قبس من منتزه جمال عبد الناصر ، حي السعد ، النجف

ذياب مهدي محسن
2017 / 2 / 23

استهلال :
يمتد شارع الستين من خلف بناية موقع حامية النجف العسكرية وساحة التدريب في مدخل المدينة ، ساحة الزعيم عبد الكريم قاسم ، قبل ان تتحول الى موقع عسكري ومركز تدريب المشاة في البناية الجديد على طريق ابو صخير ، النجف ... حي السعد ومقابله حي الحنانة تم توزيع اراضيه للسكن في اواسط الخمسينات المساحة عرضا حوالي 600 م من شارع الكوفة الى شارع المثنى وشرقا بحوالي 2000 م بمساحة لكل عرصة لاتقل عن 800 م مربع وتزيد في بعضها على 1000 م مربع ... يتوسطها شارع بعرض 60 متر اطلق عليه شارع الستين ، نهايته متنزة جميل بعد انقلاب شباط الاسود الدموي 1963 وحينما اشغل مديراً لبلدية النجف عضوا من القوميين العرب اطلق اسم جمال عبد الناصر على هذا المتنزه " الآن وعشقنا وذكرياتي مابين شارع الستين والولايه ذهابا وآيابا كان الملتقى متنزة جمال عبد الناصر، حي السعد .
لمحة عامة عن المنتزه :
منتزه بيضوي بقطرين 100م×200م سياجه حديد منقوش تحيطه اشجار دائمية الخضرة " الشجار التدنيا أو الددنيا " وسواقي تسوره ، زرعت عليها اشجار الكالبتوز " الصفصاف " ايضا بشكل متناسق وجميل مساحات خضراء على اربعة جهاته وطرق وسطية تؤدي الى حديقة صغيرة دائرية الشكل زرعت فيها اشجار الورد الجوري وانواع من الزهور الموسمية المساحات كلها مزروعه بالثيل سقي الماء من انبوب البلدية وسط هذه الدائرة حوض صغير كنافورة كذلك وجود مصابيح لأنارة المنتزه ، كان متنزة رائع مخضوضر دائما فيه عامل زراعي واحد واحيانا اثنين ، يمتهنون الفلاحة وادارته ونظافته ... نحن اهل حي السعد كانت بيوتنا ثلث مساحتها حدائق ، وفيها ما فيها من انواع اشجارالحمضيات والزهور وانواع اشجارالفاكهة ولا يوجد بيت ما فيه نخلتين على الأقل واكثر دائما ، المنتزه في كل عصرية ملتقي لبعض العوائل منهم من يجلب أكله وقسم معهم السماور والسفرطاس وبعض ما يفرش على الثييل للجلوس ، الاطفال يمرحون ، الصبايا يلتقون وحديثهن ذو شجون ، والشبيبة يلعبون ويمرحون ، الى بعد الغروب ويخيم الظلام ، تتوهج انارة البلدية فيشع الضوء على المتنزه ، وتلتم على المصابيح الحشرات الليلية والعصافير لا تهدء من زقزقتها في وهدتها المسائية وهي تتخذ من اشجار الصفصاف اوكارا لها ومهجع ، تنسحب العوائل قبل الساعة التاسعة مساءا عادة ، ومن هنا سابدأ بيت القصيد :
شجرة العشق ، صفصافته في منتزه جمال عبد الناصر ، وهذه قبس من سيرة المكان ، وذاك الزمان ، كنا وكانوا : كانت شجرة كبيرة تحفها اشجار آخرى اقل كبرا منها ، تحيطها اشجار الددنيا المتشابكة والتي تحجب الرؤيا لمن هو خارج المنتزه وحتى ممن يتجول في ممراته المتعرجه والملتويه ففيه زوايا مابين الاشجار المسورة له وكثافة الاغصان وكان السقي دائما وقت العصر حيث يغادر عامل البلدية قبل غروب الشمس بعدما يغلق انبوب الماء ، الليل جميل في حي السعد ، ونحن الشبيبة المنتشيين بروحنا النضالية الجديدة وعنفوان النضال في حينه ، وللتو تبلغنا ان هناك ، تفاهمات حول تعاون مابين الحزب الشيوعي وحزب البعث الذي استلم السلطة 1968 والحركة الاشتراكية العربية الجناح اليساري المنشق من القوميين العرب ، هكذا كانت اتفاهمات نسمعها سرا حينما نجتمع نحن الشبيبة ، آه ياشجرة العشق ، ياصفصافة المتنزه ، كأنها شجرة وحيدة في النجف كله ، كأنها تخاطبني حينما امر بها : أبرد في الشتاء ، انصهر في الصيف ، يكتب العشاق على لحائي أسمائهم الأولى ، يرسمون القلب مابين اسميهما ، احيانا يضعون معادلة ( حرف من اسم العاشق + وحرف من المعشوقة ، ثمة علامة = النتيجه حبنا للأبد ، او كلمات اخرى تشي بالبراءة ... وتخاطبني صفصافتي أواتخيلها تنادمني حينما لا تأتي الحبيبة المعشوقة والعاشقة ، وانا اسند ظهري على ساقها المتين ، اسمعها تهسهس لروحي ، وهي منتشية بعشقنا ، تقول : كنت اظلل العشاق صيفا وانزل بعض اغصاني على مقربة من رؤوسهم كي يقبلوا بعضهم .. كانت أكفهم تلتصق بلحائي فأشعر بدفء مشاعرهم.. كنت أمينا على عشرات العشاق واسرارهم فأصبح لحائي سجلا يحوي قيود نبض المحبين .. ولأنني مت ، يبس لحائي وبدأت قطع منه تسقط وتسقط معها اسماء العشاق الذين كتبوا أسماءهم عليه ومنهم عاشق يحمل اسمي ، لم أستطع أن أجعل غصني ينزل ؛ كي لا تقع تلك القطعة التي تحمل اسمي ، ثمة غيمة حاولت إنقاذي فاشتبكت معي واحتضنتني ، فكانت بين أغصاني وبدأت تمطر، وبدأ دمعي يخرج بين تشققات جذعي ممتزجا بقطرات الغيمة العذبة المعطاءة، لكن لا حياة للشجرة بعد موتها... لم يعد العشاق يأتون إليَّ ، ذيبان جف الحب جفت اشجاره ، ارتفعت ملوحة الارض ، غزاها نزيز الماء ، فاصبخت وبقيت انتظرك صفصافة يابسة ، والآن اذكرك يا أبن غلآم ، كيف كانت حبيبتك ؟ انتبهت من تيهاني وسرحاني في حلم شفيف ، لكن لا زال صوت صفصافتي يطارد مسامعي ، فثمة أشجار أخرى أكثر خضرة مني ، لكن ثمة أمل ، فربما أصبحُ خشبا لصناعة زورق، لعل عاشقين يبحران فيه في رحلة ذات مرة أو ربما يصنعون مني ورقا، يكتب أحدهم قصيدة حب على أحدى أوراقي .. او عاشقتك تطبع شفتيها قبلة لك من بعيد تطيرها لك بكل الاتجاهات لعلها تصيب لقلبك نصيب ، " نوحي على العافوج يا روحي دنوحي " وكأن خلف صوتها هذه الأغنية وشجوها "يوسف عمر" مالي ومال القبلة الأولى ياصقصافتي ؟؟ نسمة من الهواء الصحراوية تراقص اغصانها الخاوية ، وهي الذاوية على ظيمها ووحدتها وتوحشها في تصحر المنتزه ، وسرقته من بعض الحرامية الجدد !! تخاطبني ذيبان لاتنسى قبلتك الأولى هنا بجنبي ، اتعلم ما هي القبلة الأولى " ضوء أحمر" كانت أنثاك لا ترقص جسداً إنما تبعث الدفء ، عندما تفتح ازرار قميصها وانت تغفو مابين النهدين الكاعبين اللعوب ، لتأتي الحياة .. كنت تناديها بغنج : غجريتي الممشوقة الطول ، حينما تسيرين سيرك صلوات ، وفمك مرزيب الذهب يسكب خمرة القبل ورضابه شفاء وأمل ، للعاشقين .. غجريتي يالقبلتك الأولى ..!؟ عيناها كانت البحر او الفجر في صفاء طلته وجهها المشرأب بالحمرة وكأن خديها تفاحة بلونين ، شفتيها ، السفلى تخاصم العليا اني ابها منك ، فترد عليها واني اكثر التصاقا بفم حبي .. ماذا دهاني وانا الآن في غربتي ، ما هذه الهواجس !؟ ويرجع الصدى بهمهمة وحمحمة مهرة أصيلة " كحيلة " وشكرة ، تائهة في البراري النجفية ، او ربما في ضيعان الاسواق وتيهان درابين الولاية ، ربما ابتلعها صخب المدينة وتفكك بيوتها الأصيلة ، صفصافتي ، لاتنسى ؟ كأنها " قبس ، قبلة ضائعة بالضوء الأحمر " تنبهني بذكرياتها ، قبس من الرحيق الوضاء ، وأنا متعمق فيها حد الثمالة ، لا زالت رائحتها في فمي ، يوم لقائنا معا في درابين العمارة ، ومن يعرفها غير اهلها الأصلاء ، درابين العمارة وعكودها ، انها دوامة الحياة للذي لا " يندلها " او يعرف صخبها وعناق بيوتاتها بكل ماتفتخر به الحياة وبما تنبذوه من سيئات ايضا ... حينما قالت لي : ذيبان لنذهب الى العماره هناك لا احد يعرفنا ، اجبتها غجريتي وانا المعنون في شوارعنا النجفية ، ابتسمت هناك سوف نتمتع بالحرية الوقتيه الناس لايتجولون فيها ولا تجمعات في درابينها للشباب ونحن سنسرق القبل بشغف وحتى لو نظرت لنا شناشيلها ، ففيها نشم نسائم البخور والعطورالرضوية ، وبعض بصبصات عجائزها من شبابيكها الدافئة بالالوان والنقوش والجدران النبيهة ، رحنا معا وفي درابين العمارة مابين دربونه وكعد ؟ كنا نلتصق والشفاه لاتجف رضاب من القبل، ياطعم ياليلة من ليالي النجف النبية ، صفصافتي تنبهني لاتغفل قبلتك الأولى ؟ كيف وما زالت تفيض عبقا ، هنا اغتالني الشوق لدفء الكلمات ، بعيدا عن ضوضاء التعساء ،لازالت خمرة القبلة الأولى تتعتق في ذاتي سكراً فسكرا .. ليلة من ليالي المنتزه غفونا وتقارب منتصف الليل ، ياسلام على النجف حينما كانت تغفو بسلام !! ونحن نجدف فيها بالقبلات ، ننتشي بالوهلة الأولى ، القبلة وصولاً إلى السابعة لا يسعك إلا أن تشتهي التقبيل " القبلة الأولى ضوء أحمر " يا غجريتي النجفية لا تلوميني ، ياصفصافتي :
أسيرُ نحوكَ.. سيرَ الريّحِ في الورقِ
ومنتهى قلقي يمشي بهِ قلقي
عيناكَ أغنيةُ الصحراء تلمسني
والعطرُ ظلَّلَهَا بالحلمِ والعبقِ
وشِعرُكَ الصاخبُ الإغراءِ راودني
مُوَرِّطَاً كأسيَ المنساب في " عرقي "
ورمشكَ المطرُ المنهارُ بللني
وعاد ثانيةً مستوطناً غرقي
هذا جنون دمي لحماً يقامرُ بي ...
على الغوايةِ صلّى قلبهُ النَّزِقِ
هذا رضابكَ يلهو مثل راقصةٍ
في خصرها سهرَ الإيمان للغسقِ
في منتزه الحي ياصفصافتي ألقي ....
هكذا كان نديمي منير النمر بقصيدته ، يتناغم مع وجعي ، وكل ما اهرب منه ، كل الطرق تؤدي إليه !! غجريتي انثى للشتاء وانثى للصيف ، كانت : وحبيتها في الصيف وحبيتها في الشتاء ، "عذرا فيروز " تختبئ الأحلام في ثوب الليالي ، ياظلال صفصاف المتنزه الذي تراقصه اضوية البلدية ، حينما تهب نسائم ندية جنوبية ، ألق للعشق .. أنثاي للشتاء وللصيف حبها فيه عطر للنسيم ، من دمع النجوم تغار في أشتهاء .. حين لقاء ، واها أنا أوقد النفس قوافي للرياح ، في غدي بوح لمراثي الصيف والشتاء .. يلتقي فيها الحريق قبلات ليلكية وللعمر ذكريات وبقية ...قرنفلاتي