطرفين.من وجهة نظري يمكن للمعارضة أن تقبل ببقاء الأسد خلال المرحلة الانتقالية، وحتى ببقاء العمل بالدستور الحالي شريطة أن يشارك رئيس الوزراء، الذي ينبغي أن يكون من المعارضة، جميع صلاحيات الرئيس المنصوص عنها في الدستور الحالي. أقول يشارك وليس يتقاسم، ففي الحالة الثانية سوف يجري عندئذ نقاش لا ينتهي حول الصلاحيات التي سوف يتخلى عنها الرئيس لرئيس الوزراء، ويصعب التوافق عليها، أما في الحالة الأولى فتصير الصلاحيات ثنائية التوقيع.
إن المخرج من الإشكاليات التي تطرحها قضايا السلة الأولى يكون بالإسراع في إنجاز قضايا السلة الثانية المتعلقة بإعداد دستور جديد. في هذا المجال تتفق المعارضة على أن يكون النظام السياسي الجديد نظاما برلمانيا، في حين يميل النظام لبقاء النظام رئاسي. لكن باعتقادي لن تكون هذه مشكلة غير قابلة للحل، وربما يكون هذا الحل نوع من النظام المختلط الرئاسي البرلماني. الخلاف سوف يحصل عندما تطرح قضايا تتعلق بطابع هذا النظام هل سوف يكون علمانيا صرفا أي بدون أية إحالات دينية، أم سوف يظل يحافظ على مرجعيته الدينية والتشريعية. بخصوص هذه المسألة تتمايز المعارضة فمعارضة الرياض لن تقبل بدستور علماني، في حين قد تجد معارضة منصة موسكو ومنصة القاهرة موقفها من هذه المسألة أقرب إلى موقف النظام. من وجهة نظري يمكن الوصول إلى حل وسط لهذه المسألة بحيث لا ينص الدستور على دين رئيس الدولة إلا إذا اعتمد النظام البرلماني الذي تكون فيه صلاحيات الرئيس بروتوكولية، في حين يكون منصب رئيس الوزراء متاحا لجميع السوريين. أيضا يمكن التوصل إلى حل وسط بخصوص الشريعة الإسلامية أو الفقه الإسلامي كمصدر من مصادر التشريع من خلال التأكيد على القضاء المدني.
فيما يتعلق بقضايا السلتين الثالثة والرابعة لن تكون هناك مشكلات كبيرة. بطبيعة الحال سوف يضغط النظام على أن لا تنظم وتراقب الأمم المتحدة الانتخابات، بدعاوى خرق السيادة الوطنية(كذا) وغيرها، لكن في النهاية لن يكون موقفه قويا نظرا لأن القرار 2254 حسم هذه المسألة بعبارات صريحة. سوف يناور أيضا فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب إذ سوف يطالب بتأجيل أية انتخابات، وربما أي دستور جديد، إلى حين القضاء على الإرهاب وبسط سلطة الدولة على كامل التراب الوطني.
لم يكتفي ديمستورا بطرح سلاته الأربعة، بل أرفقها بمبادئه الإثني عشرة التي تضمنتها ورقة " اللاورقة" التي ينبغي أن يقوم عليها الحل السياسي. لقد جاء في الورقة:
في البند الأول: احترام سيادة سوريا واستقلالها وسلامتها الإقليمية ووحدتها أرضاً وشعباً.
وفي البند الثاني: حماية تمتّع سوريا بالمساواة التامة من حيث السيادة الوطنية، وبالحق في عدم التدخل في شؤونها والحفاظ على التمتع بهذه السيادة وهذا الحق، وأن تمارس سوريا دورها الكامل في المجتمع الدولي، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة ومقاصده ومبادئه، ولا يجوز التنازل عن أي جزء من الأراضي الوطنية، ويظل الشعب السوري ملتزماً باستعادة الجولان السوري المحتل بالوسائل المشروعة والمتاحة.
وفي البند الثالث: يقرر الشعب السوري وحده مستقبل بلده بالوسائل الديمقراطية عن طريق صندوق الاقتراع، ويكون له الحق الحصري في اختيار نظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي دون أي ضغطٍ أو تدخلٍ خارجي.
وفي البند الرابع: تكون سوريا دولة ديمقراطية وغير طائفية تقوم على المواطنة والتعددية السياسية، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، واستقلالية القضاء، وحماية الوحدة الوطنية، والاعتراف بالتنوع الثقافي للمجتمع السوري، وحماية الحريات العامة، وتنعم بحكم يتصف بالشفافية ويشمل الجميع ويخضع للمساءلة، فضلاً عن اتخاذ تدابير فاعلة لمكافحة الفساد والرشوة وسوء الإدارة، بما في ذلك المساءلة أمام القانون الوطني.
وفي البند الخامس: تلتزم الدولة بالوحدة الوطنية، وبالتمثيل العادل، وبإدارة المحليات في الدولة والإدارة المحلية الذاتية للمحافظات والمحليات.
وفي البند السادس: استمرارية عمل الدولة ومؤسساتها العامة، وتحسين أدائهما مع إجراء إصلاحات وفقاً لما تقتضيه الضرورة، والالتزام بخدمة عامة تمثل الجنسين وجميع المناطق والمكونات في سوريا تمثيلاً كاملاً، ويجب أن يستفيد المواطنون من آليات حماية فاعلة في علاقاتهم بجميع السلطات العامة بطريقة تكفل الامتثال التام لسيادة القانون ولحقوق الإنسان ولحقوق الملكية الخاصة.
وفي البند السابع: الحفاظ على القوات المسلحة قوية وموحدة تحمي بشكلٍ حصريٍ الحدود الوطنية، وتحفظ شعبها من التهديدات الخارجية، وفقاً للدستور، وعلى أجهزة المخابرات والأمن أن تركز على صيانة الأمن الوطني وتتصرف وفقاً للقانون.
وفي البند الثامن: الرفض المطلق للإرهاب والتعصب بجميع أشكالها.
وفي البند التاسع: احترام حقوق الإنسان والحريات وإيجاد آليات قوية لحمايتها لا سيما في أوقات الأزمة، بما في ذلك عدم التمييز، والمساواة في الحقوق والفرص للجميع بدون تمييز بسبب الجنس أو الدين أو العرق أو الهوية الثقافية أو اللغوية أو نوع الجنس أو لأي سبب آخر من أسباب التمييز، مع تمتع المرأة بكامل الحقوق السياسية والفرص على قدم المساواة مع غيرها، بما في ذلك تمثيلها ومشاركتها بصورة فاعلة في المؤسسات وفي هياكل صنع القرار، مع الأخذ بعين الاعتبار مستوى تمثيل النساء 30% على الأقل.
وفي البند العاشر: إسناد قيمة عالية للهوية الوطنية لسوريا ولتاريخها القائم على التنوع، وللإسهامات والقيم التي جاءت بها جميع الأديان والتقاليد الى سوريا، بما في ذلك التعايش فيما بين مكوناتها المختلفة، إلى جانب حماية التراث الثقافي الوطني للدولة وثقافاتها المتنوعة.
وفي البند الحادي عشر: توفير الدعم لرقيقي الحال وللضعفاء والعجزة والفقراء، وضمان السلامة والمأوى للمشردين واللاجئين، بما في ذلك حقهم في العودة إلى ديارهم إذا رغبوا في ذلك.
البند الثاني عشر: صون وحماية التراث الوطني والبيئة الطبيعية من أجل الأجيال القادمة.
من وجهة نظري تعد جميع هذه البنود جيدة، ربما بعضها يحتاج إلى مزيد من التدقيق والتوضيح، خصوصا ما جاء في البند السابع إذ لا يمكن القبول بأجهزة الأمن الحالية، ولا بالواضح الحالي للجيش السوري، إذ لا بد من إعادة بنائها على أسس وطنية احترافية جديدة وإبعادها عن السياسة .يمكن النظر في إضافة بنود أخرى إذا تطلب التوافق ذلك.
بصورة عامة يمكن القول أن الأزمة السورية لأول مرة وضعت على طريق الحل السياسي بصورة جدية، وصار لدى السوريين ما يشتغلون عليه غير القتال ومتطلباته. بطبيعة الحال سوف يحتاج السوريون في جنيف 4 إلى المسك بأيديهم في كل قضية من قضايا الحوار في جنيف، من جهة لكونهم قد شيطنوا بعضهم بعضا، ومن جهة ثانية لكثرة التدخلات في شؤونهم لغير صالح بلدهم وشعبهم، ومن جهة ثالثة لضعف خبرتهم واستعدادهم لقبول الحلول الوسط. رغم كل شيء لا بد من الرهان على بقايا حس وطني لدى السوريين في جنيف لإنقاذ سورية وشعبها، من خلال الانتقال إلى نظام ديمقراطي حقيقي، إذ أن كل العلة لما حصل لسورية وشعبها تكمن في الاستبداد، فهل نستفيد من الفرصة التاريخية المتاحة للقطيعة معه؟!!