عقيدة التسويغ ‏-4-

إبراهيم الوراق
2017 / 2 / 27

عقيدة التسويغ ‏
منعرجات فكرية
‏-4-‏
يتبع
وإذا قلنا بوجود مادة التسويغ للفعل والقول في الذات المواجهة لأخطارها المنتظرة بالتحايل، ‏والمخادعة، وهما حبلان للوصال مع العنوان ‏الأكبر للتكليف البشري بنظام السماء، أو بعقود ‏الأرض، ولا يقطعان إلا بحدوث ذلك المجهول المرتقب، والمعذِّب، فإن اعتبار وجودهما خارجا ‏عن إرادة ‏الذات المسوغة لهما بنظر من الأنظار، لا يتأتى منه أن يكون محل مساءلة عند تعاند ‏حصص الرغبات في تحصيل المنافع المتعارك عليها ‏بالمحاصصة، أو المقايضة، لأن انتظام الإنسان في ‏سياق المجتمع الذي ينتمي إليه جرمه، وينتهي إليه أصله، لا خيار له في رفض علاقته بذاته ‏المعضَّدَة ‏بغيره، أو في قبول ما تواتر عنه من حُكم وناموس يضبط حركته، ما دام أسيرا لحدود جغرافية، ‏لا يبرحها برجله الماشية إلى ‏الفناء، بله أن يفارقها بجسده الذي يغذيه بسم الحرج الذي سينتهي به. ‏إذ ما ينشأ بين الأيام من لؤم الأوجاع التي تنزف بها معادن الذات ‏المتعرية بأحلامها، وغرائزها، ‏ينسي ذلك الانتظار الموجع، والموخز، ويبعد ذلك الترقب الذي يقلق الحال في البال المشتت، والحال ‏المدنف، ‏ويغمس الإنسان من أخمص قدمه إلى فرق رأسه بين حمأة ذلك الوجع اليومي الآسن. ‏فهو لا يريد الانتقال من الأماكن إلى مجهول الزمن الذي يسير إليه بلا إرادته، وإنما يرجو ‏شفاء ‏الأوام الذي يحبسه بعطش ذاته العاجزة، لأنه لم يحس في كيانه بقوة قادرة على التحدي ‏لمضمراته المتألمة، ولو شعر بها صائلة بصولة فائقة، لطار إلى قنة جبل بقفزة واحدة، وهناك يتبع شعفها ‏بأغنامه، وينتظر نهايته، إذ يستبعد قدرته على تتبع غضون الوهم في العقول السامدة، ولذا ينحي ‏ذاته عن التأثر بما يعلق بالأماكن من صراع، وخداع، فيصير مشلول اليد في حمل سلاح الحماية ‏بين أسوار ذاته، ومقطوع الصلة بما يختفي بين الوهاد من غيل فاتكة، وآجام غامضة. فلا غرابة ‏إذا اندس بين الهامات، وانطوى بين النيات، لكي يعيش الحيرة في مقارعة غرائزه، ومنازلة شهواته، ‏ويحيى بعقل يشد على لحظته البريئة، وخطته النظيفة، عساه أن يحس بوجوده في قفص تصوره ‏الذهني لصورة الطهارة، ويشعر بأنه حي بإدراكه لعالم غير الذي يتناحر الناس على حظه، وحصته. ‏
‏ ومن هنا يكون اليومي معطلا لجهاز الإدراك الذي يحدد المسؤولية بالضمير الحي، والخلق ‏المتوقد، ويبني قضية علاقات الإنسان على احترام ‏الناموس ظاهرا، وباطنا، لأن الذين حولوا العالم ‏إلى أرقام مسعورة، لا يهدف نظرهم إلى تحرير الإنسان من عبوديته لهذا الألم الممنوح في ‏حياته، ‏بل تسعى إلى طيه تحت جناح الآلة المنفصلة عن روحه، والمنقطعة عن عقله. فهي التي تصنعه، ‏وهي التي تفنيه، إذ لو كان هذا المفجوع في ‏قعر حركته حرا بالاختيار، لابتغى أن يعيش في ‏هدوء، وأمان، فهو لا يهفو إلى زيادة تنهكه بأفظع الفوادح، وإنما يبني عش حياته بظل ‏شجرته، ‏وشعر شاته، وأطناب خيمته. وهذا لا يعني الاستسلام الذي يقطع دابر البحث عن العيش ‏الكريم في الطبيعة الخداعة بمناظرها الفاتنة، ‏بل يمور فيه التمرد الذي يضمن للعقل سلامته من ‏الانتفاض الجائر، والانتهاز للفرصة السانحة بالخدعة، والدسيسة، لأن أجمل هدية نقدمها ‏للعالم ‏الذي ينتظر منا مناصرته في قضاياه الإنسانية، هو إسكات أنين الجرحى، وتأفف المتألمين، وتألم ‏المحرومين. وإذا فعلنا ذلك بأنفسنا ‏طواعية، نجونا من سبة تقليد الغالب الذي يداوينا بإمراضنا ‏المهلكة، لأننا وما دمنا نجري وراءه بتنافس غير محدد الملامح، وتسابق لا ‏تظهر معالمه، ولهاث ‏يسبق أنفاسه، وفي زمن لن يكشف لنا وده جماله، فإن ما نخب إليه من أعراض تافهة، وأدواء ‏هالكة، لن يجعلنا ‏أحرارا بين العبيد، ولا أفرادا بين القطيع. إذ الحرية الحقيقية، هي اكتساب ‏مناعة الذات من القيد الداخلي، ولو حصر الجسد بالأغلال، ‏والآصار، وسجن في المظاهر المضللة ‏للعقل، والقلب. وما زلنا لا نمتلك هذا الأمان في أعماقنا، ولا نحتويه في أذواقنا، فإننا لا نمني ذواتنا ‏إلا بالأماني الفارغة، ولا نعدها إلا بالأكاذيب الفاجرة، لأن ‏مفهوم الحرية الذي نبحث عنه في ‏حصر المجهود المطلوب منا أصالة، ليس هو ما يصوب مخبوء عالم خبرتنا الظاهرية، بل ما يظهر الخارج ‏‏خاضعا لتدفق السعادة، وراغبا في رسم بصمة اليد اليد على صفحة الطبيعة بصريح الحركة ‏الواضحة، ولو ازدرى بما في سفوح الذات من معان كسيرة، وابتلع ما في واقعه من غصة أثيمة. ‏وهكذا، فإن استثمار معاني الحرية في إطاشة الحلم بين الغوائل القاتلة، ‏لن يقابل جهدنا بما يرسمه ‏غيرنا لتاريخنا من نهاية. ‏
وإذا كنا قد ارتبكنا بكثرة اللغو الذي نجادل به عن أنفس هان عندها موقفها المسوغ بذاتها ‏المترددة، واختط كل واحد منا خطا لانتهاء ‏أنانيته المغردة بعشق ما يُمتلك من عروض، وقيان، ‏فإن عتابنا للممارسة الجماعية التي نشتمها بما نشم فيها من أوضار ذواتنا، لن يَعْدِل في ‏قوله، ولن ‏يصح في الاعتبار، ولن يكون فصلا في النزاع القائم حول أساس التربية، وهو ما ندبره أفرادا، ‏وجماعات، لأن نزوح الإنسان ‏من مجتمعه إلى ذاته، ما هو إلا تسويغ لذلك الحلم الذي تشظى، ‏وصارت له صفات مختلفة في التقصي، وملامح غائمة في التدني. وإذا كنا نرى هذا النزوح ‏اغترابا ‏عن الذات الجماعية، ولو بدت لنا غير نافعة إلا فيما يخدم السياق الذي يصل بنواله حفنةً من ‏المحظوظين، والمجذوذين، وهو من صنع ‏الأقوياء الذين حرفوا المفاهيم، وجعلوا الألفاظ تدل على ‏أضدادها، فإن سبيل الذاتية الذي نهرع إليه عند التواء السبل المغرية بالفتنة، ‏والخدعة، هو المخرج ‏الوحيد الذي يقينا من اختلاط الإرادات الفجة في الأحلام الجماعية، إذ هي في وجودها تنتحي ‏نحو بعدين، فإما أن ‏نعتبرها حصنا يمنعنا من عذاب المجتمع المتغول، وعلى ذلك تكون وقايتها ‏ضرورة لازمة، وإما أن نشهدها محلا لتنزل فيوض الذات على غيرها، ‏وذلك ما يحركها في طريق ‏الإرشاد إلى كمالات الأخلاق الاجتماعية. وهذا هو الأسلم عند خلوص النيات على العمل ‏المشترك، وصدق ‏الأفعال في الغايات، وحيازة المعنى في المقاصد. لأن صلاح الذات في خيارها ‏الفردي، هو النظر البعيد الذي قيست به الآثار عند المصلحين، ‏ثم من بعده ينعكس على مرآة ‏المجتمع ما في خزاننا من قيم نظافتنا، وطهارتنا. ‏
وما دمنا لا نملك ذاتا فردية، ولا نطيق أن نثق بحدسها عند الأمور المشتبهة، فأنى لنا أن نفاخر ‏بالذات الجماعية.؟ شيء متشابك في هذه ‏القضية، وهو الذي تتفرع عنه فروع عدة، يردها كل من ‏ضعفت همته عن إرغام هامته للناموس الأعلى. فالذات بدون أخواتها التي يحدث ‏بها الاجتماع ‏في الرسم البشري، لن تستولي على شيء من هدايا الطبيعة، ولن تمتلك ما يداوي أعراضها العليلة، ‏ويعجل بتقدمها بين أمم الكون ‏العريضة، لأننا وبدون أن نعرف ماهية هذه العلاقة القائمة بين ‏الذوات المجسدة لكلية المجتمع، وهي الشيء الذي تقاسم البشر حظه، لن نجول ‏بحرية تمنحنا ‏مفتاح المعرفة، والحضارة، لأننا إذا لم نحس بالأمان في غيرنا، ولم نشعر بالأمن في سربنا، ولم ‏نطمئن بالسكن إلى قوتنا، لن نطيق أن نوفر كثيرا من ‏الوقت لخدمة قانون الطبيعة، وناموس ‏الحقيقة. فالفرد للجماعة بمنزلة الماهية للكل، إذ هو السوار للدائرة، والسياج للمحيط، ومن بعده، ‏تظهر القيم الفضلى في المعنى الأصلي، وتبنى ‏المعاني المخلدة للفعل الإنساني. ‏
وإذا كنا نلامس شيئا من الحقيقة في هذا الارتباط الذي يقع بين وحدات المجتمع المتماثل ‏المحددات، والمتقابل الغايات، فإن مفلس التفكير في القصد المحرر ‏للنتيجة، هو من يختار أن يكون ‏قاطع رحم بين الأديان، وبين الثقافات، وبين الحضارات، وإلا، فإن جل الحروب الفكرية، ‏والمعرفية، لم تكن مسوغة باسم الإله ‏الذي حنط بعقد الإنسان، إلا لأنها لا تعبر عن تاريخ ‏الإنسان، وعراقة أصله، ولا عن علاقته الممتدة مع الزمان، والمكان، والمتطورة مع نواميس ‏الطبيعة، ‏والكون. ومن هنا، فإن كثيرا من الصراعات التي خاضها الإنسان في تطلعه إلى حيازة ‏الكيان الممانع، والمواجه، لم تكن مقبولة في حماية حوزة الذات، وصيانة ما يحصل به حق ‏الامتلاك، والتملك، إلا لأنها تكسب الوجود ‏بمقتضى غير الذي تدعو إليه ضرورة الاجتماع عند ‏حدِّ حدودها، وسبكِ قيودها. ولولا هذا المنعطف الذي حدث في القيم الكبرى، ‏والنظم المثلى، ‏وهو الذي سوغ القتل، والخراب، والدمار، لما وجدنا دينا يعتبر براكين الدماء، وجبال الأشلاء، هو ‏الوسيط الذي يفتح ‏باب الكون العلوي، ويضمن كسب محبته وعطائه في العالم السفلي. ‏
ولذا، فإن ما يمكن تداركه في سؤال لحظتنا المجنونة بمسوغات تتحايل على وأد الإنسان، وقتله، ‏ودسه في تراب الذل، والعار، وهو حي، ‏لا يفكر، ولا يتكلم، هو قولنا: كيف يقيم الإنسان حضارة ‏إنسانية برفات المقتولين بين وديان الدم المتقرب به إلى الإله الذي يعشق الموت، ويكره ‏الحياة.؟ ‏شيء من الدم نزا على أجسادنا المبللة بذعر الأرض، وشحوب السماء، وهو الذي نشربه خلسة ‏حين نكون قادرين على اغتيال ‏الإنسان، وإنهاء أحلامه، وأصواته، لأننا ومهما تطهرنا منه بدافع ‏الخوف من عقاب العقلاء المتواطئين على رسم آخر للإله، فإنه هو الذي ‏نهديه إلى عالم الطهر، ‏والنقاء، وهو الذي نجهد من أجل تحصيله، وتمليكه، لأنه يفصح عن مكنون ذواتنا، وينزف ‏بكراهيتنا للعالم الذي نزدرد ‏عنف نظرتنا إليه حين يكون الوعي قابلا للانصهار مع غوائل ‏الأفكار النابعة من الحقيقة الواحدة. إذ لولا ما تفتق بين الديار من أصوات ‏تنادي بالعداء للآخر ‏المنتظر، وتسوغ ذلك بنظرية المؤامرة، وعقلية المكيدة، وترقب شبحا يسعى إلى أن يغير على المهد، ‏ويهدم اللحد، ويبطش ‏بالبشر، ويقلع الشجر، ويفتت الحجر، لما كبر صغيرنا على ابتلاع غصته، ‏واجترار طعمه، وهو يرى أمما تتقدم، وشعوبا تتبرم، فلم يعثر في ‏مقومات ذاته على ما يشحذ ‏عزمه بالقدرة القاطعة لدابر الاستكانة، والتواكل، لكي يعدو على السبل التي تركتها الحضارة ‏ظهريا، وهي تخب ‏نحو فنائها، أو بقائها، بل لا يرى بابا مفتوحا بين عينيه، ولا مسارا يسوق فيه نوقه ‏إلى بحبوحة السعادة المرغوبة، فيخال كل ما يشهده منفصلا عنه، ‏ومبتورا منه، ولا أمل في الوصول ‏إليه، أو الحصول عليه. وهو في حقيقته من صنع الإنسان المتجاوز لهوية اللغة، والعرق، والدين، ‏والمنحاز ‏في الانتماء إلى الأصل الذي تفجرت منه بذرة الفعل البشري، وتدفقت منه ينابيع الاشتراك ‏في المسير، والمصير، ولو اختلف النوع، ما دام ‏الجنس متحدا في بداية قصة الخلق. وإذا تقوت هذه ‏العقدة في جمرة التفكير المغالي بنوعه، كانت نارا متقدة في غور حاملها، وحربا على من ‏تحسب ‏أن في قطع صلته وقاية، ومناعة. ‏
وإذا كان حرص الإنسان شديدا على احترام كل ما فيه روح، وهو متنام في الطبيعة، لكي ‏يحصل به كمال البيئة التي نصنعها تحت غلاف السماء، ‏فكيف لا نحرص على روح الإنسان ‏الذي أدرك وعيُه أنه المسؤول عن كونه، وأن ما عداه من الكائنات مسخر لطوع يده، وهو ‏الطالب ‏والمطلوب للسماء، والمرغوب على الأرض، وتحتها، ومهما اعتبرنا طريق نفَسه مجافيا لأنفاسنا ‏المكلومة في جوانحنا، أو الممنوعة في سوانحنا.؟ ‏إن كيد الإنسان بذاته، وعدم معرفته لماهيته، هو ‏الذي جعله يسوغ رفع السيف على الرقاب المستضعفة، ولسانه يهتف باسم الإله الذي ‏تزف إليه ‏عرائس الأفعال في أثواب مطلية بالدم القاني، ثم يعلنها حربا لا هوادة فيها على المخالف، والمباين، ‏وهو شريكه في حصة ‏الوجود، ونصيب الحياة، لكي يرفع راية، ويخلع أخرى، ويقيم ديارا، ويهدم ‏قلاعا، وينسف قرى، ويشتت قبائل، ويلوث مدنا. شيء من الغباء أدرك ‏الإنسان حين شهد الشعار ‏الذي يخفق بالرقة، والليونة، ولكنه لم يتيقن مما يدل عليه من غلظة، وقسوة، لأن ادعاء الخلافة ‏بمقتضى حيازة ‏الإنسان لعنق أخيه في الكسب، والعدم، لا يدل على صفاء المورد في كسب ‏رهان الكينونة، ولا يوحي بأن الإنسان تجاوز قفص وهمه ‏الذاتي، وانزوى إلى ما يحدث في الأشياء ‏تفاعلا، وتوازتا، ويخلق في الجماد روحا تحرك فيه أمل الحياة، والالتئام، إذ البشر حين وجدوا ‏‏بين حضن الولادة الأولى، كانوا سواسية في العائلة البشرية، ولكنهم حين انتظموا في الجماعة ‏المتعارضة النيات، والرغبات، استلزم ذلك ‏ترتيبا لدرج السلم الذي يبلِّغنا إلى النهاية المحبوبة، وهو ‏الصعود إلى معنى الإنسان الكامل الذي دون فيه الفلاسفة تقييدات معلومة، وهو في ‏نهايته ‏المنجلية، ليس إلا ذاك العاقل الذي يحتضن العقول بكماله، وسموه. وما دمنا لا نفهم الإنسان ‏الكامل بأنه جماع العقول المتحدة في نظام يساوي ‏ما وجد على الطبيعة من نواميس، ويماثل ما ‏هيئ له هذا الكائن البشري من توزان الذات، والأعراض، فإن هلامية هذا الإنسان الذي نغني ‏‏باستحواذه على المدينة المقدسة، وعدم إخضاعه للحد العقلي الذي تغدو به المعاني شيئا ‏حقيقيا، سيجعله فردا بدون جماعة، أو جماعة بدون ‏فرد، وهو محل الخطأ في رسم البيان الذي ‏قتل به الحلاج، والسهروردي، وابن سبعين، بل كفر به قوم قوما، وماجوا، وهاجوا، ثم ‏اضطربوا، ‏وافترقوا، فكان منهم الاختلاف دينا، والاتفاق ولاء على مخالفة العقيدة. ‏
ولذا، فإن الإنسان الكامل بمعناه الكوني، لا بد أن ننزله من قبته، لكي يمشي بين العقلاء، ‏ويسير بتؤدة الطبيعة، ويرمل إلى الأمام بحرص ‏الزمان، والمكان، وهو فرد حين نعتبره كمالا في ‏الضابط لنظام الكل، والجامع لكل الخصائص الإنسانية، والبشرية، وجماعة حين نعتبره سياقا ‏‏عقلائيا في الكون، ونمطا سلوكيا تتجلى عليه كل الحقائق النفسية، والاجتماعية، بل هو فرد ‏حين تقاس قيمة المعاني بكبح جماح الذات عن ‏غرور البقاء، وجماعة حين يصير ما بين اليد ‏مقبولا في الكل، ومحصولا لكل من رامه بلا استغلال، واستبداد. وإلا، فإن الإنسان الكامل ‏إذا ‏كان فردا هاربا إلى أمداء الروح غير المتناهية، لن يكون صولة عند التفاف الصفات على موصوفيها. ‏وذلك ما يبعد دركه، ويغرق ‏معناه في بحر التعميم، والتجريد، والإطلاق، لأن ادعاء الوصول إلى ‏حقيقة الروح التي نرتوي بالالتجاء إليها عند الاحتماء، ما هو إلا منجاة ‏يبحث عنها أفراد الكل ‏للخلود إلى معنى مقدس لا تتحكم فيه نوازع الذات، ورغبات الحياة، ومنزلة تشعرنا بالأمان ‏الممزوج بالخضوع، والاستكانة، ‏والاستسلام. وهكذا، فإن الانتماء إلى العقل الأول، وإلى الإنسان ‏الكامل، يدفع بنا إلى أن نتساءل: أولا يدل العلم بمقتضى ضرورة السماء في ‏حقيقة الحياة على ‏وجود طريق مذلل إلى ساعة الأمن، والسلام.؟ أليست السماء معادا للسلم في نواميس الأزل، ‏ونظر الإنسان الذي يحدق في ‏طهرها، وسخائها، وأمانها.؟
أجل، تلك هي العلاقة التي ترغم العين على انتظار الفرج من السماء، والخاصية التي شمها ‏الإنسان من أرض وجد عليها، ثم اختار لها اسما، ‏وحقيقة، ومعنى، فكان من مداليلها ما ينشده ‏مما هو خاص به من صورة أحلامه، وما يرفعه من شعار للدلالة على حق امتلاكه، لأن ارتباط ‏الأرض ‏بالسماء مما عرفه الإنسان في بداية قصة ظهوره، وأدركه حين فقد قوته، وصار عجزه ‏صوغا ملازما له في اختياره، وافتقاره حقيقة مسلمة عنده في تشوفه إلى معاني خلده. وأي فصل ‏يحدث فيهما بين أعراض ذاته، لن يكون إلا تفريقا بين الرأس، والرجل، وكلاهما يلامس ما ‏يناسبه من مقام، ومكان. إذ لولا هذا الشغف للفضاء المنسرح ‏بين عينيه، والعشق لما كمن فيه ‏من جماله، وهو الأفق الطاهر الذي لا يلوث صفاءه إلا الضجيج، والصخب، والفوضى، ولا يبعد ‏مسافته إلا من ابتغى ‏الأرض عوجا، وتمنى أن يصير المرقاة إلى كل فضل، ومكرمة، لما استحلى ‏أن يقامر بكل ما يسيح في غوره من موارد الوجود، لكي يمد يده ‏إلى عالم يحسبه ملاذا له ‏عند النكبات، وملجأ يقيه من الملمات، لأنه يدرك يقينا أنه إن عاش على أرض بدون سماء، فإنها ‏ستكون سجن ‏فجعه، وضيقه، وحبس أحلامه، وآماله، إذ ما يبدده من مهج الفؤاد، وما يبذله من ‏جهد، ولو بدا في باب العلية سريع الاستجابة، لا يحصل به الاطمئنان في النظر القلبي، إلا إذا ‏‏باركته السماء، وأعانت على بلوغ سكينته، وأمانه. ولذا، فإن قتل صوت السماء في الإنسان الذي ‏يشهد على سطح أفقه يسرا لما عسر ‏تطلابه، وعز امتلاكه، هو إحداث لحياة مقيدة المرام، وعالم ‏ضيق المسام، لا يطيق أن يبرحه إذا ادلهمت الأماكن، وأحست الذات بالضياع، ‏والهوان، وبكت ‏العين على الفقد، والحرمان.‏
‏ وحقا إن بتر هذه الصلة بالسماء، وطمس معالم ‏طريقها، هو إغراق للكون في بركة الفساد، والأكدار، ‏وإهدار لحق الطبيعة في سرح ‏الأفكار، والأنظار، ‏وإجبار للإنسان على قبول الغل، والآصار، لأن ضيق ‏الأفق عند حرارة الرغبة في النظر إلى الفضاء غير ‏المتناهي، هو ‏العذاب الذي يقتل العقول، ويحرق ‏الحقول، والعناء الذي يشقي الديار، ويدمي الأسوار. ‏وكل نظر ينحبس عن السماء، وهي المكان المفترض ‏‏للحرية، والكرامة، لن يكون إلا تفصيا من عالم المثل، ‏والفضائل، لأن قيمة الأرض فيما أحاط بها من سماء، ‏ومزيتها في مرمى الأبصار ‏الناظرة إلى الشمس، والقمر، ‏والنجوم، والكواكب، ومنها نتعلم قيمة النظام في ‏الكون، والطبيعة. لكن هل دل اللباس على لابسه، ‏وعبرت ‏الإرادة بصدق عن محددات الارتباط بعالم ‏الملاك اللطيف، فكان الفعل سويا في تدبير الحياة بلازم ‏الجمال، والكمال.؟
‏ سأكثر من مدح نباهة كل من رمي بنظره إلى الأفق البعيد، وذاته ‏تسير بين المنازل، والمراحل، وهو يرى أن مأساتنا التي تعول في ‏‏أعماقنا، وتخيف أنظارنا، ليست في كره ما نتج عنا من بطء في ‏السير إلى معاد حضارتنا، بل من عدم تواصلنا مع ما أنتج فينا من ‏علوم، ‏ومعارف، لم تكن لنا ببراءة الاستعمال، ولن تكون لنا إن ‏تخلفنا عن الموعد، وتأخرنا عن الحركة، لأن ما هو حادث فينا، لن ‏يتأخر عنا في ‏الدائرة، لأنه فعل بشري مرتبط بنا. وما دمنا نوقن بأنه ‏موجود لنا، ونحن لم نوجِد له ضدا، ولا بديلا، وفيه سبب تحقيق ‏وجودنا، وكسب ‏حياتنا، فإننا سنبقى أسارى لغلو تقديرنا لذواتنا، ‏وعطشى إلى ما نزدرده من لعاب غيرنا. ولذا يغدو رفض ما تقيأته ‏الحضارة مغامرة غير ‏مسبوقة بعقل، وفكر، وبعد نظر، لأن ‏استقلالنا عن الغير الذي نهول في نحت صورة غوله المتوحش، ليس ‏في حرصنا على قيم موروثة، لم ‏يزل عنا حرص الانتساب إليها، وإن ‏ضاع منا أثرها، ونتاجها، بل في النطق بتلك الغصة التي آلمتنا، ‏والصدع بتلك الحقيقة التي تجرحنا، ‏وهي رغبتنا الأكيدة في التعايش ‏فوق هذا الكوكب الأرضي بلا تفاضل، ولا تباين. وإذا شعرت ‏ذواتنا بتحلل عقدها، وانفكاك أدرانها عنها، ‏نظرت إلى ما هو ممتدد ‏أمامها من أمداء، وشهدت ربع الوفاء، والنقاء، وإذ ذاك ستسير ‏إلى حديقة الآمال بكد، واجتهاد. وإذا ارتحلت ‏بين المدى، وراقبت ‏نوء السماء، أدركت معالم الطريق، وطوت المسافات، وملكت ‏المساحات. وإلا، فإن حدو النوق المنهكة بمجد التاريخ، ‏وزجرها ‏بمنقار الخوف على أبهة الماضي، لن يجعلها تقطع الأطوار، وتسافر ‏نحو المستقبل الغض الأسرار. أجل، قد يكون ‏الرجوع إلى الماضي ‏سلفية عند المتلاعبين بالألفاظ، لكن هل هي سلفية حقيقية، يكون ‏الجديد بها قديما، ما دام فعل اليوم هو الغد المأمول ‏في الأبناء، ‏والأحفاد.؟