اَلْهَوَاْنْ ..!

فيصل عوض حسن
2017 / 3 / 6

اَلْهَوَاْنْ ..!

د. فيصل عوض حسن

هَوَانْ في اللُّغَةِ تعني الضَعْفْ والخِزْيْ، ويُقال أيضاً (الهُونْ)، وسواء كان الهُونْ أو الهَوَان فهما عكس/نقيض العِز، فيُقال هَانَ أي ذَلَّ وحَقَّرْ، أو هَوْناً/هَوَاناً أي ذُلْ ومَهَانَة، أو أَهَانَ/إِهَانَة أي اسْتَخَفَّ به/احتقره/أَذَلَّه وقَلَّلَ من قَدْره، أو لَمْ يَنْظُرْ إِلَيْها بِعَيْنِ الاعْتِبارِ أو يَهْتَمَّ بِها وهكذا. ولقد قادني لهذه المُقدِّمة اللُّغَويَّة، ما يحياه السُّودانيون من هَوَانٍ فاق حدود الوصف والمعقول علي يد العصابة الإسلاموية الحاكمة.
وفي الحقيقة، يصعُب الحديث عن البشير وعصابته، فأفعالهم ومُمارساتهم أَلْقَت بظلالها السالبة على كافة الأصعدة، وتحتاجُ لمُجلَّداتٍ وكُتُب ويصعُب تحديدها وحَصْرُها في جوانبٍ مُعيَّنة، غير أنَّ ما يُمكن تأكيده هو اعتمادهم الكامل على (العُنف)، بدءاً بانقلابهم على السُلطة واستمرارهم دون شرعيةٍ (حقيقية)، ومُحاولاتهم المُستَميتة لشَرْعَنَة تجاوُزاتهم باسم الدين، ودَغْدَغَة المشاعر وإضفاء (القُدسية) على تلك المُمارسات، وتنصيب أنفسهم أوصياءً على البلاد وأهلها وخياراتهم، وتصوير كل ذلك كأوامر إلهية (عبادة). وكانوا – ولا يزالون – في حالة تحذيرٍ دائمٍ من خصومٍ وهميين/مجهولين، ليُبرروا جرائمهم وفقاً لهذا التضليل، أو ما يُعرف بمنهج (الغاية تُبرِّر الوسيلة)، وما نحياه الآن نحياه الآن من مَهَانَةٍ وأزماتٍ مُتراكمةٍ وخطيرة، تُهدِّد بقاء السُّودان كدولة وتُنذِر بزواله، هو نتيجة ومُحصِّلة إجمالية لتلك المُمارسات الإسلاموية!
فالواقع الماثل أمامنا يقول بفُقدَاننا لأجزاء واسعة من أراضي الدولة، بالاحتلال الجَبْرِي كالاحتلالين المصري والإثيوبي، أو عبر رَهْنْ وبيع أراضينا كحالة الصين والإمارات السعودية وغيرهم! وهناك تزايُد مُتسارع للإجرام الإسلاموي ضد الشعب السُّوداني، خاصةً القتل وبأكثر من وسيلة، كالضرب بالقنابل والصواريخ والبراميل المُتفجِّرة والأسلحة الكيماوية (حالة دارفور والمنطقتين)، أو القتل بالرُصَّاص كما جرى في بورتسودان وكسلا وكجبار وأمدوم وشمبات والحماداب وفي الجامعات والقائمة تطول! فضلاً عن القتل بالمواد السامَّة كالسيانيد أو بالنفايات التي دفنها المُتأسلمون بأكثر من منطقة، أو بالأطعمة المُسَرطَنَة التي تملأ الأسواق، أو بالمُخدَّرات الواردة للبلاد بكثافة، وبرعاية رؤوس الفجور الإسلاموي الحاكمين! وهناك إمعانُ المُتأسلمين وسعيهم الحثيث لتغيير التركيبة السُكَّانية، مُستخدمين أكثر من أُسلوب كالقتل والتعذيب والاغتصاب والاعتقال، أو التجويع والتشريد من الخدمة وتشديد الضغوط الاقتصادية على الشعب بما يدفعهم للخروج من البلاد. وفي المُقابل يستقبل المُتأسلمون الأجانب، ويفتحون لهم الأبواب ويمنحونهم المزايا المحجوبة عنَّا، وبعضهم بات يشغل مناصباً دستورية وحَسَّاسة ويتحكَّم في حاضر ومُستقبل البلاد وأهلها. واللافت في الأمر، أنَّ تغيير التركيبة السُكَّانية للسُّودان، يتم بدعمٍ إقليميٍ ودوليٍ فاضح، ودونكم الأموال الأوروبية التي منحوها للمُتأسلمين بحجَّة مُحاربة تجارة البشر (حسب زعمهم)، أو الأموال العربية مُقابل استقبال وتوطين الروهينقا والبدون و(غيرهم) خصماً على شعب السُّودان ومُقدَّراته، رغم علمهم برعاية البشير وجماعته لتصدير (مُرتزقة) الحروب، وهي جريمة أخطر من تجارة البشر بكثير، ولا تحتاج لاستدلالٍ مِنَّا أو استشهاد!
ومُؤخَّراً بدأ المُتأسلمون فصولاً جديدة من إجرامهم دون حياءٍ أو تردُّد، بعدما بَطَشُوا ونَكَّلوا بالبلاد والعباد، وقاموا بشراء السَّاقطين والمُغامرين ولَبُّوا رغبات الطَّامعين والمُغامرين من العالم الخارجي، وخصوصاً الموصوفين بـ(الأشقاء)، الذين ينهشون في جسد السُّودان المُبتلى بالبشير وعصابته. والمُتأمِّل للمُمارسات الأخيرة، يَلحَظ جُرأة كبيرة تتَجَاوَز ما كانوا يفعلونه (سابقاً) بتردُّدٍ و(بعض) الحياء! فالمُتأسلمين يبيعون الآن كل شيء مهما كان وبأبخس الأثمان ويتنافسون في هذا، ومن أبرز أمثلة ذلك لجوء البشير لبيع جيشه بالـ(رأس) كما تُباع الدَّوَاب وأصبح استثماراً جديداً، وقوده الأرواح السُّودانية التي يراها (رخيصة)، وعوائده له ولمُعاونيه وخاصَّته من سَقَط المَتَاع! وهناك أيضاً تَسَتُّرْ البشير وعصابته على جريمة فسائل النخيل التي ترتقي لمُستوى الخيانة الوطنية، وبدلاً من المُحاكمة والطرد والتعويض، مَنَحُوا الجُنَاة والمُخرِّبين مساحاتٍ إضافية، وفق ما أعلنوا في مُؤتمرٍ (ارتجالي) عن اعتزامهم زراعة 221 مليون نخلة بالبلاد، والحديث يطول في هذا الجانب وسنُفرد له مساحة تفصيلية لاحقة بإذن الله.
هذه المَهَانَة التي يشهدها السُّودان وأهله، و(قُوَّة عين) المُغامرين والطَّامعين الخارجيين، لها أسبابٌ كثيرة على رأسها (شخصية) البشير (المهزوزة/المُنكسرة)، فهو يستجيب لابتزاز كل من يستغل (تجاوُزاته) المُوثَّقة، كرعايته للجرائم البشعة بدارفور وغيرها، والتي جعلته مُلاحقاً من العدالة الدولية، وأصبحت البلاد وأهلها رهينون بسلامته وأمنه الشخصي، فضلاً عن تورُّط البشير وعصابته في مُحاولة اغتيال حسني مُبارك بأديس أبابا عام 1995، فاستغلَّها المصريون والإثيوبيون واحتلُّوا أجزاءً واسعة من بلادنا، ولا تزال توغُّلاتهم مُستمرَّة وستستمر طالما بقي البشير بالسُلطة. واستغلال الصين للبشير وعصابته كان كبيراً، وخسارتنا كدولةٍ وشعب من هذا الاستغلال (مُركَّبة)، فسعي البشير لسلامته الشخصية وطمعه في دفاع الصين عنه دولياً، بجانب أطماعه المالية هو وعصابته، دفعه لمَنْحْ الصينيين أفضل أراضينا ومُقدَّراتنا كضماناتٍ للقروض التي نالوها بشروطٍ لا يقبلها إلا المُخرِّبين والخَوَنة، ثمَّ أحالوا مُعظمها لمصالحهم الخاصَّة ويقومون الآن بتسليمها بحِجَجْ التطوير والاستثمار، ولتتأملوا ما يفعله (الآفة) عوض الجاز ومن شايعه بمشاريع الجزيرة والرهد والسُّوكي وغيرها. وبذات السياق، استغلَّ (الأشقاء) بالإمارات والسعودية وغيرهما (شخصية) البشير غير السَويَّة وانحطاط مُعاونيه، فاستولوا على حصصهم فينا، سواء كانت هذه الحصص أراضي أو عقارات أو مُؤُسَّسات أو ثروات أو بشر!
السببُ الثاني لحالة الهَوانْ التي نحياها الآن، يعود للموصوفين بـ(قادة/زُعماء) وللموصوفين بنُخبة مُتعلِّمة/مُثقَّفة. فقادة/رموز الكيانات بعضهم لا يعرف (الحياء)، وقَبِلَ وبكل (انكسار) بفتات المُتأسلمين وشاركهم الإجرام تأييداً وصَمتاً، لتأتيهم صفعة البشير قوية على نحو ما فعله مُؤخَّراً بتعيين نائبه رئيساً للوُزراء، رغم الانبراشات وفروض الولاء التي أبداها الكثيرون في (الوثبة)، ومع هذا هَلَّلَ بعضُهم لذلك التعيين! وبعضُ الموصوفين بقادة/رموز، يتأرجحُ ما بين النضال و(الانبراش)، وبعضهم يُقاتل دون أثرٍ أو نتيجةٍ ملموسة، وجميعهم لا يملكون رُؤية رصينة لإنقاذ ما تبقَّى من البلاد وأهلها وإعادة تأهيلهم وبنائهم، ولم يُبْدِ أياً منهم جهداً (حقيقياً/عَمَلِيَّاً) لإيقاف الجرائم الإسلاموية المُتزايدة ضد البلد وأهلها. وبالنسبة للموصوفين بالنُخبةِ المُتعلِّمة، نجدهم يحيون تَوَهاناً كبيراً إلا القِلَّة القليلة منهم، وبدلاً من قيامهم بالتوعية وصناعة التغيير الحقيقي، يَتَّبِع غالبية هذه النُخبة الموصوفين بقَادَة/رموز بلا وعيٍ أو نقاش، ويستميتون دفاعاً عنهم وعن أسرَهِم أكثر من السُّودان، رغم فشل أولئك (الرموز) ومُتاَجَرَتهم بكل شيئ وتركيزهم على السُلطة والثروة و(توريثها) لأنجالهم! وبعضُ هذه النُخبة شَارَكَ المُتأسلمين الإجرام وصَعَدَ على جماجم البُسطاء وحُطَام بلاده، وبعضهم يُجَادِل في أمور بعيدة عن الأزمات الحقيقية ويقع في الفِخَاخْ الإلهائية الإسلاموية، كالمُؤتمرات الإنصرافية وغير ذات الأولوية المُلِحَّة. والأغرب أنَّ غالبية هذه النُخَبْ السُّودانية، يتساءلون (ببلاهة) عن البديل الآمن دون أن يُفكِّروا أن يكونوا هم البُدَلاء!
السببُ الثالث لحالة الهَوانْ التي نحياها الآن، نُجسِّده نحن عامَّةُ الشعب بانسياقنا خلف (الإلهاءات) الإسلاموية، وحَكْمَنَا بالعواطف دون تَدَبُّر/تَعَقُّل، وجُنوحنا للقَبَلِيَّة/الجَهَويَّة والحزبية الضيقة، وتُغَافَلْنَا عن المُتأسلمين والمُغامرين بالداخل والخارج! فعلى الرغم من قناعتنا الرَّاسخة بمُضي البشير وعصابته في إجرامهم تجاهنا (أرضاً وشعب)، ما يزال بعضنا (يفرح) بتنصيب نائبه رئيساً للوزراء، ويتناقل (حَسَناته) المفقودة عبر وسائل التواصُل الاجتماعي ببلاهة يُحسَد عليها، مُتناسياً أنَّ هذا (النائب الأوَّل) للبشير شريكٌ أساسي، ومحور ارتكازٍ في كل الجرائم المُرتكبة ضد البلد وأهلها. وفي الوقت الذي نرى فيه الدعم الخارجي الكبير للبشير وعصابته، يسعد بعضنا بسذاجة للانفتاح العالمي (المزعوم) واستثمارات (الأشقَّاء) الوهمية/الكَذُوبة، دون أن نتوقف في ضربات أولئك (الأشقَّاء) وتعاوُنهم مع المُتأسلمين! وفي الوقت الذي يتلاعب بنا الموصوفين بقادة/رموز ويسعون لإشباع شهواتهم السُلطوية والمالية، نخرج لاستقبالهم بالآلاف، ونُشاهدهم بفرحة وهم يُمارِسون رياضاتهم الاستفزازية كالتقاط الأوتاد/الخوازيق! وما تبقَّى مِنَّا كشعب، يحيا غيبوبة (مُدهشة) ويُساهم بفعالية في ترويج الدرامات الإسلاموية، بمُسميَّاتها الغريبة كـ(الوثبة) و(شُذَّاذ الآفاق) و(الهوت دوق/الكَلِبْ الحَار) و(الجُقُور آكلة الجُسُور)، ومُؤخَّراً زواج التراضي و(قَسِيمته المضروبة)، أو المُشادات الإسلاموية المُفتعلة والمُوزَّعة بينهم بدقَّة لإلهائنا وإشغالنا بتفاهاتهم التي لا تنتهي!
إنَّ حالة الهَوَانْ التي نشهدها الآن مُتشعِّبة ومُعقَّدة وستتفاقم بنحوٍ أكثر خطورة، وستقود إلى زوالنا (أرضاً وشعب)، وبدأت نُذُرها في التصاعد والظهور الآن، ليس فقط ببروز بعض الجرائم غير المألوفة وغيره، وإنَّما من جُرأة الجميع علينا وعلى مُقدَّراتنا، لأنَّهم لم يجدوا الرَّدْع والحَسْم. ومسئولية إيقاف كل هذا العَبَث والنُّهوض من الانكسار إلى العِزَّةِ والشُّمُوخ، تقع علينا نحن السُّودانيون بالدرجة الأولى، والعالم الخارجي الطامع في مُقدَّراتنا ويستكثرها علينا لم ولن يُنقذنا. وأوجِّه الدعوة بصفةٍ خاصَّة للمُخلصين من نُخبتنا المُتعلِّمة، للإسراع بوضع استراتيجيات وخطط (عملية/قابلة للتطبيق) لاقتلاع البشير وعصابته، باعتبارهم الخطر الأكبر الذي يُهدِّد بقاء السُّودان كدولة/أرض، ويُمكنهم إدخال مُجادلاتهم الحالية (دين/هوية وغيره) في استراتيجيات وخطط إعادة بناء السُّودان عقب اقتلاع هؤلاء، فليسارعوا الآن للحاق بما تبقَّى من سُّودان قبل زواله!
أُكرر ما ظللتُ أقوله دوماً، بأنَّنا نحن فقط المعنيون بتغيير أوضاعنا بأسرع ما يكون، والخوف من المُتأسلمين لم ولن يُجدي، فالموت والدمار اللذان يصنعهما المُتأسلمون باحترافية لم ولن يتوقَّفا، وعلينا الاتعاظ من تجربتنا المريرة مع البشير وعصابته المُمْتَدَّة لـ(28) سنة وهي كافيةً جداً للتقييم و(التعلُّم) و(التقويم)، فلنتَّحد بصدق لننجوا جميعاً وإلا لن نجد سوداناً نتجادل بشأنه.