ابن الفقيه (سيرة ذاتية) -2-

إبراهيم الوراق
2017 / 2 / 24

ابن الفقيه
سيرة ذاتية
-2-
يتبع

هكذا تكونت عندي حكاية هذه اليوميات، والمذكرات. وهكذا ابتدأ التفكير في تدوينها، ‏وترتيبها، لا لكونها تتضمن فصلا من كتاب العظمة المتناهية الآيات، أو حكاية غير التي ‏رأتها الأعين الثاقبة، ولكنها حبستها في بؤبؤ سوادها المعذب، بل لأنها تدل على أدب ‏البوح، ولو لم يكن لها القدح المعلى في أدب الإقرار، والاعتراف، إذ ومهما كان صوتها ‏خافتا، أو باهتا، فإنها قد بدت لي أنيسا في زمن اغتال ألوانا من الحياة التي نعيشها خيالا، ‏أو وهما، ثم غدت مع نشدان اللطف موئلا أعود إليه حين تتقاطع الأصوات، وتتعانق ‏الذوات. ولذا يتجه القصد عندي إلى تفسير بعض الأشياء التي تدل على اختلاف الأنظار ‏المحددة لها، والأفهام المقصودة بها، لأنها توكد لي وجود الذات العاقلة، وهي قمينه بأن ‏تكون حرة في بناء عالم مواز لما سواه من عوالم غيره، إذ طريقة تحديدنا للأشياء التي ‏نستبطنها في توحدنا الداخلي، هي التي نختلف في استدرار ماهيتها، وهي الفهم الذي نعبر ‏عنه بالاضطراب، والقلق، وأحيانا يجرنا إلى أن نحس في مغبة الإجهاد والعنف بانعدام ‏الجدوى، والطوبى. وكل هذا يضيء لي درب الفردية التي نصل إليها حين نفارق القرية، ‏ونتحول إلى قش في حان المدينة، ويكشف لنا عن التحولات التي تولدت منها طرق بناء ‏لغتنا، وسبل الإعراب عن حرفنا. ومن هنا تكون سيرة ابن الفقيه صورة حقيقية لحركة ‏الحرف الشقي، وتدرجه الزمني، وتنقله بين مهاد العبث، والعجز، والحزن، لأن عوالم ‏الحرف الذي أوغل في البوح بصميم صفاء مرآته، ونقاء مرامه، هي التي فتحت شهية ‏الكتابة في مراقد الكلمة، وكسرت طوق الألم الباهت عن الآفاق، لكي تنبعث في الذات ‏رغبة مقارعة الخطوب، ومعاركة الندوب. ‏
وإذا كان هذا سببا كافيا في الحث على الكتابة، فإنني لا أرى مانعا من أسرد شيئا من ‏مقامات الحكاية، وفصول الرواية، وأحكي عن بعض من مواقع سقوطها، ومنارات ‏صعودها، وهي مراحل متتالية، ومنازل متتابعة، ولكنها ربما تتباين فيها الصور الموضحة ‏لها، والأشكال المحددة فيها، وإن كانت تنتظم في سياق واحد، وهو الذات بكل تجليات ‏وجودها، وحضورها. ولذا فإني سأكتب، لتدوم للكلمة هيبتها، وللمعاني قدسيتها. ‏ولعلي لا أغالي إذا وثقت مما يحس به قلبي، وينشط له عقلي، وتألفه نفسي، لأنني وإن لم ‏أرض كثيرا ممن نسجوا كفني من وبر خشن، فما أكتبه، لا أشعل به إلا نبض شمعة تضيء ‏عمرا من مسيرة ربع مظلم، ودرب مؤلم، ولا أنفخ به إلا في رماد ذكريات انصرمت ‏بعجرها، وبجرها، وانقضت بلا أثر يشهد عليها، ويدني منها. ولولا ما علق بالذاكرة من ‏بثورها، وجروحها، لما كانت نصا أهديه إلى من يشاركني العلة، ويبادلني الدور في هذه ‏الدائرة الضيقة. ‏
ومن هنا فإنني أكتب إلى من ينزلق همه بين الدروب، والأزمنة، والأفكار، ويندهش نظره ‏لزمن هين يمضي مغازلا بأفانين مطردة من العاهات الخَلقية، والخلقية، ويسير مترنحا بآلام ‏قيدها العجز بكمد الحزن، والشجن. فما أقسى العودة إلى العمق في الكتابة، لكي تماثل ‏من يكرر تجربتك، ويحاكي علتك، وهو يبحث عمن ينطق بها، ويعري مكانها، ويوضح ‏سبيلها، لأنها القيمة المنسوبة إلينا في الوجود، والعدم، وكلاهما يخترقان ملامح الصورة ‏الظاهرية، والواقعية، وينهيان انتظار فهم أدوار هذه المسرحية الطليقة من قيود الحقيقة، ‏والمعرفة. ولذا استحضر هذا التعدد الذي يخالف بين أنفاسنا، ولكنني موقن بأن انجذاب ‏الأنظار إلى شيء متوجع من حقيقته، ومهما تنوعت سبل الوصول إلى أطرافه، لا يعبر إلا ‏عن تعدد الوعي بالمقتضى الذي يستمجع سعادة حياتنا، أو ذبول لَذاتنا، ولا يدل إلا على ‏محاور نفترضه، ونضيف إليه صفة الملاك، لعلنا نشعر فيه بالوفاء الذي فقدناه بين أحشاء ‏الصديق، والرفيق، وودعناه حين خان العالم ضميره، وخذل يقينه، وصارت المرامي فيه ‏مستنقعا عفنا، لا يرتاده إلا مرتزق يستجدي بغيرته الوهمية على الإنسان، والطبيعة، ‏والكون. ومن هنا، فإن ما أكتبه، لا يضر أولئك الذين تصدر التصريح بابتهاج مباسم المنة ‏جباههم، ومدامعهم، ولا أولئك الذين يرغمون طبعي على الاستسلام لحماستهم، ‏وشجاعتهم، ولا أولئك الذين تجمهروا حول القبة المرمرية، وهم يزعمون أنها مليئة بالأسرار ‏الخفية، فإذا هي معنى قائم في الذات، لا ينطوي إلا على قهر كسر الرغبة في رضاب ‏الحياض، وعناق الرياض، ثم تفرقوا بين قال، ومبغض، ولا أولئك الذين ذهب بهم الغرور ‏مذهب الرفض، فلم يجدوا إلا حطام الدسيسة لرفع عماد بيوت تنكبت عن دور العز، ‏والكرامة. شيء من هذا ولا ذاك لن يحدث، لأنني ولو أطللت من النافذة نفسها، فإني ما ‏زلت أحمل هم صيانتها، ورعايتها، لا لأني أغتال ذاتي في الحرص على شيء أدركت لغز ‏لعبته القديمة، بل لكوني أحس بشعور الذنب حين ينفض الجمع، وأنا جريح بسنان الغدر، ‏والخيانة، فأشهد على ملامحي براءة القصد حين قررت أن أكون جمعا، لا فردا، ثم أميد لما ‏يتراءى بين عيني من عمر يزال، وفهم يدال، فأغوص في لجة يم الحزن، وكأني بما امتلكه ‏حرفي من بؤس، لم أكن حفيا بأن تساق إلي كمالات النعم الأزلية. فماذا خشي هذا ‏المتربص، وهو يدبر جريمة إتعابي بالقلق بين هشيم الساعات البائسة.؟ ألم يكن الأجمل بي ‏أن لا يشككني في ذاتي، فأدافع عنها، وهي لا تنطبع إلا بما نزف من غيرها من نظرات ‏موخزة.؟ قد كان حريا بهذا أن ينظر إلى عقد نقصه قبل تسديد رميته إلى حلم تلاشى مع ‏طول الوجع، وجور الحظوظ على طي حبل المنى الكسيرة. لكن لم يفكر فيما يصده عن ‏التمزيق لعرض لم يكن إلا صورة على الجدران المخلدة رسومها لتاريخ انتهت صولته، ولم ‏يستبن الطريق لفرط حقد ثوى عليه قلبه، فتلطخ الوجه الذي كان قيمنا به أن يأتي سوح ‏الأحلام نظيفا. وهنا، لا أراني سأعتب على الزمن سوء ما تلاه الكره من شرة الوشائج ‏الرابطة بيننا، ولا أخالني سأنجز دعوى للدفاع عن حق يسري مع ظلمات الأرض المتبسمة ‏للفدام، والأوباش، لكن سأنتقم من هذا الخاطر الذي يرد علي عند اشتداد شقاء الوعي ‏بمدركاته، فأشكو شحوب الأيام التي أوحت إلى ابن الفقيه بأن السير على وطيء الجهل ‏سبب لنيل صك السعادة، وعقد الهناءة. ‏
قد يرى ذلك حين يلمس شقاءه في مفاتيح عقله، ومداخل فكره، أو حين يشهد أغرارا ‏امتطوا صهوة الاستقرار، والسكينة، فينتظر ما يلده الزمن من محاضن للرداءة. ذلك المصير ‏المجهول يحيره، ويشككه، فيقول: كيف يستسيغ عقلي أن يطلب المحال في غفلة العقول عن ‏سر الهموم، والغموم ‏.؟ ‏
‏ سيكون من لازم عناء ابن الفقيه أن يحرق كل ما كتبه عن ذات وخطها شيب الألم، ‏وينسف كل ما بنى من دور لم تبتسم إلا لتتعب مزاجه المتورم، لكي يعود إلى الوراء الذي ‏برقت منه لمعة على جبين عجوز تغني في خان الأمنيات، فيتذكر ذلك المسيم الذي وسم به ‏حين دبرته الأقدار سطرا ناشزا عن خط أحبه في لحظة، وكرهه في لحظات أحس بصوتها ‏الخشن مترددا بين أعماقه. فهل سيحول المرض الذي دهمه بلحن شجي من لحظة قد لا ‏تعيده إلى سالف عهده، وخالد ذكرياته.؟ أو ستكون حريته نارا تحرق حطام عقله، ‏وتهيج رضام رأيه.؟ لن يكون ذا، ولا ذاك، فهو من غير إرادة فذة، بل تحت ضغط ‏شديد، سيعيش مترنحا بهذه القبعة البيضاء التي انحنت للعبء الذي أهاض جناحه، وأثقل ‏كاهله، وأنهك جنابه، وأورده معاني كثيرة، ومجالي عديدة، لكن أنى له أن يبرم حبال ‏مشقتنه، فينتحر في كل يوم بجرعة كروبه.! ‏
سيكون هذا حذفا لما يتمم الكلام في المعنى المقصود، لأن منال الفكر في العقول السليمة، ‏هو أن تفهم العبارات بما يحددها في الكاتب، لا بما يتعارك الناس حوله من أحكام، إذ لو ‏جف القلم عن حكاية الحال بالمقال، والمآل، لما أمتعنا المقري بنفح طيبه. وهل هي آيات ‏عشق حضارة الكلمة إلا روايات، وحكايات، وأمالي.؟ لعل ما يستبطنه الكاتب في ‏عباراته التي يداري بها طيش فهم أبتلي بتأويل ما لا يستوجب الانصراف عن حقيقته، هو ‏ما يوحي إليه بوميض السيف القاطع لأوداج الكلام المحتمل لضده، لأن ذلك مما غرس في ‏عمقه، وزرع في قلبه، وبقيت آلامه تترى حوله، وكأنه محصور بعدو ينتظر سقطته، لكي ‏يظفر بنياط ذاته. قد يكون هذا قدر الحرف في كل زمان، ومكان، لكن نفوره من القيد ‏التي ينمو في سحر المغرور بطريقه الصاخب، هو الذي أسال لعابه ما بقي الزمان ممتدا، وما ‏فتئ المكان متمددا، بل سيستمر انتحاره على شهوة المعنى، ونكهة المغنى، وإن دهمه ‏غور ينهي جود عقله، ورفد رأيه. فلا غرابة إذا اختارت اليد التي تمسك بيراعه، أو ‏اللسان الذي ينطق بصوته، أن يعيش كل واحد منهما بين دروب التشظي، وحواشي ‏الشتات، لكي تكون إلمامته بوهج المعاني وفية لحرفه، لأنها في لغة الفجع تعارك ناموس الزور ‏الذي أقفل الأبواب، وأفنى الحريات، وصير الكاتب منحرفا، وأحيانا زنديقا، لا يتخيله ‏الفدم إلا بشعر منكوش، وقميص مقطوع، وسروال مرقوع. أجل، قد يكون هكذا، ما ‏دام حرا يعكس ما فيه من خطوات، ويصدح بما فيه من أصوات، وإلا، كان شخصه ‏مراما لسهام من حرف تاريخ البشرية، وابتغى في الخلق سبيلا واحدا في المطعم، والمشرب، ‏والملبس. أجل، سيعيش الحرف في أقصى حالاته شريدا عن مأدبة العار التي احتشد عليها ‏أعداؤه، لئلا يفقد فيه أصدقاؤه ذكرياته، واعترافاته، لأنه وإن بدا هامشيا فيما يصاغ ‏للحقيقة من جلباب خادع، فإن هيبة الكلمة، وإن رشحت بالسذاجة، هي المترعة بفيض ‏المشاعر النبيلة. فهل سيعتبر الحرف تضحيته طهارة مكفرة لاختياره الأعسر.؟ أم سيراها ‏ضياعا لعز أهدر فيه غيره عمرا منهوكا، ومكدودا.؟ ‏
‏ هكذا أكتب، لأنني خلقت لأفكر في مورد القلق، وأتفاعل مع الوجود في طبعه القاسي، ‏وأتعامل مع الحياة في غرورها المستنكف. هكذا خلقت بين مسالك الكون، ووجدت بين ‏مسارب الفكر، وهكذا أستمتع بالزمن المهدور في وضعي. فهل سأستشعر هدفا آخر ‏سوى ما يحبه صدري، وغاية أسمى مما ينفصل عنه طبعي، لكي أطوف متصلا بالأماكن ‏المبللة برذاذ الكراهية.؟ لعلي إن اهتديت إلى ما قطعت من أجله سبيل مهجتي، سأكون ‏حفيا بما نبت في حرفي من فسائل الصدق، وإلا، فإن جناية الكاتب أعظم وزرا، لأنه ‏يحرف تاريخ الإنسان حين يريده أن يحكى بلسان واحد. فلا غرابة إذا انبث من مساحات ‏ذهني كل ما قرأته في بطون الكتب الذي أعجبتني حين كنت مسليا ذاتي، وودعت ‏القواميس التي تركبت عندي لغتها بعد نفور عقلي عن خدعة الدرب الضجر، والنائي، ‏والخشن. فهل سأكون عازف الحزن بين قصص التاريخ المغترب بين العقول السامدة، فأندب ‏خطيئة لم أجترحها بذاتي، وإنما كشف عنها الإحساس المتدفق بالفجيعة، والغربة، ‏والضيم.؟ كلا، سيكتظ الممر المؤدي إلى دويرتي، وسينتشر الناس حول جرمي المغدور، ‏وسيعلن صادح الكلام بأنني ما انتحرت بنقس قلمي، إلا لأنني عشت بجسدي بين الأماني، ‏ومت وروحي تعانق ضوء القمر المترنح بين الخراب المُعوِْل بنعيب غربان ظهروا بين الحياض ‏بوجوه حالكة، وآراء غائمة. فلو ساءلوا الزمن عن علتي، لنطق بما يزيل عطش غلتي، ‏ولا محالة سيقول: قد انتحر غور اشتهاء الحظوة بين المجامع الهائمة، ليبقى نجد الذات ‏وعمقها حرا للحرف، وللحرية، وللحقيقة. تلك أمان لا بد لها أن تحقق في مدرجة من ‏تقلبات التاريخ، والإنسان. وتلك لواعج ستتحرر معانيها حين يزاح الغشاء فيها عن العين، ‏والأفق.‏
‏ وحقا: إن سيرة ابن الفقيه كانت صريحة في وخز الذات، وواضحة في العبارة الدالة ‏عليها، وستبقى بقية عمره منطقة مفتوحة تملأها العصافير، والعقارب، وتتحرك في سهوها ‏ويقظتها عقول تسافر من الرجل إلى الظهر، ومن الظهر إلى الرأس. وحين تخط أحكامها، ‏ومواقفها، ستنزل بشراسة قذعها على كل محطات العبور، لتحفر بين المدائن والقرى فواصل ‏التفتيش. لكن هذه السيرة ستبقى الدليل الأسمى على حريته، وكرامته، بل هذه الذكريات ‏لن تفنى مهما اغتر جريء جسور على نفيها، وشتمها. فأترجى من قرائي أن يعذروني عن ‏عدم الفرق بين الضميرين، فسواء مكنون المتكلم عندي، أو مستور الغائب في حوزتي، ‏فكلاهما في السرد يتجه في متجه واحد، ألا وهو ابن الفقيه الذي يحكي لأبنائه وقرائه عن ‏منعرجات ذاته الواعية بالزمان، والمكان.‏