ابن الفقيه (سيرة ذاتية) -3-

إبراهيم الوراق
2017 / 3 / 3

ابن الفقيه
سيرة ذاتية
-3-
يتبع

الأطفال يولدون من رحم الأمهات، وحجور الجدات، وحين ‏يكبرون، ويشتدون، يعاندهم الدهر بخباياه، ورزاياه، فإن نالوا ‏شراسة من أثداء المرضعات، وأحضان الأخوات، كانوا أقدر على ‏اختراق دروب الحياة بوميض يبدد مخاوف السكك المظلمة، ‏والقرى المؤلمة، وإن نالتهم المهاد بمعرة الجمود على تجاعيد ‏الذاكرة المبللة بوسخ البله، والخرف، كانوا أقرب إلى الحمق من ‏العقل، وإلى البلادة من الذكاء. هكذا نولد مع الصرخات، ‏والهتافات. وهكذا تكبر معنا الآهات، والأنات.‏

الفصل الأول
‏ في البداية كان ابن الفقيه كلمة مسطورة بين صفحات كتاب الأزل، وفي النهاية التي حصل عليها من الأجل، كان معنى ‏مقرورا بين حواصل الزلل، وبينهما كان لفظا مشاكسا يجاري الظلام في إغرائه، ويحاكي النور في إخفائه، لأنه ومهما غنى بلبله على ‏فنن الوجود المتلف على علته، فإنه لم يجد محط قدمه بين الديار التي ارتحل على رمادها قهرا، وانحاز إلى سرابها قسرا، وانتحل في ‏إرضائها أوكد ضروب صفاته، وأنبل نعوت لذاته، لئلا يعيش بين هوج الرغبات غريبا بلا هوية، ويحيى منكوبا في علاقته بذاته، ‏وفي روابطه بغيره. فهل كان القدر معاندا له حين فرق ذكرياته بين الأماكن المطلولة بنجيع شقائه، ونقيع عنائه.؟ إن هذا الغور هو ‏ما يثير لدى السارد تساؤلات تحتاج إلى دقة المواجهة في البحث عن خيوطها، وحدة المغامرة في الإجابة عن ظروفها، وإلا كانت ‏سببا لتأويلات قد لا تنفذ إلى مضمون حياة بشرية اعترض سبيلها ألم المناكب المسعورة بحمى الطلب الأجلب، ولا تصل إلى ‏إدراكات ربما تنفرد بمجموعة من الخصائص النفسية، والمزايا الروحية، أو ربما تستقل بجملة من سماتها المكبوتة، ولذاتها المستورة. ‏
قد يكون هذا مغريا على البحث في حياة ابن الفقيه الذي يطويه الدهر بين تلافيف ظلامه، وتلاوين سواده، وهو عنوان ‏على كل من عاش التجربة نفسها، وأصابه ما ناله من أوضارها، وحازه من أدرانها، ولم يكن له بد من مكابدتها، ومجاهدتها، ولا ‏عوض عن منازلتها بمنتهى أمله في زوالها، وفنائها، لأن تشابه الأطوار، وتشابك الأدوار، قد يجمع النقيضين في غاية من الغايات، ‏أو في مرام من المرامات، فتتوحد النتائج في القصود المرتجاة بحد من الحدود، ولو اختلفت البدايات التي تبني أس العلاقة مع ‏الذات، والأغيار. لكن صوارف الأحداث التي تعتري المكين بين طيات الأماكن المجللة بالقلق، والحيرة، والسؤال، لا تأتي دائما بما ‏يبهج الأوقات، ويسر بمطلعه المسارات، لأن خبايا المجهول عديدة، وقضايا محدثاته مديدة، وهي لا تودع مزورها إلا لكي تخلف ‏فيه بثورا، وتنجب فيه كسورا. تلك هي الحكاية التي أرقت مضجعه، وأحمت مجثمه، وصيرته فسيلة كسلانة في يد شلاء، ووردة ‏يتيمة في فلاة جدباء، إذ ما دبر القدر سببه، لا يمكن أن تبدد علته، لأنها تقوم به في أصله، وما عساه أن يكون نازفا عنه من ‏فروعه، فما هو إلا على سبيل القلة، والندرة. ومن هنا، لم يكن ابن الفقيه مفرد علم في افتقاره إلى مكمن يدرأ عنه غوائل الزمن ‏الكاسر، واحتياجه إلى مأمن يحميه من سبة الحظ الحاسر، بل يقابله في البشر ما لا حد له، ولا حصر، إلا أنه شرب مرارة الألم ‏في صباه، وتذوق جرعة الحزن في حماه، وما زالا يمتعانه بما يحس به بين الديار من غربة، ووحشة، لأنه لم يكن البكر الذي تلقف ‏ثدي الحياة في صغره، ولا الطفل المدلل بين دروب نشأته، لكي يصير حفيا بما ناله، وبهيا بما شمه من روائح تبدد عبقها بعد رفض ‏الزمن العنيد الوفاءَ للأصل التليد في معنى الوجود، وحصره للمكارم في قوة الامتلاك، وقيمة الرفاه، ومعنى اللذة. بل ما أشقاه ‏حين يبحث في حدة ذاته عن تلك اللحظة التي أحس مع أبيه بطعم الاستقرار، وشعر بأنه حط عصا التسيار بواد من الأودية ‏المتوحلة بنكد العيش، وضنك الرزق. لم يكن ذلك مصير أبيه فيما قضاه من زمن بين المجالب التي أودت ببهجة عمره، ومهجة ‏حياته، وأنى له أن يكون سبيله إلى ما لا يأتي إلا من محله.؟ ‏
لقد كان هذا قدرا مقدورا على أب يرتحل بين المداشر بحثا عن ريق يبتلعه بنهمة، وبُلغة يزدردها بنكهة، لعله يحمي ذاته من ‏الزوال، ويقي أسرته مما يحتمي بين الأماكن من غوائل الإقلال، لكن أنى له أن يصل إلى ذلك الأمل المترع بطمأنينة البال، وإن ‏وصل إلى شيء من ذلك الرجاء المأمول، ورضي بما حصَّل عليه من بلالة، فإن ما غرسه في قاع ابنه من وقائع صامتة، قد ‏صار مع رديء الحلم جرابا يحتقب بؤسه بين المطالع، ثم استحال حكاية غريبة، يدونها باشتهاء ألمها، وهو ينتقل من مكان إلى ‏مكان، ويرتحل من محطة إلى محطة، وكأنه ما وجد إلا ليعبر عن لحظة العبور التي ظهرت له فيها أشياء مغرية، وغابت عنه معان ‏جمة في واجب الإقدام، والاقتحام. وشأنه في طي ما انطوى عليه العضد من قوة، وما التوى في الزناد من خوار، هو شأن ‏ذلك المتاع الذي لا يستقر بخربة من الخرب، أو بسجن من السجون، إلا وطالبه الرحيل بعهد الترحال، وصارمه المكان بما يقطع ‏دابره في الأمان. إذ لو كان لارتحاله بين الأماكن معنى يبني في الذات شدة المراس، لاستساغ لقيمة عيش يبتلعها مرة مُرَّة، وتارة ‏حارة، لأن ما كان سببا في مفارقة محل تلاده بعد شهور عدة من ولادته، هو الذي ساقه إلى قرية العزيب بإنشادن، ومن بعدها ‏إلى قرية سيدي ميمون، ومن بعدها إلى قرية القليعة، ثم يمتد ذلك الحبل إلى زمن امتلاكه لصوت قراره، ويستمر إلى حين ‏وقوفه عند حافة العناء، وهو يتبلل بشيء من الكسور التي لا لذة فيها عند قصر حريته على كرامة الموارد، وحرية المعاهد. لكن ‏أنى له أن يفارق هذا الطريق المحفور في عمق ذاكرته الفردية، والجماعية، وهو لا يمتلك إلا لحظة يصنع جمالها لغيره، ويهب بهجتها ‏لمن يجد في كلامه تنفيسا عن أوام صدره المفجوع بنحيب الحسرة، عساه أن يستفرد بشيء من الأمل الذي يخبو في سعير ‏عمقه، ويستهدي به إلى أطياف أمنيات لا يكاد يصارحها إلا همسا عند إغماض عينيه، وإحساسه بنوم العيون الرقيبة لخفقان ‏أوردة جسده، وحركات نياط عقله. لكن أليس من حقه أن يتموج بما يطفح من رخاء على جباه أقرانه، ونظرائه.؟ بل ألم يكن من ‏واجبه على الزمن أن يهديه وردة باسمة، وبسمة حانية، لعله يتنفس الصعداء بين عوالم الأحلام الوردية، فينظر إلى الأفق البعيد ‏بعين يستوطنها طائر العشق، والشوق.؟ ‏
ربما يغدو هذا متنائيا في النظر القريب إلى أصل علة الفقدان، والحرمان، لأن مقتضى الحكاية أن تبتدئ بمقدماتها الضرورية، ‏ثم تنتهي بنتائجها الحتمية، لكي يكون خيط تسلسل الأحداث منطقا يحكم غاية بناء حقائقِ سياقها في الوظيفة الفلسفية، والأدبية، ‏لكن ما يستوحي ذكر أسٍّ تقوم عليه نفسية ابن الفقيه، هو إحساسه المفعم بالحزن على مصير لا يضمن خيارَ استمراره ضامن، ‏أمين، لأن مفارقته لمهده الأول الذي غابت سماءه بين ظلمة الغربة، لم يكن إلا لكون أبيه قد ودع قريته التي ولد في خريفها مجللا ‏بنوء السعد، وفارقها بعين تضمر حبا رسى في غوره، وطُوي في عمقه، وغدا من شدة الحرص عليه مأمنا واقيا، يأوي إليه من ‏شعر بفقد سر المدينة، ولم يبق له إلا ما انصرم من مجد البادية، وانجدل من لحظاتها الباسمة. لكن لازم الزرق قد استوجب ‏التضحية بصلات الشجر، والحجر، وهبات الزرع، والضرع، واستلزم التنائي عن ديار تعفرت طبيعتها بأوحال الحقيقة، والخيال، ‏وتبلبلت بأصوات الجان، والإنس، وتزلزلت بهزيم الرعد، والرياح، لكي يخب بين دروب السراب الملتوية بين الأماني الفارغة، ‏وينتشي بما تلبد على السماء من ألوان شاحبة، فيكون أجدر حظا بوصل ضروريات الحياة بحبال الاستكانة، والاستسلام. ‏وذلك ما حدث، فقد قاده الخوف مما طرأ على قريته "إبرشان"(1) من غدر وقتل إلى متسع في الفضاء المترامي بين عينيه ‏الغائرين، ربما قد تتيسر فيه بعض سبل الرزق الكأداء، ولو كان محدودا بما تتطلبه خِطته من تكاليف، ومشاق. ‏
ومن هنا، فإن الاستقرار يكسبنا هوية الأرض التي ولدنا على بساطها بلا حمل يثقل كاهلنا، ويتعب عاتقنا، ويمتعنا بما فيها ‏من صفات، وهيئات، وأصوات، ويركب في أعماقنا ما يمر عليها من أوقات، وذكريات، وحكايات، لأنها هي المرفأ الذي نغدو ‏ونروح عليه سراعا، ونجتاز طرقه وسبله خفافا، والملجأ الذي نحتمي به عند احتدام العراك بين الإرادات القوية، واشتداد ‏الصراع بين الرغبات الدوية. فهل أحس ابن الفقيه بهذه الهوية الدفينة في سهوب نظره المتطلع إلى ما هو أبعد من التشبث بقصة ‏المكان، دون ما يثمره الانتساب إليه من عز، ومجد.؟ أم أيقن بأن انتماءه إلى الأرض، لن يكون صليل صوته، إلا تعبيرا مجازيا ‏عن استحقاق الفرع لبطاقة الأصل، ولو لم يتم وصل الزمان بالمكان المستحضر في الذاكرة الواقية لذاتها من النسيان.؟ ‏
كلا، إن ما يؤلمه في كثير من شظايا فكره المتوقد بالآلام الخابية، هو نسيانه لكثير من الذكريات التي لا ينظمها نظام ‏المكان في ذاكرته الشخصية، وإن تعرف على بعض دروبها في الزمان المتعري من قيود الذات، وآصار الأفكار، لأن مهده الأول ‏الذي فجر حقيقة الوجود عند إيجاده بين أسارير الطبيعة، لم يستحضر فيه إلا لحظة سارحة بين هباء العماء، لا يكاد يتذكر منها ‏إلا بصيص نور يضيء له دربا في القرية، وفرعا في الأسرة، ومعنى في الحقيقة، وما عداه من المهاد التي غازل فراشُها لحظات في ‏حياته، فقد أدرك بعضا مما تدل عليه في قراره، وما تبقى من فصول الزمن المنفصل عنه، فقد توارى وراء الحدثان، وتدانى إلى ‏الكتمان، واكتفى بما تواتر عن الناس من روايات، وحكايات. كل ذلك لا يضر عدم دركه، ولا يُعدي غزو جهله، لأن استيعاب ‏التفاصيل في العادات، والتقاليد، والأعراف، يمكن له أن يصوغ مناطات الترحل الفكري والمعرفي في سياقها الزمني، ولو انتفت ‏علة المكان عما يرومه في حكايته من أغراض، وأعراض. ولا غرابة إذا نشأ ابن الفقيه بين رحلات فارقت بين مهاده، وعارضت ‏بين أكنانه، لأنه لم يسم بهذا الاسم الذي أراده أن يكون عنوانا عليه، ولم يحبذ أن يتصف به بين فتور أمواج حياته، إلا لأن أباه ‏كان فقيها مرابطا في عرف البلد الذي نشأ عليه بالجبلة، وقائما على أداء الصلوات بالعامة، وإقراء الأطفال في المحضرة، وإعمار ‏أماكن العبادة بالذكر، والتلاوة، وإقامة شعائر الغسل والدفن للأموات احتسابا للمثوبة، وحضور الولائم في الأعراس والمآتم تخلقا، ‏ورعاية. ‏
وإذا كانت هذه مهمة أبيه في ترتيب وضعيات استقرار رزق عائلته، فإن واقع الحقيقة يؤكد عكس ما هو متصور في ‏الأذهان التي تُحرجها مخاضات الحقيقة الغامضة، وتنحاز في صياغتها إلى ما هو جاهز في الأحكام، والآراء، لأن جفاء الحال، ‏وقلق البال، لم يدعا لذلك الشبح ملامح يجوز لنا أن نقرأ منها صولة التاريخ في بنائه للحياة الآمنة، وقوة الإنسان في اندماجه مع ‏المحيط الذي يفارقه حين يكون هم رعاية الأبناء بمقتضيات التمدن غضة أليمة، وغصة حبيسة، إذ انعكس على الذات ما خشن في ‏المقام، وخبث في الأنام، فلم يكن الدليل على الأثر قويا، ولا المعنى واقعا على الحقيقة المدبرة بالمتعذر المحال، لأن الالتفاف على ‏مظهر واحد في السيرة الاجتماعية، لا يتأتى إلا إذا كان المظهر هو المطلوب في الغاية، وكان الكامن في النيات غير مرغوب بين ‏القصود المبثوثة، إذ الالتزام بالحد الأدنى الأعلى في التكليف الاجتماعي، هو ما ضمن الحرية، وأكسب الاستقرار، وإلا، كان ‏الاستمرار بالتنوع بين السبل مستحيلا، إذ المرتجى في إثبات الكيان المحدد لمظهر الشخصية، هو السير إلى جانب المصالح ‏المشتركة في المألوف الاجتماعي، وإن كان ما تتضمنه من غرابة غشاء يدس في حنجرته سر إفلاس دلالة المعنى على المراد به ‏حقيقة. ‏
ومن هنا، فإن ما يلتئم حول ابن الفقيه من معان أجبر على ابتلاع حرارتها، والتهام مزازتها، هي التي كانت مظهرا متساميا ‏في ترقوة أبيه، لأنها تبرز عند انحسار الغطاء على وجه المعنى الذي أثبته كل واحد فيما هو متغير، وانصهاره مع ذاته التي لا تنفرد ‏بشيء أعظم من خصوصية التعقل، والتبصر. وإلا، غدونا بدون ميزات تميزنا عن غيرنا، وقيم تحصننا من سوانا، لأنها هي التي ‏نمتلك في صيغة الوجود الحق، ولو كانت صورة بسيطة للبراءة التي نحلم بها خلسة، ولا نحكي عنها إلا همسا، أو نجوى، إذ هي ‏نحن كما وجدنا عليه في أصلنا الفطري. كلا، بل تتضمن ما اعتصرناه من ذواتنا، وما انصهرنا معه في واقعنا، وتحتوي على تلك ‏النهاية التي نخط بها مصائرنا، ونبني بها مستقبل الذكرى، والحكايات. فهل ابتعد ابن الفقيه وأبوه عن هذه الومضة الحارقة، وهي ‏تجسد القيم العليا لما ترغب الذات في الوفاء له.؟ ‏
لم يكن هذا مستعصيا على الإدراك البشري، ولا مستعظما في التعريف الاصطلاحي، لاسيما إذا جعلنا البشر سواسية ‏بلا تفاضل، ووقفنا في حدود رأينا الشخصي عند بداية ما يتترس به الغير من حصون حريته، وانعتاقه، لأن الهدف المشترك بين ‏كل الناطقين باسم العقل الأسمى، هو الوصول إلى هذه اللحظة الجميلة المغنى، والتمتع بما ينفجر فيها من سعادة، ومعنى، وإلا، ‏فقدنا سر الوجود في التأمل لهذا المحيط الكوني والإنساني البديع، وهو كل معنى نبلغه بجهدنا، وفيه أسرار حقيقة ذواتنا. ومن ‏هنا، فإن ابن الفقيه يتذكر في رسوم حياته تلك اللحظة التي تزيح عن أبيه غمامة الخوف، فينزاح إلى مكنون ذاته الذي أخفاه ‏انتسابه إلى فئة يُعرف عنها الزهد، والورع، فيسرد تعبه في حرز رشح الموارد بين أيدي العامة، ثم يرسل شهقة بصوت الأنين ‏الذي يغشى الثكالى، والعطشى، وأحيانا يرحم ذاته، فيبحث بين إضبارة التاريخ عن حنان الأعين، وسلام الألسن، لعله يلمس ‏شيئا من الشفقة على عائلته التي انجتعت منتجعا قل الرابح فيه؛ وهو إما فائز بدنياه، وإما خاسر أخراه، وظافر بأولاه، لأن ‏اعتقاد الأب بأن للمكان المقدس على الأرض التي يمشي حولها الناس مدفعان مصيبان في رميتيهما: واحد مصوبة فوهته إلى ‏الداخل، والثاني إلى الخارج. فإن تصدعت العلاقة في ظاهر الأحوال المعرية لباطنها، كان من نال مفتاح المعبد وسدانته المصاب ‏في ذاته برمية الداخل، لأنه المعني بسوق العباد، وكيف يسوق من يساق.؟ وإن فقدت آثار الاجتماع حول مائدة الطهر في ‏الخارج، كان المهدد بالشقاء أهل الخارج، لأن غاية الاتحاد في الشعائر المهداة للسماء، هو ما تفيده في بارز سيرة الحياة، وآرائها، ‏ومواقفها، وما تبنيه من أسس الفضيلة، والمثل العليا، كل هذا، قد يصير ثقل المهمة صعبة في الوصول إلى الحقيقة، وشرسة في ‏النتيجة. إذ الهدف هو الصدق في نية الحركات، والسكنات، وإلا استحالت شعيرة العبادة فراغا ينتج الصراع حول الاسم، ‏ويفقد المسمى، ويصير شأن الدين، هو الاختلاف، لا الوحدة.‏
‏ لعل ما انبثق في الدائرة من ارتباط بحفاظ القرآن الكريم، والتزام بتكاليف التاريخ في استمرار الإحساس بميزة الأسرة ‏الكبيرة، وسواء ما ارتبط بالذات في حدود حريتها بالقول، والفعل، أو ما اترتبط بالجماعة من مظاهر يكاد لونها يكون أبيض مثل ‏الحليب، لا تنكت فيه نكتة سوداء، إلا وأظهر جمال الهيأة قبيحا، وحقيرا، لأن سمت الحِرَف في المشهود منها قصدا، هو الوقاء ‏الذي يبرز الاختصاص، والتخصص، وإلا، كانت الأشياء متساوية في نسب مظهرها، ومتقابلة في أشكالها، وغدت معانيها قابلة ‏للابتذال، والانتحال، لم يمهل ابن الفقيه في أن يختار سبيلا غير الذي ترقب حدوثه، ولا في أن ينتحي طريقا سوى ما دفعته إليه ‏القدرة الأزلية، فكان كما كان أبوه، وكما كان جده، وكما كان أجداده في التاريخ المسطور بين طيات الصدور، والسطور، لأن الابن ‏كسب أبيه في الطبيعة الوجودية، وهو في عينه خلاصة لما يروى من حكايات عن أجداده الشامخين تحت القباب المنتشرة بين ‏حاحا، وسوس.‏
‏ لكن ما يشترك فيه مع أسلافه الذين خاضوا التباس المعاني بوعي جلاَّه الأثر الموروث، هو سيره على الدرب الذي ألفاه ‏بعد زمن قصير بصورة أخرى، لا تبوح بما في روحها من شجوى، وشكوى، بل تشظى الحلم بين الموارد الظلماء، وتمزق الأمل بين ‏زحمة الأماكن المبهمة بالصراعات العجماء، فلم يتذكر سوى ما كان يقوله أبوه في لحظات إحساسه بحرج المواقف التي يندفع إليها ‏عند حدوث أعراض الندم بين أغواره: يا بني؛ وهذا لطف منه في وقت يبتدع له أيسر الكلمات، وأعلاها إفادة بالمعاني ‏المحررات، لأن القسوة في القبض على الأشياء الممنوحة قهرا، أو غلبة، هي السر في تربية البادية، والعلامة التي تضمر رقيق ‏المشاعر، ودقيق الأحاسيس، إذ هي حصيد ما نتعلمه من مكتوم صمت الجبل الشاهق بأكنانه، وأعشاشه، ومكنون حفيف ‏الأشجار المنشدة لقصص الإباء، والشموخ، لأن عتمة السهول تعريها رخاوة الطبيعة، وليونتها، وطراوتها، لكن ما تشبث به الإنسان ‏من حماسة على قنن الجبال الشماء، هو الذي تهدى له مهج الأرواح، لأنه مزيج من الفتوة، والغيرة، والخوف، والفرح، والأمل، إذ ‏المعتقد في حرص الديار على فتل حبل الانتساب إلى تواريخ الأماكن، هو قول من قال:‏
‏ فقسا ليزدجروا ومن يكُ حازما * فليقْسُ أحيانا على من يرحم
‏ يا بني؛ إن كسب الرزق بهذه المهمة صعب المراس، إذ هي لا تقبل ما يكون جائزا في غيرها، بل تكليفها يبتدئ بخروجك ‏من ربعك، وينتهي بعودتك إلى غموضه، وإن عدت إليه، وطواك الظلام بين أحشائه، كنت صريع ذاتك، وحبيس نظرك. كان ‏هذا الكلام موجزا لتفاصيل مهمة في السلوك الوعر المراد، لم يدركها ابن الفقيه إلا حين فاجأته الرزايا برمية أقواسها الموتورة، فلم ‏يبق له إلا الاعتراف بسر الأسلاف القدماء، وهم أهل ناموس، وحكمة، ووصايا، وذوو مروءة، وشهامة، وشجاعة. ‏
ربما قد يكون هذا اغترارا في باب الاغتراب، لاسيما إذا صاغ كل واحد منا مجدا مزيفا لتاريخه، وبنى هشيش ذاته على ‏حطام أوهام تجرجرها النفوس الكاسدة، والعقول الخامدة، لأن شرف التاريخ بزة لمن زادته جمالا، وسناء، وطلعة بهية لمن تدفق ‏منه نبع النبل، والفضل، لكن ضائع الأصل بين الديار المرتفعة أسوارها بحماية الأنساب، والأحساب، لن يسرق من كيس الفضائل ‏إلا ما يخفي علته، وينفي وجعه، لأن ربط العجز بالحاضر، لن يستقيم في مناهج الاستدلال على قدرة الإنسان الممتدة في الأزمنة، ‏والأمكنة. فلا غرابة إذا صنعنا من رماد الزيف تاريخا يحرق صمام امان ذواتنا، ويقلع أصول الأشجار التي شربت حميا أرواحنا، ‏ويهدم منابت الأحجار الناطقة بأصواتنا المقرورة في سابق الحكاية، ولاحقها، لأنها الوجه الأفصح عن لزوم الإبقاء على الديار ‏بصون صوت التاريخ في الإنسان، والطبيعة.‏
كان هذا مفضيا إلى حقيقة من حقائق نفس ابن الفقيه المنطفئة، ومؤديا إلى درك معلم من ‏ملامح شخصيته العنيدة. فهو لم يحظ في تمرده بما يغذي به الاستقرارُ هذا الكائن البشري من ‏روابط، وعلاقات، وصلات، بل تفرقت حياته بين الدور، والدروب، والمداشر، وتمزقت ذكرياته ‏بين المشارطة، والهبات، والصدقات. لكن ذلك، ومهما كان حالا ضروريا لولادته في حضن أسرة ‏عرفت بحفظ القرآن، ودرك المتون، وشهرت برسوم الولاية، ومظاهر الصلاح، فإن التصاق الأبناء ‏بالآباء فريضة قائمة في استحقاق إرث الأصل بفرع البنوة، ونسبة محمودة في كسب أمثولة خصوصية ‏الأبوة، إذ مقتضى الانتماء إلى عرش من عروش دوحة العائلة البشرية، لا يكون حقيقة مرغوبة في ‏العقول السليمة، إلا إذا وقع الحافر على الحافر، وكان الابن مماثلا لما هو قيمةٌ معتبرة في الأصول، ‏والفروع، لأن نسمة المناقب الكامنة في إثبات نظافة النسب، لا تقوم بنا إلا إذا كان سرب الأبناء ‏حاميا لفضائل الحسب، وإلا، غدا وخز العرض مدحا، لا ذما. ومن هنا، فإن تجذر هذا المعنى في ‏قلب ابن الفقيه، لم يدع له اختيارا في حرز السبيل الذي ينعطف إليه عند اشتداد الملمات، واعتراك ‏النيات، ولو لم يكن لإحساسه أي معنى في ظاهر الحركات، لأن ما يخطه من خطوط يكتشف فيها ‏مراحل سيره، لم يكن مستوعبا إلا لما حازه من تفاصيل عن تجربته الخاصة، وناله من معان تزف ‏إليه عوارض الانتماء إلى سيرة معينة. ‏
ربما قد يكون بعضها مؤسسا على أوهام لن تتحقق إلا عند العثور على سر امتناع المحال عن ‏الحلول في الذوات، أو ربما قد يصير ما فيها من حقيقة محل أمانه عند شعوره بما ينعش مظهر ‏الظهور بصفات الاتزان، والاعتدال، إذ ما يوضح سبيل المنازل عنده، ويبين نهاية القصود فيه، ‏ليس في الطريق الذي توقف الناس على شفيره، فمنهم من تجرأ بجرأة زائدة، وسار عليه بشجاعة ‏فائقة، ومنهم من أدركه العجز عند تحديد الأماكن المباحة، والمحرمة، فقضى نحبه، ولم يظفر من ‏صحراء الحلم بأمنية، بل فيما يشهده على جدران الزمن من لوحات تتضمن نص الإشارات، والرموز، ‏والألغاز، لأن نهاية القصد في الطريق المفخم الغاية، هو مطلق السير إلى المراد الممزوج بلغة ‏الكيان، والبيان، وسر الزمان، والمكان، لا تحديده بمعلم من المعالم، أو بموقف من المواقف، وإلا كان ‏رحلتنا واحدة، وسفرتنا غير مقصودة، إذ ما نكتب به سيرة السعي إلى الأمام، هو الأصل في النظر ‏العقلي، وما عداه من رحلات بين الأبعاد المتنائية الأمشاج، فمن استحسنه برأي عقلي، فهو لا يريد ‏إلا أن تكون الغاية دالة على الوسيلة. ‏
والناس برءاء في الذمة على التحقيق، ومستأمنون في عهود المواثيق، ولا ينحرف بهم عن ‏الجادة إلا سوء النيات، ورديء الفعال. ولذا، فإن تبين رسم النهايات في البدايات، لم يكن إلا جبرا ‏خاض ابن الفقيه وحله، وواقعا لبى نداءه، لأنه لا يدل إلا على سؤال همس به شوقه حين بحث عن ‏الفحوى، والجدوى، ولا يستجن إلا صورا تراكمت تجربتها على الذات الممتحنة، فصار محتملة لما ‏يعتريها من رعدة، وقشعريرة، إذ ما حصل به التمايز في الإدراك العام للإنسان، هو ما قامت عليه ‏نوبات الوجع من أسرار، وأخبار، لأنها في حقيقتها الجامعة لكليتها سران؛ سر يشمله في ملكات ‏باطنه، وسر يذود به عن حوزته، ويقيم به أود كسبه، لأن تعدد الآراء في كل مسار، وتنوع ‏الروابط في كل مساق، هو الذي يشير إلى حظنا في نوال الحرية، وينهي إلينا علم ما يجب أن ‏يكون قرارا لكل واحد توقف به العقل عند حدود لحظته، وزمنه. وما لم يكن ابن الفقيه واثقا من ‏قيام علاقته بالزمان، والمكان، فأنى له أن يصادف شقاء السؤال بين الأفكار المتناقضة، والآراء ‏المتنافية، لأن ضياع سر الارتباط بالزمن الذي يثبت أصل الوجود، هو الذي يتوه بأحلامنا بين ‏أودية صامتة، لا يزفر منها إلا صوت الرعد، والزمهرير، ولا يصدح فيها إلا لحن الفراغ، والضياع، ‏كلا، بل يذرف فيها السالك دموعا مدرارة، فيحسب أن حظه في المقام هو هذا القفر الغض بعويل ‏الجان، والموتى، والبض بشحوب الأشباح، والأرواح. تلك هي معاني الحكمة في الحكاية التي عرفنا ‏سر استقرارها في حركتها الجامدة، وحوينا فك لغزٍ فيها بما سمعناه من همسها المحاكي لهدير الحمام، ‏ونعيق الغربان. ‏
‏ ‏
‏(1)‏ قرية إبرشان من أعمال جماعة إيداوكرض بحاحا الشمالية الغربية، إقليم الصويرة. ‏وهي محل ولادة راهب الحرف، وكاهن الغموض.‏