وسواس المخدّة: المرأة والشيطان

سامي عبد العال
2017 / 3 / 3

"وسواس المخدة"... ليس أفِيشْاً لفيلم سينمائي ننتظره بعد منتصف الليل. لكنه لقب أطلقه الإمام القرطبي صاحب "الجامع لأحكام القرآن" على المرأة. تحديداً أنثى يسكنها الشيطان. وليست إقامته مصادفة لكنها أصيلة بفضل وثائق الاعتقاد والنصوص. كما أن الشيطان بالنسبة إليها ليس ضيفاً. إنه صاحب بيت. فكل امرأة تخضع لعمليات تفتيش وتنقيب في كامل جسدها وروحها عن شيطان ما.
الوسواس في العربية هو الشيطان رأساً بشحمه ولحمه. يوسوس، يخنس، ينفث في الآذان، يفرق بين الناس. فما بالنا إذا كانت الأنثى عينها وسواساً. تلك هي بصمة الثقافة على كيان هش. يحتاج دوماً إلى زوج أو محرم أو وكيل أو نصف شهادة أو قبر. أي أنها كيان يحتاج ختماً اجتماعياً لاهوتياً. وفي أي مرة تمارس حريتها أو وجودها عليها تقديم أوراق الاعتماد لدى سلطة خفية تتكاثر باستمرار.

• الوأد الرمزي
جميع حيثيات المرأة يجب أن يلفها حذر وراء حذر. فالعلاقة – مثلا- شبه واضحة بين الزواج والقبر. الاثنان يؤديان نفس الوظيفة الاجتماعية. الأول يستر عورات المرأة. يغطي الفضائح المحتملة ببريق اجتماعي حافل(ظل حيطة ولا ظل رجل). هذا الاحتفاء بمن يُستِّر البنات في الأرياف والبدو والقرى والمدن. والدفن آلية للتخلص من العورات(بالتوصيف الديني) فيدسها تحت التراب إلى الأبد. وعلى منواله جاء البرقع والنقاب والشادور( أو الجادور بالفارسية) قبوراً متحركة بأجساد النساء.
من هنا كان وأد البنات قديماً من عادة العرب. كعمل لا إنساني... لا ينهي حياة الأنثى فقط بل يؤكد إذلالها. وإهالة التراب على العار الرمزي الذي يظنه الرجل لاحقاً به. فلا يمحو العار إلا الدفن. والدفن كما لوحظ للأنثى وهي حية. وذلك كان رد فعل ثقافي للتبرؤ من الأنثى. إنه "الوأد الرمزي" الذي ظل ممتداً – مع انقطاع العادة تاريخياً بشكل مادي- بواسطة تفسيرات الدين والأشعار والآداب والأمثال الشعبية والسياسة والهندسة الاجتماعية. وهذا كما سنرى لا يقل عنفاً عن سابقه. فهو أكثر حضوراً منه. لأنه واسع الانتشار ويلتحم بالمسلمات الدينية وسلطة النصوص. ويتردد حتى على ألسنة النساء أنفسهن راضيات طائعات!!
أيضاً "وسواس المخدة" ينقل دلالة النوم بجوار رجل هو الزوج داخل مخدعه. وتلك المحصلة بمثابة أصل الشرور في عقر دار الذكورة العربية الاسلامية. والوصف المسكوت عنه أن الرجل بريء تمام البراءة. هو الملاك المتفرد في مقابل الشيطان. وهو المغرَر به، المخدوع دون قصد. وإذا لم يقبل وسواساً بجواره سيظل بريئاً إلى قيام الساعة. وأن المجتمع نزيه من كل تلوث عقائدي وفكري. وأن الاخلاق تداهمها مخدات تحمل وساوس ليلية من غرف نوم الفحول. وأن الحياة على شفير الهاوية بفضل النساء ليس أكثر. لنراقب هذا التعمد في اتهام المرأة بكل الموبيقات.
السؤال الآن: فيما كان يفكر القرطبي وكل قرطبي لاحق أو سابق؟ لماذا يتحدث بلغة ثانية على اللغة الأصلية(النص القرآني)؟ الفكرة الواثبة أن الكتابة والتفسير عملان جزئيان لواقع أكثر إكراها وعنفاً. ويبدوان(الكتابة- التفسير) حالتي استغراق في ألية تأليف موازٍ هو حضور المقدس وبدائله. فالذكورة لها مركزية تتسلق، تزحف على مصادر اللاهوت. بل تتوحد مع المقدس لتشاركه دفة الحياة في الثقافة العربية. وهذه التوليفات تترسخ في أحبار اللغة المتداولة. وبالتالي تستقر لدرجة البديهيات بواسطة الممارسة وطرائق التفكير والعلاقات الاجتماعية. وتنتهي اللعبة بأن يصبح كلام التفسير أكثر أصالة من الأصل. بعدما يزاحمه كتفاً بكتف، وخطوة بخطوة وسبقاً بسبق.

• المرأة قبل الشيطان
لنذهب إلى سياق الكلام. يقول نص القرآن( قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين). القول واضح كأمر خارج الاختيار. وهو مخاطبة لآدم ككائن بدأت تتفتح حواسه. والزوج لفظ اشتقاقي من جسم الكائن الآدمي كما هو مشهور. وتسديداً للحواس سيكون الأكل بموجب الغرائز بين الاثنين بلا تفرقة. ولهذا يعد الظلم الحاصل – بحال المعصية- بذات التساوي. والغموض في الأمر لا يحتم الضرب بعيداً إلا نقل المضمون والنتائج.
هنا يجدِّل(يضفر) القرطبي معتقداته مع الأصوات الجارية في الخلفية. فكعادة المفسيرين القدماء يغرقون النص بالتفاصيل الجانبية(التشجير) وشواهد النثر والأدب واللغة. بحيث لا يستفيق القارئ إلا وهو داخل متاهة التخريجات. فالقرطبي يتحدث طويلاً عن السكن. معناه حقيقته مآله، زمنه، قوانينه، عاداته وآفاقه. وكذلك الفرق بين السكن وغيره من ضروب الإقامة. هذا كي يمهد لنزول آدم وحواء من الجنة. ويعتمد على شيء أبعد من اللغة في كون الوضع حكماً إلهياً. وتلك كانت نقطة مفصلية نحو الاقرار بما سيجري لاحقاً.
أما الرابط بين ذلك وبين وسواس المخدة فإن ما ينسحب على الحكم الأول يحب جريانه على كون المرأة بهذه الوضعية الشيطانية. وبالتالي ستكون دينياً وضعية مقبولة ومرحباً بها طالما من الله. وارهاق وعي المتلقي بقصد المؤلف سيعني امتثالاً خاطفاً لما لا يمكنه الاحالة دون تصديق المعنى. ويذهب القرطبي كذلك إلى تفسيرات كلمة" زوج" معتبرا إياها ذات مرجعية لاهوتية. فلو لم ترد في النصوص والأحاديث ربما لم يقل شخص لامرأته زوجاً. بإشارة ضمنية أن الأحوال كانت حميمية من قبل الإله(من نفسٍ واحدة). لكن المرأة من نفسها انشقت عن ذلك مع انشقاق الشيطان. ليتوحدا بالنهاية في وسواس واحد.
وإذا كان الشيطان يختفي بعيداً فها هي المرأة داخل الغرف المغلقة. بالتالي هي أكثر نفاذاً من الشيطان. لو حضرت يحضر معها، وإذا غابت يأخذ طريقاً آخر. فما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما كما يقال دينياً. ولم يكف القرطبي عن تدعيم كلامه بأحاديث وآيات. فروي أيضاً عن نبي الاسلام أن الملائكة سألت آدم لاختبار علمه بعد خلق زوجه... أتحبها يا آدم قال: نعم. لكنها عندما سألت حواء أتحبينه يا حواء: قالت لا. وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حبه. قالوا لو صدقت امرأة في حبها لزوجها لصدقت حواء...!!
والفكرة واضحة هنا في اعتبار الرجل صادقاً وله المكانة العلياً بينما كذبت المرأة وستكذب طوال عمرها. أو على الأقل تراوغ في الاعلان عن طويتها. ولعل ذلك أسس للتصور الشائع عن النساء بكونهن غير واضحاتٍ. ولا يدري الرجال ماذا يردن بالضبط. وانهن غير صادقات مهما قلن. ولئن كانت المراوغة السابقة في الجنة تحت عين ملائكة الإله فكيف سيكون الحال في الدنيا. و بخاصة أنها وليدة الخطيئة من الألف إلى الياء.
القرطبي يؤكد ضمناً أن عباراته ظلال للنصوص الأصلية. فهو لا يفسر فقط إنما يصارع للاستحواذ على القرآن. ولا يذهب إليه بعقله المتبحر كما هو مشهور عنه. بل يتوكأ -إلى درجة العجز- على جاهلية الثقافة حول المرأة. وهذا يعني شيئاً لافتا: اللغة الثانية كتفسير بمثابة الباب الملكي لعبور التقاليد البالية. وأن كتابتها بروح التجرد الظاهري لا يبدي إلاَّ تجاور المعاني فقط. لكن الحركة الأخرى هي تأكيد أن القرآن يقول ذلك. وأن الإيمان بقدسية النص يعاد حياكته(نسجه) ضمن العبارات المتداولة. فلم يفعل سوى إعادة تثبيت النص القرآني في أنسجة الكلام الاعتيادي.
ولذلك أطلق القرطبي على تفسيره "الجامع لأحكام القرآن". لم يطرح شروحاً لغوية ولا فقهية بأي قصدٍ آخر. القصد إن ما سيقوله هو القرآن لا أبعد ولا أدنى. إنْ لم يكن التفسير حكماً في ذاته. وعليكم أنْ تعتبروه نافذاً كما هو النص الأصلي. مجرد تجميع وتهذيب وإبراز له. مغزي هذا أن التفسير خطاب بكامل المنطق الذي يطلق العنان لسلطة المعاني وتلقيها كما هي. لعلنا هنا نلحظ الزائدة التي يدخلها مفسرو القرآن. أي: تحول اللغة العادية إلى لغة مقدسة، إلى خطاب مهموس بقوة الأحاديث والمقولات والشواهد. وبدلاً من إدراك شروح الألفاظ يلجأ إلى تكملة المعاني واغراقها بمخزونات الثقافة.

• كلام الشيطان
في هذا السياق يذكر القرطبي قولاً (...إن أول من أكل من الشجرة حواء بإغواء ابليس إياها...وإن أول كلامه كان معها لأنها وسواس المخدة، وهي أول فتنة دخلت على الرجال من النساء...).
1- ايراد لفظة أول لا دليل عليها في حق المرأة. فالكلام كما ورد بالقرآن موجه إليهما معاً. فكما قيل عن النتيجة أنهما (أكلا) منها. أي الاثنان معا. وليس وضع حواء في البدء إلا قتلاً ثقافياً أصلياً في البيئة الجاهلية. وهذا(القتل) يُغمس(يغمر- يعمد) في تفسير النص على أنه الحقيقة. ثم يُصفى كسائل كان مليئاً بالشوائب ليصبح عملاً وفكراً قابلين للتكرار.
2- ربط الاغواء بالأنثى ليس صحيحاً. لأن النص وضعها بمفردها مع هذا الكائن الخفي(ابليس). برغم أن الرغبات توجد في ظل آدم الآخر. أي تعمد القرطبي بنزعته الذكورية إلى تغييب آدم. ليُحمل حواء كل آثار القصة. إذن كانت بكلامه ضحية مرتين من إبليس ومن صاحب التفسير نفسه(القرطبي). لكنه نسي أنه بذلك يدخل الإله كطرف فاعل في الموضع. فإبليس يستحضر نقيضه. والنقيض ليس الإنسان الجديد بل الإله. فقد طرد من الجنة لأنه لم يطع كلامه.
3- مقولة" وسواس المخدة" أوردها القرطبي ليصرف التفكير في الحبكة الإلهية الدرامية. أو تشير إلى كيفية تحول القصة في ذهنية المفسر إلى صناعة بشرية. وكيف يتم تبريرها في الحياة الاجتماعية. الدليل أنها إلى الآن مازالت تخضع لعمليات مونتاج وكولاج خطابي وسردي. ومع ذلك تأتي الأنثى خلالها الضحية بمنطق السبب الكافي والعلة الفاعلة على كلام فلاسفة الاسلام.
4- جاءت المقولة(وسواس المخدة) مسبوقة بصيغة: التبرير (لأنها). أي أن ابليس بدأ الكلام مع حواء لكونها(وسواس المخدة). والتعبير هنا غير صادق بالمرة. فكيف ستكون المرأة وسواساً وهي تكلم ابليس لأول مرة. هل ابليس كان بعرف المخدات؟ المقولة ملقاة على طاولة الخلق الأول كنوع من الاتهام الصريح. ربما ليس فقط بإغواء آدم بل بشيطنة الشيطان نفسه. كأن المرأة وراء انحراف ابليس وعدم سماعه للأمر الإلهي.
5- كانت حواء أول فتنة دخلت على الرجال. هذا اقرار بكون الذكورة تحكم حتى فهم النص الديني من منابعه الأولى. بل الأغرب أن الخيال الفقهي متشرب بهذه المعاني. ولم يجد غير الأنثى فيما بعد للتنكيل بها. النصوص الدينية محجوبة بكم هائل من التفسيرات التي تستنطقها بشكل مركزي ثقافي.
6- هذا تخريج لا يخلو من سياسات الجندر. لأن كل لي لعنق السرد يصب لمصلحة سياسات اجتماعية معينة. فالمرأة رغم جناحها المهيض إلا أنها كان مصدراً لخوف اجتماعي عميق بعمق التأويلات الدينية. حتى التعليم على سبيل المثال يعتبر حرمان المرأة منه نوعاً أخيراً لهذه التخريجات. قد يقال إنها ظروف اجتماعية واقتصادية. هذا عامل متغير لكن الأساس في المجتمع العربي هو الحط من قدر الأنثى. فهي كائن محروم من الميراث. ومحروم من العقل الاجتماعي. ومحروم من الواجهة الإنسانية. ومحروم من الرمزية الفاعلة. إذن: ماذا بقي لها إلا الاستعمال الورقي؟
7- يفتح وسواس المخدة الزمن على مصراعيه للتخوف من النساء. وفي سياق آخر يعتبرهن القرطبي زينة للإيقاع بالرجال. وهنا يفرغ المرأة ويكنسها انسانيتها تاركاً جوفها لصفير الشياطين. ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة...) قول القرآن ذلك اعتبره القرطبي دليلا دامغاً لكون المرأة ألعوبة الشيطان. فالأخير- بحسب اعتقاده- هو من يزين للناس. وبدأ بالنساء كأول الزينة لأنهن الأقرب إليه.

• القمع الأبوي
يؤكد القرطبي أن حب الشهوات ( " من النساء "... بدأ بهن لكثرة تشوف النفوس إليهن. لأنهن حبائل الشيطان وفتنة الرجال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء ) أخرجه البخاري ومسلم. ففتنة النساء أشد من جميع الأشياء). هكذا ترك صاحب أحكام القرآن ترك كل شيء: التاريخ، الأحداث الجسام، العلوم، المجتمعات برمتها.. وكانت النساء بمثابة صدارة الشرور.
هكذا مارس الفقهاء قمعاً أبوياً في قضايا المرأة. بدءاً من تحقير مكانتها وانتهاء بمسألة رفض ولايتها في المجتمع. مروراً بقضايا الحجاب والفتنة والشهوات والشرور. كل ذلك مؤسس على نواة الأنوثة. بمعنى أن المواقف الجدلية والمبررات تبني باعتبار الأنثى كائناً أقل من الذكر، بل أحقر الكائنات. وأنها مصدر لذته، امتاعه، تسليته. وأيضاً هي مصدر شقائه وتعاسته في الدنيا والآخرة. مع اعتبار الذكر خليفة الإله لا تقترب منه الرذائل وأنه منزه عن الهوى.
هل علينا التوجس من كون مفهوم الإله ذكورياً؟ أي أن جميع الصفات المنسوبة إليه منسوبة بهذه المعاني الانسانية المعبأة بسلطة الذكور .... من الانتقام إلى الرحمة. كما كان مفهوم ابليس والشيطان ذكورياً أيضاً. فأغوى حواء بنفس الصفة لا غير. ونحن نعرف أن ثقافة تضفي طابعاً ذكورياً على إلهها وشيطانها فإنهما انعكاس لصور موجودة ومتعالية فيها. على طريقة صناعة الآلهة كيفما نتصورها وننحتها فيما يتم استعاضته بالاسم لا حقاً. فالأوصاف الذكورية للإله استثمرت فيما يأتي بالهيمنة والاخضاع. فالمرأة تحب زوجها باسم الدين، المجتمع يسير وفق اهدافه بالدين. وبات معروفاً هذا الدعاء للشيوخ بأن يصلح الله زوجات المؤمنين(اللهم اصلح زوجاتنا).
باختصار ليست الأنثى شيئاً آخر سوى الاغواء والخطيئة. حتى أنها تقطع الصلاة أو بالأحرى تبطلها. وهي العلاقة الحياتية بين الإنسان وربه. كحال الحديث المنسوب إلى نبي الاسلام «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب». وبصرف النظر عن صحته أو زيفه فقد جعل المرأة متساوية مع الحيوانات في هذه المرتبة. حيث تلحق النجاسة بمن يصلي. وذكر الصلاة جاء كعلاقة رأسية لا يقطعها إلا شيطان يضل عن طريق الله. فالأنثى هي نعجة الشيطان. والكلب شيطان عقور والحمار أنكر الأصوات. ماذا يبقى في ذهنية المتلقي؟
إن الوضع تخليق ثقافي لنمط الأنثى– الرغبة. فالمكر الذكوري الغالب على تفسيرات الدين يضع نماذج للأنثى ترى فيها نفسها شبحاً مقبولا ليس لبيئتها بل للإله. وأنه إذا ما التزمت بذلك سيكون ميعادها الجنة لا غير. حتى قيل في بعض العبارات المنسوبة إلى نبي الاسلام : "أيما امرأة باتت وزوجها عنها غير راض لن تشم رائحة الجنة". فالرجل ظل الإله وليس شقيق النساء. وبموجب تلك العبارة سيأخذ الرجل صراحة قدراته على انزال العقاب بالمرأة. دون سبب، ولا مبرر كاف لخرق سلطته وسلطة الوجود جميعاً. ويبدو التأليه الذكوري بطرف خفي في صمت العبارة. غير أن ايقاع الخوف المعمول به ينقل المتلقي سريعاً إلى الأثر دونما أي استفهام.
وهي عبارة مدمرة لإنسانية المرأة. هذا إذا كانت ثمة إنسانية قابلة للتقدير ابتداءً. وتضع الذكر في مرتبة مقدسة. هل هناك اتساق اسلامي في ربط الحياة(دنيا وآخرة) برضى الرجال؟!
بالطبع ليس المجال مفتوحاً لكيان مستقل أسمه المرأة. والفكرة أيضاً لون من المحاكمة المؤصلة في الخطاب الديني. الغريب هو كونها تنطق بمسمى المتهم(المرأة) بينما الطرف الآخر (الرجل) وهو أيضاً القاضي (الرجل). ثم ستكون العقوبة ممتدة إلى أقصى نقطة نتوقعها. وكأنَّ الذكر يفرض العقوبة فرضاً لا مناص منه. ولنترقب المعنى الخفيف الآتي متوارياً: أن المرأة إذا أرادت ان تحيا عليها إرضاء زوجها. بصرف النظر عما يكون هذا الزوج. لأن الله يقف صراحة معه ويؤيده في جميع أفعاله.
والذكورية تعلن مآربها بطريقتين مزدوجتين متواطئتين مع قوى المجتمع. فهي تعتبر الأنثى كتله حية من الرغبات المشتهاة. لترسمها وتشكلها كيفما تشاء. وفي عين الوقت هي التي تعطيها وجودها الاجتماعي والمعرفي في صورة امرأة. حتى قيل إن المرأة آتية من المرء، الفرد. وهذ يحمل بعضاً من تدخل الذكر في حيوانية الأنثى وانسانيتها. فالكلمة هذه لباس اجتماعي ثقافي فوق ما يغطيها من شعرها إلى أخمص قدميها. والفقهاء لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة، شاردة ولا واردة بجسد الأنثى إلا ووضعوا لها ضوابط ومحاذير وأحكاماً ونواهٍ.
لو أفسحنا الستار قليلاً، فالمخدة ليست كيساً من قماش محشوا بالإسفنج أو القطن. هي حشو ثقافي معرفي تحت رأس ذكور العرب منذ الجاهلية إلى الآن. وفي هذا يبدو أن القرطبي يسمي شيئاً ما. ليس هو الكيان الأنثوي المختلف لكنه يترك اللغة تتسع بما تتوقف عن الانتشار. إنها تكتب عباراتها كما لو كانت ومازالت تُكتب من قبل. تواصل الهدير منذ فترة. وفي نفس الوقت لا تصدم القراء إلاَّ بحدة الألفاظ. تعرفهم كيف هم يفكرون الأن. وما هي تربة الثقافة الدينية المترسبة في تصوراتهم اليومية.
إن كل إشارة نحو الماضي تضرب موعداً مع المستقبل. لذلك لم يكن المفسرون ساذجين عندما يأخذون هذه التوجهات. وسواء اعتقدوا بصحة الدين لديها أم لم يعتقدوا. فلقد اُعتمدت كمسكوكات عقلية أضيفت إلى جسد الأنثى. ما من أنثى تمشي في سياق اجتماعي لا أقول يومي حتى تحوطها نظرات التوجس والريبة.(تتطلع إليها العيون كما يقول القرطبي).
ولنلاحظ أن الشيء الكامن في كلمات العنوان هو سلطة الجنس. وهي فكرة سحيقة التأثير في أدمغة البشر بكل تقلباتهم البدائية والقبلية والدموية أيضاً. والقرطبي كمفسر له سلطتان: المقدس والنظام الرمزي(= الثقافة). وإذا كان التفسير تأويلاً لنص القرآن، فالمفردات- المقولات- تستحضر كامل التراث. هذا المعبر عن منطق التهميش الفكري مع المرأة. وعندما يصفها بهكذا أوصاف فإنه يحسم قضاياً كثيرة. ليس أقلها صناعة سياج من التحريمات حول خصرها وعقلها وكيانها الاجتماعي.