قداسة التدوين القرآني و ارادة السلطة

الطيب عبد السلام
2017 / 2 / 26


استعير هنا تلك الرحلة الفيللوجية الرائعة التي قطعها محمد عابد الجابري في كتابه "العقل الاخلاقي العربي" منذ صدور اولى الوثائق السلطوية لدى ابابكر الصديق و التي كانت ممثلة بخطب قصيرة و موجزة توضح اهم ملامح "المرحلة القادمة" و السياسات التي سيتبعها الخليفة.
فلم تظهر يومها تلك الخطب الطويلة الامرة با "اطاعة ولي الامر" و لا حتى الكتب الفقهية نفسها التي تعبر عن حوجة ملحة لميلاد "وثيقة مشروعية جديدة" تقنن مشروعية الحكم و تقوننه.

في زمن الخلفاء الراشدين لم تكن ثمة حوجة ملحة لانتاج وثائق تتحدث عن "مشروعية" الحاكم و وجاهته في تولي الخلافة.

فقد كان الانتقال سلسا من محمد الى ابابكر بعد ان نجح عمر في بيعة السقيفة في اللعب على وتر الفرقة بين الاوس و الخزرج.
و بذات اليسر في انتقال السلطة من محمد الى ابابكر انتقلت السلطة منه الى عمر.

هذا لا يعني عدم وجود اعتراض و تمرد لدى القبائل التي شكلت المجتمع الاسلامي الاول.
هذا الاعتراض الذي تمثل في القبائل التي رأت بأنه بانقضاء المشروع المحمدي فأن ما يجمعها بسلطة المدينة انتهى.
هنا جاء الرد السريع من ابابكر بانه سيقاتلهم لو منعوا عنه عقال بعير كانوا يؤدونه الى محمد.
بهذا الاعلان القوي اذا نجد ان ابابكر اعلن ان دولته هي مجرد استمرار للمشروع المحمدي بمعنى حديث "اعلنها دولة دينية منذ الرصاصة الاولى".

و ما عزز عدم الاعتراض الكبير على شخصيتي عمر و ابابكر و الى حد ما على علي و عثمان هو كون ان "الشيخين" اي ابابكر و عمر كانا قد شاركا منذ اللحظة الاولى في بلورة مشروع محمد الرسالي و كانا من كبار الفاعلين فيه و اوائل من جلسوا بمائدته.
اذا فقد كانت مشروعية طاعتهم مستمدة مباشرة من معاصرتهم للمشروع المحمدي في ايامه الاولى الصعبة الى لحظة انتصاره الى اللحظة التي قال فيها ابو سفيان ابن حرب للعباس بن عبد المطلب و هما يريان الحشود المحمدية تدخل مكة قال له "لقد اصبح لأبن اخيك اليوم ملكا".

بل و حتى اليوم ما زال المجتمع الاسلامي يهز رأسه بالرضا حينما يذكر ابابكر و عمر لا باعتبارها رئيسين لدولة المدينة المحمدية القابلة افعالهما فيها للخطاء و الصواب و المراجعة بل باعتبارهما "شركاء اصلاء في المشروع النبوي" و بالتالي يرتفعان الى ذات القداسة المضفاة على شخص النبي محمد.

اذا فلم يكن سوأل المشروعية يؤرق المسلمين تجاه الجيل الاول من ورثة الدولة المحمدية بقدر ما اندلع هذا السوأل في وجه الجيل الثاني من الورثة المتمثل في علي و عثمان الذين يشكل الخلاف بينهما تجددا لاندلاع الخلاف الاول بين بني هاشم "اهل محمد و علي" و بين بني عبد شمس "اهل ابوسفيان بن حرب و معاوية بن ابي سفيان و عثمان بن عفان" تجددا للخلاف و تمريرا له للجيل الثاني "علي من جهة و عثمان من جهة اخرى".
و لذلك فلم يكن الورثة الاوائل في حاجة الى تدبيج خطب طويلة الى المواطنيين تبرر لهم و تقنعهم ب "بيعة" الخليفتين.

لكن و مع موت الجيل الاول صاحب المشروعية المطابقة للمشروعية النبوية اطل السوأل مرة اخرى في عهد خلافة عثمان و الذي سعى لاكمال مشروع ابابكر الصديق في جمع القرأن للمرة الثانية بل و احرق جميع المصاحف الاخرى.

هنا تطل علينا مسودة القرأن بوجهها ك متن تختبي خلفه ارادة السلطة و سنعود مرة اخرى في مقالنا لنقود هذه النقطة الى غايتنا بعد ان نفرغ من بيان "نصوص السلطة" مسترشدين بذلك بالاضاءة القيمة التي قدمها الجابري في كتابه "العقل الاخلاقي العربي".
نمضي فنقول و انه بنقصان المشروعية لدى السلطات السياسية اللاحقة ظهرت الحوجة الى كتابة "المراسلات الطويلة" الى عمال الاقاليم و شعوبها تلك المراسلات التي تبين وجاهة الحاكم و افضليته على غيره و اولويته بالسلطة و الرد على المعترضين عليها و اسكاتهم و نذكر هاهنا بروز طبقة كتاب الحكام الذين كانت مهتمهم تدبيج تلك الخطابات و صوغها.
ثم انتقل الامر من مربع الخطابات الى مربع انتاج الكتب فظهرت كتب ككتاب كليلة و دمنة و هو الكتاب الذي ترجمه عبد الله بن المقفع و هو كتاب واضح يتحدث بصيغة ادبية عن اخلاق الطاعة و مشروعية الحاكم المطلقة و ضرورة اطاعة "ملك الغابة".

نعود مرة اخرى لنتحدث عن القرأن باعتباره مدونة مقدسة تحولت الى مدونة للسلطة.
المتأمل للكتابة القرأنية المدونة بالعربية لا شك سيستشعر حالة من القداسة المحيطة بالكتابة القرأنية نفسها،فالخط لحظتها يتحول من خط عربي الى خط الاهي،خط مقدس.
الاقواس كذلك المحيطة بالايات نستشعر فيها حالة من التفخيم و التقديس بل و كأنها عروش محيطة بالكلمات بالاحرى و كأنها جدران منيعة تحمي هذه الكلمات و ترتفع بها من كونها بيان او تعليق على حادثة تاريخية حدثت في حياة النبي الى كونها كلمات سحرية ميتافيزيقية الاهية.

هذه الطريقة التي يدون بها النص القرأني هي احدى اهم النقاط التي يتم عبرها تمرير القداسة للنص القرأني و بالتالي احالته الى مدونة سلطوية جاهزة و مغلقة في آن.

المتأمل ايضا للارقام الفاصلة بين الايات و للدائرة المحيطة بتلك الارقام و كأنها قناديل من الضوء لا كونها مجرد فواصل بين الايات بل كونها هي الاخرى نفسها شريكة لتلك الايات في القداسة.
الزخارف التي على جانب الصفحات ايضا كذلك.

الصندوق الزخرفي المحيط باسماء السور.
كل تلك الاضافات الفنية المستقاة من الوعي الاجتماعي المحيط جميعها تلعب ذلك الدور الحاسم في انتاج "تدوينه مقدسة".
و اشير هنا الى ما اشار اليه د:عبد الرحمن بدوي عرضا في كتابه "من تاريخ الالحاد الاسلامي" بأن الفن الاسلامي الزخرفي يشير الى فكرة "الامة الاسلامية الواحدة" فهو فن شديد التماثل في زخارفه و لا يلقي اهتماما للوحدة الزخرفية بقدر ما يبدي اهتمامه الاكبر ب "الشكل العام" اي الجماعة الاسلامية الواحدة الخاضعة المطيعه المتشابهة.
هذا الفن يمرر "قطعنة" هي بدورها مستقاة من التنظيم الجماعاتي الذي جاء منه المسلمون اذ انهم كانوا في جماعات قبلية شديدة الحرص على وحدتها و اسكات اصوات التمايز و الاختلاف فيها.
هذه الزخارف المحيطة بصفحات القرأن تمرر هذا المفهوم،هذا التشابه،هذه المصادرة للفردانية لصالح "الامة الكبرى".
لذلك فهذه الزخارف تلعب دورها الاهم الى جانب التدوين القرأني في تمرير ذلك "الفقر في الخيال" الذي يحيل القارئ الى تلقي سهل للايات التي بها خيال متطور نوعا ما.
هذه الزخارف "الفقيرة و الرتيبه" هي بمثابة قمع اول و مصادرة اولى كبرى لأي اي محاولة تاؤيلية او تخيلية او اعتراضية تجاه النص المدون،بعكس الفن اليوناني التجسيدي الذي يميل الى رسم و نحت "الفردانيات" الحيوية و تجسيدها و هو ما سهل كثيرا في انتاج صور حقيقية عن "الاقانيم المقدسة" لا صورا تجريدية كما تقدم الزخرفة الاسلامية و بالتالي ساهم العمل الفني الكنسي في اوروبا في تمهيد الطريق امام عصر التنوير اذ انه نزل بالتصورات من "الافق التجريدي" الى "المشاهدة التجسيدية" و بالتالي تسهيل المعركة التنويرية القادمة باعتبار ان الثورة ستكون على محسوس مرئي متجسد في منحوتات و صور في جدران الكنيسة و ليس على لا محسوس غيبي مختبئيا خلف زخارف تجريدية

بالنظر الى النموذج المسيحي نجد ان الثورة الاصلاحية الكبرى التي انجزها مارتن لوثر كانت هي نقل النص الانجيلي من قداسة اللغة اللاتينية الى شعبوية اللغة الالمانية و بذلك اخرج النص المقدس من "السياغ الذي يعمل فيه و بقوة في انتاج فعاليات التأثير المقدس" الى سياغ اخر تعامل معه باعتباره وثيقة اخلاقية روحية تمد الناس بالعزاء و بالشعور الروحاني.

مع خروج "التدوين المقدس" من سياغه اذا فقد كل ارادات السلطة المختبئية خلفه و بات نص ذا خصوصية اقل في الافق الاجتماعي السياسي او الفضاء العام مما قاد الى تصالح مع النص الديني اولا لأنه بات نصا ليس مرفوعا على اسنة الرماح بل باعتباره مدونة ثقافية اجتماعيه مما قاد في ظني الى ذلك التصالح الباكر مع الموضوع الديني في المانيا البروتستانتيه فلم تحدث بها ثورة مكشرة عن انيابها و دامية ضد الدين كما حصل في فرنسا في ثورتها المجيدة.
ذات الامر اذا طبقناه على النص القرأني في صعيده الكتابي فأننا نراهن على ثورة اصلاحية مثيلة.

بالرجوع الى النص القرأني في اياته نلاحظ و بقوة انه يميل الى تدوين نصوصه بطريقة افقية متصلة مضفى على هذه التدوينات الكثير من علامات الاعراب المعقدة و المبالغ في امرها حتى ان علما باكمله ظهر ازاء طريقة كتابة و قرأة ايات القرأن اسمه علم التجويد.
اذا انتقلنا مباشرة بعده الى خطبة ابابكر الصديق اول من سعى لجمع القرأن فسنجد انها سارت على ذات المنوال باعتبارها عبارات متصلة موجزة حاسمة و فعالة.
ذات الامر ينطبق على الخطب السياسية في العصر الاموي و العباسي الى ان ظهرت حينها الكتب السياسية و تم الانتقال من الخطابة كتمظهر سلطوي الى الكتابة المتأسية بالقرأن اول الكتب السلطوية و ابعدها تأثيرا.
في حين اننا نلاحظ ان وقع الكتابه الشعرية اقل تأثيرا و سلطوية مقارنة بالقرأن مع انه يفوقه لفظيا و معنويا في كثير من الاحيان نلاحظ انهه يكتب بالطريقة المشطرة فيقسم البيت الشعري الى صدر و عجز.
و هو بطريقة التدوين هذه يبتعد عن صورة المدونة الاساسية المتصلة و الماليئة للسطر و بالتالي يفقد تشبهه بالتصور الاجتماعي عن المدونة السلطوية اضف الى ذلك بالطبع ان الشعراء يميلون الى ممارسة سلطتهم ذوقا باستثارة رضا الناس و ذوقهم و اعجابهم لا بقهرهم و تخويفهم و ارهابهم كما يفعل النص السلطوي اذ اننا لم نقراء في التاريخ ان شاعرا قتل قارئا لأنه اهان نصه الشعري او مزقه.

اذا فقد شكلت الكتابة للنص القرأني و منذ البداية نصا مهياء للسلطة و ذلك عن طريقين:
اولهما سلطته الالهية باعتباره كلام الله و ثانيهما بسلطته التدوينية التي ارتبطت بصعود اول الخلفاء الراشدين في دولة المدينة.
ان اهتمام ابابكر و من بعده عثمان بجمع القرأن لا يمكن قرأته اذا كنا اناسا علميين قرأته باعتباره "تقربا الى الله" و الا لكان قام به من هم اقرب الى المسودة القرأنية منه و لما استدعت صدور امر سياسي بجمعه.
بل كان قام به اي شخص غيره في الدولة.

من هنا نرى الارتباط الوثيق بين كل رؤساء العرب الحاكمين ارتباطهم بالقرأن ك "مدونة مكتوبة" و عنايتهم بطباعته و توزيعه بل لدرجة ان شخص ك عمر البشير و هو المعروف باجرامه الدولي و قتله لمواطني شعبه سمى نفسه ب "خادم القرأن".
لماذا اذا هذا الارتباط بين القرأن ك مدونة و بين الحكام الشموليين.

انه ارتباط "البحث عن المشروعية" تلك المشروعية التي يوفرها مجانا النص القراني المقدس.
و واحدة من اهم ملامحه هي طريقة تدوينه و كتابته.

لذلك فاذا مزق احدهم صفحة من القرأن مثلا رأينا الرؤساء العرب و المسلمين يستثيرون شعوبهم و يحولون الموضوع الى قضية سياسية دامية مع العلم انه اي اساءة للقرأن لن تضره في شئ بل على العكس هي اساءة لمن يهينون هذه الوثيقة التاريخية القيمة.
لكن و لأنهم يخفون خلف هذا القرأن سلطتهم الخاصة التي هم على استعداد من اجل الدفاع عنها ان يفعلوا بذات الشعوب نفس ما ستفعله بمن يهين القرأن بل و اشنع.

و لنحمي القرأن من هذا الاختطاف الايديلوجي علينا كشف ارادة السلطة الثاوية خلفه و بالتالي تسييله و اخراجه من سجن طريقة التدوين الواحدة المرتبطة بالرسائل و الخطب السياسية السلطوية.

ذلك التسييل يتم عبر تدوين القرأن بطرق مختلفه و بذلك نحميه من تطرف العلمانيين الذين يريدون محو هذه المدونة الرائعة و اقصاءها تماما و "هيهات" من الافق الاجتماعي و السياسي العام و في ذات الوقت نحميها من ارادة التسلط التي تحاول جماعات الاسلام السياسي تحاول مداراتها خلفه و تمريرها في نصوصه حتى اذا ذكرت اية ك قوله تعالى "اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم" كان ولي الامر حينها هو "المرشد العام" او "اية الله" او "امير المؤمنيين"، منتزعين بذلك الاية من ظرفها التاريخي الذي دونت فيه او ما يسميه الفقهاء ب "اسباب النزول".

انني شخصيا استمتع بالكثير من الصور البلاغية في القرأن الكريم بل و اتغنى بها داخليا لقوة تأثيرها و لكون هذا النص القرأني قد كان اول كتاب وقعت عليه عيني في طفولتي.
كان كتابا شكل طفولتي و صقل لغتي بل و اثار فضولي تجاه الالاه و كيفية ظهور الكون و خصب مخيالي بالعبارات التي يوردها حينما يتحدث عن الجنة و النار و عن الشياطين و عن الملائكة.
كذلك و قدم لي قصصا ماتعه كانت هي اول ما قرأته من قصص و سرد.

لكل ذلك فأنه من الصعب علي بمكان ان اتخلى عن هذا الكتاب الذي كان صديق طفولتي لمجرد ان اشخاصا اختطفوه ليداروا خلفهم ارادتهم في السلطة.

ختاما اقول بأن تفكيكنا موضوع "التدوين" بغرض علمنة ذلك التدوين هو وجه من اوجه مشروع علمنة كبرى للنص القرأني ابتدأته ب "علمنة اللفظ القرأني" في مقالي السابق.