ربيع القُرود: المثقفون فوق الأشجار

سامي عبد العال
2017 / 2 / 23

تأخر هذا الموضوع عدة سنوات خلت. لكنه مازال مُلّحاً حتى الغد وبعد الغد. فالمثقفون- مع أحداث العالم العربي- أخر من نزل إلى الشوارع وأول من تسلق المنصات والمنابر. زعموا قدرتهم على التنبؤ بالغيب وسط الظلام الحالك. وانهمكوا في تقليب فناجين الأرض بحثاً عن الأماني والغايات البعيدة بلا قرار. حاولوا ركوب الجماهير فلفظهم الحراك الشعبي بالوحل. كلما هدأت الأحداث تشبثوا بالتنظيرات. لكنها لم تعد لتُجدي. ولذلك بات حديثهم وهمياً فوق ناطحات السياسة ومنصات الاعلام.
ليس هذا الحدث أو ذاك غريباً عنهم فقط بل تركهم بحر الحياة كقواقع خرجت أحشاءها. مثلهم كمهرج أخذ يفتش جرابه بحثاً عن الإثارة فلم يجد ما ينقذ. فجلس على مقعد المتفرج الغائب(شاهد ماشفش حاجة) تاركاً مصير الثقافة والمجتمع للمجهول. وهذا حال مجتمعات العرب الآن حيث يلفها مجهول وراء مجهولٍ. هل هناك معنى وراء تلك العطالة لكلمة مثقف؟ لماذا دور القُرداتي للمفكرين(مع الاعتذار للفكر وللقرود)؟!
سياسياً اختار المثقف قفص السلطة متعلقاً بأعمدته الرخامية دون سواها. كم طقطق ليلاً ونهاراً على أكتاف الملوك والأمراء والرؤساء والمسؤولين وأصحاب المناصب العليا. لو تخيلنا المشاهد: كائن غريب يحرك ذيله هاشاً الهواء. يلعق أصابعه وأقدامه طوال الزقت. كما كان يلعق أصابع أسياده يجرى وراء صوره المتناثرة، يلاحق الخيال المتسرب وراء الجدران. يقشر الفستق والبندق والفول السوداني والموز فوق الكراسي والفرش الوثير. يغلق أغطية المفاهيم والأفكار على نفسه. يُفصِّل من مساحة اللغة أزياءً تناسب مختلف الأحجام والأعمار والأوهام. يستغرق حياته بالدوران المتنقل من هذا الجانب إلى ذاك.
كان تاريخ السلطة في الثقافة العربية هو تاريخ هؤلاء القرود المروضين. وهم يتسلقون نفاقاً وتزلفاً للظفر بالأموال والنفوذ والجوائز. دورهم كأنه الشاحن الآلي لأنظمة الحكم المستبد. فأثناء الربيع العربي انقسموا إلى فصيلتين(على غرار القرود) إحداهما: أرادت العيش فوق أعالي الأشجار. وهم المثقفون الذين انشقوا على السلطة. وذهبوا اختيارا أو هروباً نحو أماكن المعارضة أو دول الغرب. وظلوا يطلقون الانتقادات لمسار الأنظمة وينقبون في سجلاتها عن القهر والدمار والتخلف. ويعلقون بشكل ديماجوجي على الأحداث والمظاهرات. ويرسمون آفاقاً للحلول السياسية دونما معرفة بالوقع المعقد. ومنهم من شارك في المجالس الانتقالية كما في تونس ومصر وليبيا. وآخرون جاءوا على سنام المعارضة كما جري في سوريا مع الجيش الحر. الذي انتمى لمعارضة رشحت مثقفين على رأس هيكلها.
أما الفصيلة الثانية: فهؤلاء المثقفون نزلوا إلى أحراش الغابة بين التنظيمات الشبابية والكتل والحشود. وفي حالتهم وقعوا في اختبار اسطوري عنيف. لأنهم فقدوا بصلة الأحداث لديهم. جربوا تصوراتهم وأفكارهم فاكتشفوا أنها نفايات سياسية وتنظيرات مثقوبة لا تعالج شيئاً. لأنهم قد اعتادوا وهم بجوار السلطة خلق المشاكل للجماهير. الأن كيف سيحلون المشكلات التي أفرزتها الأحداث؟ فالمثقف يخلق المشكلة أولا ثم يجهد جهازه الفكري بحثاً عن مخرج. لكن ماذا لو كان الواقع غير مألوف؟ وكيف يراه وهو طوال عمره ملتصق بإبط الحكام؟
ههنا حرص بعضهم على الوصول إلى تنظيمات سياسية فاعلة. وحرص كذلك على أن يكون في المقدمة كما حدث مع الفترة الانتقالية بمصر مع المجلس العسكري. حيث جلسوا على مائدة الحوار تجاه الحاكم العسكري معتقدين أن كلامهم سيكون مسموعاً. بينما هم في واد غير ذي زرع كما أنهم خارج الأحداث. ونفس هؤلاء ظلوا يخاطبون كل سلطة جديدة. فحينما جاء الاخوان جلسوا إليهم موفقين بين مطالبهم وتوجهات الجماعات الإسلامية. وطبعاً لأول وهلة شعر المثقفون بدفء سلطة الاخوان. فتناسوا تراث التنظيمات الجهادية العنيف. وقد ابتلعوا وظائف النقد والاختلاف ضمن خطابات معسولة حول الحرية والتنوع والليبرالية السياسية. بالمقابل فهم الإخوان طبيعة هؤلاء القرود فتركوا لهم مساحة من التعبير والحركة. فبتنا نرى قروداً مهجنة. من قبيل الاسلاميين الليبراليين والاسلاميين العلمانيين واليساريين المتدينين والمحللين الأحرار والكتاب السياسيين والناشطين الحقوقيين والأدباء الثوار.
هذه الفصيلة لها خصوصية بمصر تحديداً. رأينا بعضها يتلون بألوان الموجات الغالبة باحثاً عن عقد لبرنامج تليفزيوني. يقدم من خلاله مواد اعلامية وأخباراً ومهملات سياسية ضمن تسالي الربيع العربي. وقد وجد ضالته القديمة(القرداتي) في جني أموال طائلة من اعلانات ولقاءات وتأسيس علاقات ومصالح مع رجال الأعمال. ومن هؤلاء أساتذة جامعات وصحافيون واعلاميون سابقون وكتاب أعمدة ومتخصصون في دراسات العنف والارهاب. ومن سخافة الغابة السياسية المصرية أن نال هؤلاء ألقاب المفكرين والاعلامين الكبار لمجرد ظهورهم على الشاشة بعض الشهور!!
ومن تلك الفصيلة على امتداد العالم العربي: هناك من فهم أغراض أصحاب المؤامرات والعمالة للدول الغربية. وأدرك الفرصة الذهبية التي سينالها بمجرد الانضواء تحت لوائها. فوضع خدماته القرداتية تحت تصرف دويلات خليجية. ليظهر على شاشات الجزيرة والعربية وسكاي نيوز معلناً تحرك شراع الأحداث لصالح قوى رجعية واسلامية. هذا رغم أنه يزعم كونه – أو هكذا يشار إليه- بالمفكر العربي في غير مناسبة. وهو يجمع في فروه الكث بين وظيفتين. وظيفة التحولات التي أصابته(التحورات) من مرحلة إلى أخرى. من الماركسية والشيوعية إلى العروبية الساذجة. ومن العروبية إلى القومية البدوية الرجعية. ومن القومية إلى الليبرالية الرأسمالية. والوظيفة الأخرى: أنه يهرع لتقديم تحليلاته ومؤلفاته لمن يدفع أموالاً ويملأ ثلاجته بالأطعمة المعلبات والمستوردة. ولا يمانع في التبشير بجنة الربيع من خلال زياراته للممتلكات السياسية لدويلته الراعية.
هذا النموذج العابر للدويلات يتقمصه كثيرون. والغريب في المثقفين العرب أنهم يقدون قوامهم الخطابي والفكري على مقاييسه تماماً. حتى إذا اختفى أحدهم ظهر سواه يحمل نفس الصندوق الأسود من الحيل والألاعيب والتنظيرات. وليس هذا فقط بل فتحت الفضائيات الإعلامية أبوابها كمؤسسات لرعاية هذه الأنماط الهجينة من القرود. وما زالت تعلن يومياً عن قبول أجيال شابة منهم لعلهم يكتسبون مهارات أكبر في التسلق والقفز.
هكذا جاءت العواصف السياسية والاجتماعية لتثبت شيئاً مهماً: المثقفون لا دور لهم سوى الصرخات اللفظية مع غبار الواقع الآسن. وقد اصبح الوعي لديهم انذاراً بكوارث كانوا هم المستفيدون منها بالمقام الأول كما كانوا أحد أسبابها. هكذا ما إن انفجرت الجموع ونشبت الأحداث حتى أطلقوا عالياً أجراس التنظيرات الهوائية حول ما يحدث وما سيحدث. وبنبرة تعالمية( ادعاء العلم) قالوا إن الغد سيكون مزدهراً. وأن الحرية هي أساس المجتمعات. وأعلنوا عن أصالة الإنسان العربي في دفع عجلة التاريخ. وتبين أن ذلك كان صرحاً من خيالٍ فهوى...هوى...هوى!!
إذا كان انطونيو جرامشي يرى ضرورة أن يكون المثقف عضوياً، فالمثقف لدينا كان هامشياً زائدا عن الحاجة. يعيش كالديدان لا تري أبعد مما تلتصق به. وتأكيدا لما سبق يجيد الزحف لا القفز ولا يستطيع ارتياد مسبار التاريخ. ينتقل من موقف إلى غيره في لمح البصر. إن تركه حاكم يتطلع إلى غيره. يلعب على جميع الحبال الشاهقة والواطئة. طوال الوقت يمشط شعيراته التي تغطي جسده العاري. لعله يجد فرصة لإضفاء جو البهجة على أطراف السلطة أيا كانت. يقف وسط كوكبة من أهل الفن والمعرفة والخبراء وقصاصي الأثر للتسلية ومطالعة المستقبل.
لم يوجد في تاريخ العرب القديم والحديث ما يسمى بالمثقف العضوي. لأنه خارج هيكل التأثير في الواقع. سواء أكان في كهف السلطة أو دونها. هو في وضع الزخارف ليس أكثر. زخارف هزلية أو جادة تمام الجدة. المثقفون انتيكات على خاصرة الاستبداد الشهير لدينا. وهو مازال يُصنع ويؤسس إلى اليوم. وللأسف سخرت جميع امكانياتهم إلى تبرير هذه المكانة المرموقة!! وهي التي نعانيها مرتين واقعاً وغياباً.