التكفير كحادثةِ قتلٍّ

سامي عبد العال
2017 / 2 / 25

من الغرابة أنْ يتجنب المتطرفون (الكفرَ) بينما يرشقون به خصومهم. فوق هذا يؤكدون نقاء أفكارهم وأفعالهم– حتى الخواطر النفسية- سراً وعلانيةً. حيث يعتبرون ذلك نجاةً من الشرك وثباتاً على الإيمان. كأنَّ الشرك فخٌ قد نصبه شيطانٌ مارق يتصيدهم طوال الوقت. كلُّ إيمان ديني له عدو خفي من جنسٍه. يخلع عليه جميع حيل الشر وصفاته وألاعيبه. ويتحين الفرصة للقصاص منه في كيان أشخاص وأفكار. لكي تملأ ممارسات العنف طاقته على التماسك وتعطيه مزيداً من التصلُب. وبالتالي سيظل التكفير مهووساً بنزوع دجمائي قابع في تفاصيله.
في هذا ستحل اللغة العربية المعضلة السابقة. فالجذر المعجمي للاثنين(الكفر والتكفير): كَفَرَ. وهو التغطية والحجب وبهما ستتم التعمية والانهاء. من هنا يأتي الكفر مُخيفاً- من جهة أولئك- إلى درجة الرعب إذا حلَّ بالذات. ولكن لا يتردد المتطرفون في إلباسه للآخر. هذا المغاير، المناقض، العدو كما يرغبون. فهم لا يرون ثمة التقاء بينهما إطلاقاً. لينتج الوضع امراً منقوشاً في مفردات الكفر بحتمية القتل. لأنَّ الكافر يتجاوز فكرة الحياة الموهوبة في عبودية الإنسان للإله الخالق. ومن يتجاوز الحياة لن يتجاوزه الموت ولو بفعل فاعل. هكذا يفهم المتطرفون هذا القياس الوجودي الصارم. ويصبح محض القتل نتيجة تلقائية لمن يخرق يقين المعتقدات بمجمل ألبستها الثقافية.
إنَّ جميع معاني (الكُفر) تنطوي على الطمس، الوأد. أي الردم بأثر مادي دون الرؤية الواضحة. بقصد اثبات حالة تأويل من الإله. ولا تخلو من الستر، الطلاء لتضييع المعالم، الإضافة، التخليط، التكلس. والإنصات إلى اللغة يكشف ماذا ستقول عن جذورنا منذ أزمنة. التكفير عبارة عن استعادة لحقب من الصراع الميتافيزيقي الدائر حول التأله. وكيف تنشأ أفكار الألوهية في المجتمعات. وأية رواسب قربانية تخلفها في الممارسات الدينية. فمن يُكَّفر من؟ ومن يقتل من؟
نحن نحتاج إلى التأمل فلسفياً حول مسألة التكفير باتجاه أبعد. لعلها غير واردة هنا كموقف ثنائي(الايمان / الكفر) تبعاً لمواقع الناس من الدين. أي عندما يتم الخروج عن الدين يكون الكفر وصماً يلاحقه العقاب. لكن بخلاف ذلك هناك شيء ما يمثل موضوعاً للقتل منذ أن نشب الصراع حول إرضاء الإله وتقديم القرابين والأضاحي. إنه تهديد بالقتل كان أقدم من أي اتهام راهن بالكفر. ذلك استناداً إلى سلطة مقدسة يعتقد المؤمنون امتلاكها كل الامتلاك. والتكفير بهذا أكبر من المواقف الحياتية تجاه اللا دينيين. فلا تعد مصادفة أن كل من هم خارج الدين- أي دين- يلقون المصير نفسه.
ولنلحظ أن صور التكفير(ازدراء الأديان- الحط من قدر المقدسات- الخروج على اجماع الأمة- احداث البدعة في الدين- ارتكاب المعاصي علناً) لا تستثني أحداً. ولن تستثنيه مستقبلاً إلاَّ داخل مساحة (الإيمان) فقط. أما خارجها فقد حكم عليه بالإعدام. لأن نهايته معروفة وبإمكان أي متطرف تنفيذه. وطوبى –هكذا يتصور- لمن يقدمه قرباناً على هذه الشاكلة. وهو مثاب بكل معاني الكلمة.
التكفير من تلك الزاوية هو مطرقة قتل مقدس. وحتى إذا كان قتلاً بعناوين دينية أم دون ذلك فقد جاء شفرة تأويلية بمبررات وجودية لاهوتية قديمة. تتجاوز العلاقة المباشرة بين أتباع الديانات. هل قصة (قابيل وهابيل) انتهت عندما قتل أحدهما الآخر أم أنها على مرمى البصر الأن؟ ألا تجدد نفسها بأسرار الارهاب الديني وخطاباته التكفيرية. وبخاصة أنها كانت صراعاً على موقع الإله داخل كلٍّ منهما.
تقول رواية القرآن: " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ. فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ".
فتلك القصة اللاهوتية لم تذهب دون رجعة. إذ ستحقق وجودها ضمن معطيات تاريخية في ديانات التوحيد. وبخاصة أنها تصوغ خطابات تخلق أعداءها باستمرار. الفارق أن القتل بالتكفير هو عقاب معكوس أمام كل من ينكر الإله وشرائعه. بمعنى أن قابيل(الذي لم يتقبل الإله قربانه) قتل هابيل( الذي تقبل الإله منه). إذن نحن أبناء القاتل، كيف سيكون القصاص منا في أشكال تالية؟ وهل كل تكفير يحمل انتقاماً من الأبناء لو رفضوا رسالات الإله. هل القتل باسم الإله به ندم من نوع ما على ما حدث قديماً؟ هل به تسديد لدين سابق الاقتراض؟ فالندم هنا بطل أساسي في الحادثة السابقة. إذ أصبح من النادمين. ولم ينته الندم عند حد ولا مرحلة بعينها. لأنه مفتوح بتعبير النص. كما أنه ينطوي على نفيس تفاصيل إلقاء الإثم بكل من يمر بذات الطريق ولو كان الإثم التابع انكاراً للإله.
1- فالقتل خلال الروايات الدينية كان بداية تاريخية لمصير الإنسان تجاه أخيه فما بالنا بالأغيار. ولهذا ليس بين المؤمنين المتطرفين وسواهم إلا التصفية الجسدية. لأنهم قد لا يعترفون بكيانهم المستقل، الحر فكراً وسلوكاً.
2- هناك شيء مشترك بين الاخين، بين كل الناس هو الإثم على لسان هابيل:" إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ". من هنا يوجد جانب تعويضي في مسألة القتل. فما هو اثم هابيل إذا كان هو المقتول؟! وكيف سيحمل القاتل اثمين لا اثم الجريمة الأولى فقط.
3- تقبل الإله قرباناً من الأخ الذي قدم ذبيحةً له. بينما رفض قربان النباتات والثمار. والدماء هنا لها رمزية كبيرة في ذهنية اللاهوتيون. فهم يقتلون المخالفين تقرباً إلى الإله. حتى قال الدواعش إنهم مكلفون منه لتنفيذ حكمه بملء جهنم من العصاة والمرتدين.
4- يندفع القاتل بأمر النفس الذي كمن فيها الاثم. والاندفاع ارتبط بطاعتها(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ). والتكفير جزء من هذه المنظومة النفسة التي ترتكس مع الاثم والتطهر بدماء الآخرين.
5- إذا كان القربان شيئاً أساسياً فقد لحق (انقلب) إلى اشكال دينية تطلعاً إلى الإله. فقتل الكافر بمثابة معطى قرباني يستدرك ما فات من دلالات كانت سبباً في حادثة القتل الأولى في الحياة الإنسانية.
6- واقعة القتل كانت مسرحاً للتحدث باسم الإله. فلم يوجد ما يقول ذلك لكنها أفرزت قاتلاً وقتيلاً. كما أن هناك أوصاف: أهل النار، الخاسرون عكس تجاهل القتل، المتسامحون. وضمنا يوجد أصحاب الموت وأصحاب الحياة. والهتاف لم يزل سارياً: أنا أفضل منه، أنا الأقرب للسماء، أنا المؤمن الوحيد بينما ما دوني منحرفون عن الصواب.
7- التكفير ينطوي على حيثيات الموت جميعه. فهناك دلالة الاغتيال رمزياً ولا مفر. وهناك التغطية لجثة المتهم به. وهناك دلالة القبر المترددة في الجذر المعجمي للكلمة. فالتكفيري حفار قبور. ففي سياق الدين يكون القبر نزعاً لصفة الإيمان من المقصود به. و في المجتمع يمثل نفياً له من دائرة الاعتراف العام بوجده والتواصل معه.
المتطرفون لا يكتفون بإيمانهم بل يرون ثمة مسؤولية عن معتقدات الناس. تشمل التفتيش في عقولهم وعباراتهم ونواياهم وحياتهم الخاصة. وأنه لن يسلم الإيمان الشخصي إلا بمحاربة أي إيمان سواه. فلئن كان الناس يختلفون من جهة الاعتقاد، فالتوحيديون يسحبون مفهوم الإله على جميع البشر. معتقدين أنه لا اختلاف هناك. وإذا جرى هذا الاختلاف فهو بمعنى التناقض الداعي إلى التحارب حتى الفناء.
الاحراج التاريخي للتكفيريين كالتالي: أن اصحاب الإيمان يكفرون عن خطايا هم يعلمونها بإيقاع الآثار خارج ذواتهم. فالتكفير يُرمى تجاه المخالف بحمله على الموت. وكأن عنف الإيمان سابق بعنف أصلي هو الانتماء إلى دائرة الدين. ويصبح السؤال الضروري: من يهرول للوقوف قبل غيره سلفاً؟ هنا تدخل لعبة التكفير للتخلص من هواجس الموت، من التشقق الذاتي بإطلاق الاتهام الكامن داخل الكلمة هنا أو هناك. كما يقال عادة: كَّفّر فلانٌ عن ذنوبه بعمل الخير).
هل التكفير عقاب على شيء نحن فقدناه؟ ونريد رؤية آثاره هناك حيث التمثيل الرمزي بالخارجين عما نؤمن إزاء الثقافة والمجتمع. الملاحظ أن الايمان لم يأت إلا بعد فشل الإنسان بأن يكون إلهاً. ولعل تلك قضية قديمة قدم الثقافات البدائية. وليس بمنأى عنها تصوير الآلهة على هيئة بشر يتصارعون ويأكلون ويغضبون. وبالتالي امتدت الصور التوحيدية على نفس الآثار العتيقة. فسيكون المتنكر لها مصيره الانحجاب أيضاً طال الوقت أم قصر. فحينما يفشل شخص في الوصول إلى غاية كبرى يلاحق سواه متى أنكرها. في رد فعل عكسي اعترافاً بالأمر الواقع وتغطية لمساحة المجهول المتأله داخله. أي الجانب النازع في باطنه نحو الأعلى المقدس الذي لم ينله.
لا ينقل الجذر المعجمي السابق موقفاً معرفياً كما يحاول الفقهاء بتوضيح أن التكفير خطأ دينياً. كأنه تعبير عن فهم للنصوص بات ضيقاً لدرجة اغتيال الخصوم. ليس ثمة فسحة من الوجود المشترك بين هؤلاء وأولئك. فالإقصاء المترسب بأعماق الذات مخافة الكفر يلقيه على غيره بدافع العدوانية. ولهذا ينقل التكفير نزوعاً سياسياً واجتماعياً يتشكل في الواقع. وهو ما يقال عادة من الحفاظ على ثوابت الأمه والسلم الاجتماعي ومركزية الهوية. وكانت فكرة الجماعات الدينية تجسيداً لهذه التصورات. لأنها اسمت كيانها "الجماعة المؤمنة" في تناقض صريح مع الجماعة الكافرة. أو على الأقل تستدعي التسمية نقيضها المطلق. ومع اشتداد تلك الجماعات المؤمنة رأيناها تلتهم مفاهيم الدولة والوطن والهوية. وذلك كله مبني على أرضية التكفير التي مهدت واستوت على نطاق اجتماعي عام.
ففي الثقافة العربية الاسلامية الجارية أصبح الاتهام مصيدة للإيقاع بالكتاب والسياسيين وأصحاب الرأي. وبدت منصوبة بحماية الدولة وترسانتها الدينية. فالأصوليون هم أكبر خدام الدولة بمضمونها الحالي في المجتمعات العربية. وعندما تفشل في تحقيق غايات ومطالب شعوبها تفتح مصائد التكفير على مصراعيها. وذلك يجري بتواطؤ الوعي الشعبي والأجهزة القضائية والأمنية. وبذلك يؤدي التكفير نفس ألعاب الضبط الاجتماعي والسياسي.
النقطة المفصلية هي فعل الحجب والتغطية نفسه. فالكفر إذا كان ذاتياً فهو الحجب تدخلاً من فاعل داخلي. على أن التكفير تدخل من فاعل خارجي. لكن الاثنان يلتقيان عند حجب على حجب. بمعنى أن الكافر يفعل ذلك تجاه الإله فيأتي الفاعل الثاني ليحجب القائم بالحجب الأول. وبالتالي فالسؤال: ما هو ذلك المحجوب أصلاً؟ ولماذا يمارس هذا الرد العنيف ضمن الفعل القاتل. إنه الإيمان بامتلاك الحقيقة المطلقة. والأخيرة طريق صاعد تجاه كائن أعلى. بحيث يتقبل المؤمن منه كافة الشرائع التي يرسلها إليه.
كل فعل إيمان هو عمل سابق بمنطوقه الوجودي الأول. لأنه يحمل على معنى الفطرة، أو الرصيد اللاهوتي الخلقي. من هنا كانت التكفير في مجال الدين خاصة. ولم يكن ليوجد داع لإطلاق وصفه على أية مواقف أخرى. ورغم انه سلاح ماض في الجماعات الدينية إلا أنه ذات طبيعة هشة. إذ يحتاج من مستعمليه التبريرات الدائمة لإطلاقه. وأن كثرة ترديد عباراته علامة على انهيار إنساني لن يفيد حتى في المواقف الصحيحة من وجهة نظر أصحابه أو غيرهم.
وسواء أكان الكفر أم التكفير فالقاسم المشترك هو اسقاط شيء عميق اسمه "الوجود معاً" co-existence. قطع تلك العلاقة الضرورية لكوننا بشراً: نحمل البِشْر، البشارة، الوجوه المتفائلة لبعضنا البعض. هذا "الوجود معاً" تفرزه الديانات لأول وهلة. تفصصه، تمزقه، تضع أسواراً خارج/ داخل كل جماعة. هنا تعتبر مشكلة(التكفير)على الطريق الممتد نحو قبول الآخر من عدمه. أنها دوما تخرج عن مسارها لتصيب أي قادم لا يملك دفاعاً عن ذاته الحر. ويجهد عقله في الافصاح عن موقفه دون جدوى.