وهم العصيانات المدنية

الطيب عبد السلام
2017 / 3 / 5

وهم الاضراب المدني
الطيب عبد السلام/ كاتب و اعلامي-الخرطوم

مع القرارات الاقتصادية المريرة الاخيرة بتعويم الجنيه السوداني و مساواة سعر صرف العملات الاجنبية لدى المصرف المركزي باسعارها في السوق السوداء و تجار العملات و ما صاحب ذلك من رفع اسعار المحروقات التي ادت بدورها ارتفاع الاسعار في كافة قطاعات الحياة خدمية او تجاريةو ادت الى تحرير اسعار الدواء مما جعل الادوية تصل الى اسعار فلكية بالنسبة للقدرة الشرائية ازاء ذلك تعالت اصوات دعاة الاضراب المدني العام.

لكن الاضراب هو الية قديمة تعود الى زمن القرن الاشتراكي الماضي و هو وسيلة متأخرة لعلاج مشكلة متآينة.

فالداعين الى الاضراب المدني لاسقاط النظام هم يعانون من حالة تأخر زمني و هم لا يزالون يعيشون في عقلية القرن الماضي و اوهام امتلاك الدولة ل "القطاع العام".

نحن اليوم في الدولة السودانية او ما تبقى منها لسنا مدارون بعقلية القطاع العام بل بعقلية الخصخصة و الاقتصاد الرأسمالي و بالتالي اصبح الهم الاقتصادي هم فردي بحت و صار الكل يعمل لوجه مصلحته في جزيرته المعزولة.

نجح اضراب الاطباء لأن القطاع الطبي هو الوحيد الما زال صامدا و جامعا لهم الشعب باكمله الذي لا تتوفر لغالبيته تكاليف العلاج الخاص اضف الى ذلك فأن مستشفيات القطاع الخاص ليست منتشرة او بها فرص تدريب و مفاعلة كالمتوفرة بالقطاع الحكومي المعتمد في بقائه على خزان لا ينفذ من الخريجين الجدد الذين يستغنون عن سنوات خدمة مجانية من عمرهم ليترقوا في الاكليروس المهني لوظيفة الطب.

لكن ذات الامر لم و لن ينجح في التعليم مثلا نسبة لأن القطاع الخاص التعليمي صار مكافيئا للتعليم الحكومي و منافسا له و بالتالي فهو عبد مصلحته و ليس متضررا بأي فعل سياسي بل هو خاضع له و بالتالي يستحيل عليه عصيانه و التمرد عليه بل تكييف نفسه وفقا للظرف الجديد.
ان دولتنا اليوم لا يوجد بها قطاع عام من الاساس ليضرب!!!

و بالتالي فالحديث عن دعوة قطاع عام للاضراب شبيه تماما بمناداة جد اسطوري منقرض ليوقف بركاته عن الواقع.

ان اول ما قامته به الانقاذ و بذكاء يحسدها عليه اشرس الرأسماليين انها قامت بخصخصة المشاريع الكبرى و بالتالي ابعادها من يد اي تبعية ادارية حكومية تتعامل مع المواطن غير المؤيد للنظام الحاكم وجها لوجه و بكل الحياد المؤسساتي المطلوب بل و حتى وصول افراد غير مرضي عليهم من النظام الى ادارة تلك النقابات و الاتحادات.

هذه الخصخصة ادت الى شل نقابات العمال و اتحادات القطاعات هذه المؤسسات التي لم تكتفي الانقاذ باصدار قوانين تقتل اي نية مشاركة لها في القرار السياسي بل انها فرضت عليها و على رأسها قيادات الصف الاول في نظامها و على رأسهم وزير الخارجية الحالي د:ابراهيم غندور.

الانقاذ منذ رصاصتها الاولى كانت تعي ان الجهة الوحيدة القادرة على عرقلة انفرادها بالقرار السياسي و الاقتصادي هي النقابات المختلفة عمالية كانت او صحية حيث اعتقلت و صفت قيادات تلك النقابات التي كانت اول من رفض انقلابها العسكري و قامت ضده باضرابات ناجحة هزت كيان السلطة الجديدة فلم يكن منها الا ان ضربتها بالحديد و النار.

و لأن النظام يعرف ان القطاع العام هو مربط الفرس و هو بيت الداء "بالنسبة له" فقد وزع دمه بين القبائل و قضى على المشاربع الوطنية الرئيسية ابتداء بمشروع الجزيرة الذي بعد ان عاثت به الانقاذ دمارا اولت امر ادارته الى شركات صينية.
مرورا بالناقل الوطني "سودانير" و الشركة السودانية للنقل النهري مرورا بسكة حديد السودان الذي تقف قطاراته الحزينة شاهدة على مشاوير طويلة كان بها الوطن خيرا نيرا.

في مقابل ذلك فأن الاحادية السياسية و بالتالي الاقتصادية لم تسمح بقيام مشاريع انتاجية و خدمية تجبر الضرر و تعوض الفقد و تحل مكان القطاع العام بتنوع و جدارة فانفرد بالمبادرة الاقتصادية موالوا النظام و قادته من الامنيين و الاسلاميين و محاربة بقية المبادرات الوطنية الفردية حربا ضروسا ابتداء من المعيقات القانونية مرورا بفرض ضرائب لا سقف لها و انتهاء بالمصادرة و سحب الرخصة.

اذا فالنظام و بذكاء منه قضى على القطاع العام هذا القطاع الاقدر على مشاركته القرار التنفيذي و بالتالي التأثير على القرار السياسي و في المقابل فالنظام حينما تخلص منه اغلق الباب امام اي تعددية اقتصادية تنفيذية بديلة قد تشاركه القرار السياسي او تكبح من جماحه.

ادت هذه الاحادية الى انشاء دولة احادية شمولية مغلقة منذ منفذ البيع المباشر في التجزيئة وصولا الى وزير الصناعة مباشرة.
فالدورة الاقتصادية دورة مغلقة بيد النظام و حتى ما يتسرب منها تهريبا او بيعا في الاسواق السوداء فهو بعلم النظام البين و مشاركته الخفية فيه.

اذا فالحديث عن اضراب عام ليس سياغه الواقع الماثل في السودان لاسباب كثر لخصناها انفا في ان النظام صفى القطاع العام المنتج للنقابات و اتحادات العمال و منظمات الفئات.
و بديلا له اغلق باب التعددية الاقتصادية فظهرت شركات خدمية و تجارية و زراعية يأمن النظام جانبها لأنه مملوكة لقياداته الامنية و الحزبية.

ختاما نقول أن اي اضراب لن يؤثر على النظام بشئ لأن النظام استغنى سلفا عن خدمات القطاع العام القادر على مشاركته القرار السياسي.
ان اضراب شخص عن متجره و عن مخبزه لن يؤثر على الحكومة بل سيؤثر مباشرة على ارباحه هو الشخصية فيكون بذلك كمن صفع نفسه بيده هذا اذا لم تسحب السلطات منه ترخيص العمل او فرضت على غرامة او تعرض للاعتقال من قبل الامن الاقتصادي.

لذلك فالداعيين الى الاضراب المدني هم اشخاص يعيشون خارج صيرورة التاريخ و لا يدركون ان زمن القطاع العام و الدولة المالكة لزمام كل شئ و المفكرة نيابة عن الشعب قد ولى الى غير عودة و ان الراهن هو راهن المبادرة الفردية التي تثبت جدارتها و فشلها امام مضمار المنافسة و التكيف مع المستجدات.