سؤال الهوية والانتماء

منذر خدام
2017 / 3 / 1


جمعتني مناسبة، يبدو أنها لا تزال عزيزة على قلوب كثير من السوريين، وهي مناسبة الوحدة بين سورية ومصر، مع نخبة من المثقفين السوريين والناشطين في الحقل العام في مدينة اللاذقية، بدعوة كريمة من الناصري العتيق الشاعر محمد حمدان، وخلال المناسبة تم الحديث في عدة محاور فكرية وسياسية وثقافية تقدمت إلى واجهة الاهتمام العام نتيجة الأزمة الراهنة التي تعصف بسورية وشعبها منذ ست سنوات، ولا يزال أفق الخروج منها غير واضح المعالم. المحور الأول يتعلق بمسألة الهوية والانتماء، أما المحور الثاني فتعلق بقضية الأقليات في سورية.
فيما يخص المحور الأول تدخلت بما يأتي:
قضية الهوية والانتماء مختلفتان بالرغم ما بينهما من ترابط إذ تقوم الأولى على الثانية، فالهوية هي دائما لكائن موجود.بمعنى أخر فإن البحث في قضية الهوية هو بحث عن جواب السؤال كيف نحن؟ في حين أن البحث في قضية الانتماء هو بحث عن جواب السؤال من نحن؟ تهتم بالسؤال الثاني علوم الأنتربيولوجا التي تبحث في أصل الأعراق البشرية وتكوينها، وشكل قوامها وبنيتها الجينية، وما بها من استعدادات وغيرها، وكل ذلك بالتفاعل مع بيئة محددة. سؤال من نحن هو سؤال انطولوجي بامتياز، لا خيارات للبشر تجاهه، لكنه مع ذلك يقبل التهذيب من خلال تفاعله المستمر مع سؤال الهوية الذي هو سؤال ثقافي بامتياز. عبر التاريخ ونتيجة للتفاعل الواسع بين الأعراق البشرية صارت أقرب إلى الخلطة التكوينية بنية وثقافة. في دراسة جينية حديثة لأقوام الشرق الأوسط تبين أن الإيرانيين مثلا فيهم من عناصر التكوين العربي أكثر من اللبنانيين والسوريين.
حتى وقت قريب كان سؤال الانتماء يؤسس للنظريات العرقية المختلفة، لكنه اليوم لم يعد كذلك وانزاح إلى درجة كبيرة من الحقل الثقافي السياسي، ليستقر في حقل العلوم الأنتربيولوجية واهتمامات المشتغلين فيها. فالعربي لا يتعين بشكله وقوامه وبنيته المختلفة عن الفرنسي أو عن الألماني أو الصيني، بل حتى أن لفظ "عربي" ليس جامعا بالمعنى الوجودي لكل العرب اليوم. فاليمني يختلف بنية وتكوينا عن المصري، ويختلفان بدورهما عن السوداني، وعن السوري، وعن العراقي. ففي كل جهة أو منطقة أو إقليم في أي بلد يلاحظ وجود فروقات تكوينية، بهذا المعنى لم يكن سؤال الانتماء يوما محصورا في التقسيمات السياسية الراهنة، بل كان يشمل مجموعات بشرية أوسع بكثير، وفي الوقت ذاته كان ينحدر إلى مستوى تكوينات صغيرة جهوية أو عشائرية أو قبلية وغيرها، نتيجة تفاعله مع البيئة المحيطة، بما في ذلك أنماط العيش التي تنتمي إلى الحقل الثقافي. بكلام أخر صارت الهوية وليس الانتماء العامل الحاسم في تمايز الشعوب عن بعضها أو تقاربها، وصار بدلالتها الانتماء انتماءين: واحد انطولوجي والأخر ثقافي.
على خلاف مع سؤال الانتماء بما يشير إليه من معنى انطولوجي، فإن سؤال الهوية هو سؤال ثقافي بامتياز، إنه سؤال في الكيف والحالة، وبهذا المعنى فهو في حالة متغيرة باستمرار. إن العربي اليوم كتكوين ثقافي هو غيره بالأمس، وكذلك الفرنسي أو الصيني، ويتمايزان عن بعضهما أيضا بدلالة ذلك، ويحصل التمايز أيضا بين العرب أنفسهم في إطار تكويناتهم السياسية.
موضوع الهوية معقد جداً تساهم في تكوينه عوامل عديدة، بعضها يكاد لا يتغير إلا عبر زمن طويل مثل اللغة والدين حتى أن البعض يعدها ذات طبيعة أنطولوجية، بمعنى أن الإنسان يولد في بيئة لغوية ودينية لا خيار له فيها. وهناك عوامل تتغير بسرعة أكبر نسبيا مثل أنماط العيش وطرائق التفكير والنظرات الجمالية وأشكال الوجود الاجتماعي. ويلعب الدور الحاسم في سرعة تغير الهوية أساليب الإنتاج السائدة ، ودور العلم فيها وفي المجتمع ككل( يجري الحديث عن مجتمعات علمية وأخرى غير علمية)، وطبيعة النظام السياسي الفوقي، والتفاعل بين المجتمعات على الصعيد العالمي. في الاقتصاديات الريعية والأنظمة السياسية المستبدة، والمجتمعات غير العلمية تضعف كثيرا الهويات الكبرى لصالح سيادة الهويات الصغرى من عائلية وعشائرية وقبلية وجهوية وطائفية ومذهبية وغيرها، وأنماط التفكير المطابقة، ويتجلى ذلك بوضوح في ظروف الأزمات. لتأخذ مثلا المجتمع السوري في ظل الأزمة الراهنة، كيف أن الهوية الكبرى(الوطنية) قد تراجعت كثيراً أمام الهويات الصغرى، وصار السوريون يقتلون بعضهم على الهوية الصغرى لخلافات طائفية أو سياسية أو قبلية وغيرها، وانتعشت أنماط التفكير الدينية، وتكاد تغيب العقلانية العلمية، التي هي بالأساس كانت جنينية، من كل مجالات الحياة. إن السؤال حول بقاء سورية ككيان سياسي موحد مطروح بجدية، وعلى افتراض بقيت كذلك فهي لن تبقى بجهود السوريين، بل بفعل التوازنات الدولية ومصالحها الإقليمية، وفي مجمل الأحوال من المستحيل العودة إلى حالتها السابقة، ليس فقط في المجال السياسي بل الاجتماعي والثقافي أيضاً.
باختصار وتكثيف ثمة هويات افتراضية ذات طابع أيديولوجي لا تزال غير محققه في بلدنا وفي جميع الدول العربية مثل الهوية القومية أو لا تزال هشة التكوين مثل الهوية الوطنية، في حين أن الهويات الصغرى هي الحقيقية والفاعلة والمعينة لوجودنا الاجتماعي. إن إزاحة الهويات الصغرى من حقل الفعالية المجتمعية لا يكون إلا بتطوير قوى الإنتاج وأساليب الإنتاج والمجتمع العلمي والفضاء السياسي المشبع بقيم الحرية والعدالة والديمقراطية وهي في مجمل الأحوال عملية تحتاج إلى زمن طويل نسبيا.