لا تزال الدول الكبرى متفقة فيما بينها على استمرار الحرب في سوريا

ماجد ع محمد
2017 / 2 / 23

مع بدء انعقاد الجولة الرابعة من مباحثات جنيف، ومع ظهور تقرير منظمة العفو الدولية الذي سمي بالمسلخ البشري في صيدنايا وتأثيرات التقرير على الضمير العالمي، وعن استمرار حزب الاتحاد الديمقراطي في استفراده وعدم قبوله بشركاء له في إدارة المناطق الكردية، فحول هذه المواضيع وغيرها كان لنا لقاء خاص مع الناقد والإعلامي عنايت ديكو.
ــ جنيف على الأبواب فهل تتصور بأن يخرج المجتمعون فيها بخطوات جادة ومهمة للشعب السوري، وهل سيكون المجلس الوطني الكردي أكثر حضوراً مما سبق ؟
أعتقد بأن المباحثات أو المفاوضات المزمع عقدها في " جنيڤ " القادمة هي تحصيل حاصل لما هو متفق عليه بين اللاعبين الكبار والدول الراعية للازمة السورية، وهي تعكس أيضاً معركة كسر العظام السياسية والعسكرية التي دارت رحاها وبعمق في حلب وغيرها من المدن السورية خاصة في الأشهر الأخيرة، وستكون هذه المفاوضات أيضاً انعكاساً للحالة وللظروف التي تمر بها المعارضة السورية بشكل عام، والتي سقطت كل الاوراق من يديها وباتت لا تملك القرارات وهامش المناورة والخيارات لاستخدامها وطرحها كأوراق ضغط على طاولة المفاوضات في جنيف، فالمعارضة السورية بكُلّيتها قد دخلت مرحلة الدفاع عن النفس بعكس السنوات الأولى من الثورة السورية، والمجلس الوطني الكوردي طبعاً هو ليس اسثناء عما يجري على الأرض وقاعات الدبلوماسية وغيرها، وهو جزءٌ يتيم وغير فاعل ضمن الإئتلاف الوطني السوري .
ــ هل تظن بأن تقرير منظمة العفو الدولية الذي سمي بـ:"المسلخ البشري" سيحرك الضمير العالمي وبالتالي سيدفع المجتمع الدولي إلى اتخاذ مواقف صارمة من نظام الأسد أم سيصبح طي النسيان كغيره؟
منظمة العفو الدولية هي كغيرها من المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية، لا تملك الأدوات والصلاحيات في جرّ وجلب مجرمي الحرب إلى العدالة، لكنها تستطيع أن تساهم بخلق رأي عام أكثر شفافية وتُساهم كذلك في الضغط على الخواصر لتقديم بعض التنازلات السياسية من الأطراف، وحقيقةً أرى بأن أكثرية هذه المنظمات تبقى أسيرة الخلافات والسياسات الدولية، فتقاريرها تبقى مرهونة بالتطورات والسياسات الدولية على الأرض، وتبقىٰ تقاريرها محدودة التأثير ما لم ترافقها سياسات واضحة ومدعومة من مجلس الأمن والدول الكبرى الفاعلة لمحاسبة المجرمين والقتلة، ومثال على ذلك فالرئيس السوداني "عمر حسن البشير" وقيامه بالإنتهاكات والجرائم ضد الإنسانية وبالأدلة والوثائق، واليوم "عمر البشير" طليقاً حرّاً سيداً ورئيساً ويُستقبل في الكثير من القمم والمؤتمرات العربية والافريقية، وهنا سأنهي جوابي بجملة مشهورة لرئيس الوزراء البريطاني السابق "داڤيد كاميرون" عندما وُجّه إليه سؤال من قبل أحد الصحفيين حول الأمن وحقوق الإنسان، فقال: عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي فلا تحدثني عن حقوق الانسان.
ــ ثمة تسريبات عن رغبة واشنطن لإقامة خمس مناطق آمنة في سوريا هل ثمة ما يعزز هذا التوجه أم أنها مجرد تكهنات وأمنيات؟
أعتقد بأن السياسة العسكرية الأمريكية الجديدة باتت تعتمد على عناصر ومفاهيمٍ جديدة، فقد تغيرت في أدواتها ومفاهيمها الكلاسيكية وصارت تعتمد على فلسفة الـ: "ريموت كونترول"، أي خلق روبوتات أهلية وعسكرية وعشائرية للقيام بالوظيفة وبالدور المنوط بها استراتيجياً وسياسياً وعسكرياً، فبعد كَبْوَتها في العراق وأفغانستان، فلم تعد ترسل جنودها إلى الجبال وبراري الموت ، فهي تريد أن تسيطر على المباراة ونتائجها عن طريق الجمهور نفسه، فهي تدعم كل الأطراف ضد كل الاطراف، فليست لها سياسات واضحة مثلاً: فلا هي واضحة من الثورة السورية، ولا من الكورد، ولا من تنظيم داعش، ولا من النظام، ولا اليمن، ولا ليبيا، ولا أوكراينا، ولا غيرها من بؤر الصراع، والكل ضد الكل، والكل يُحارب بالسلاح الأمريكي، فبعد إنهاك القوى واللاعبين على أرض المعركة، سيأتي اللاعب الكبير لجني الأرباح والنفوذ والأملاك والنقاط، أما بالنسبة للمناطق الأمنة؟ فقد نشهد انحسار لقوى على حساب قوى أخرى في أرض المعركة في سوريا، وقد نشهد مناطق نفوذ متفرقة قومية كانت أو مذهبية أو طائفية، في قد يبقى بشار الأسد قابعاً في قصره ولا يقترب أحد منه، مثله مثل صدام حسين وكيفية خروج جنوب العراق، واقليم كوردستان من تحت سيطرته، بينما صدام حسين بقي لسنوات وسنوات إلى أن جاء دوره وانتهى مع رحيله فصلٌ من فصول الحرب في العراق.
ــ ترامب متسارع في اتخاذ القرارات فهل سيكون فعلاً غير ما كان عليه سلفه أوباما فيما يخص قضايا منطقتنا خصوصاً أنه صرّح بذلك أكثر من مرة مع رفع وتيرة تهديداته لإيران؟
للوهلة الأولى يستخلص المرء بأن الرئيس الأمريكي الجديد هو رجلٌ منفعلٌ ومتسرع في اتخاذ القرارات والمقابلات والحوارات، لكن مَنْ يدرس تفاصيل وصول ترامب إلى سدة الحكم ومساندة الكارتيلات المالية الضخمة والعملاقة له من " MICROSOFT ... YAHOO ... GOOGLE ... و APPLE، فسيرى كم هي عميقة تلك الدولة التي تُسيٰر أمريكا وحكوماتها وسياساتها والتي وقفت وتقف خلف دونالد ترامب، فكل المراهنات والتقييمات والتحليلات والقراءات والدراسات في العالم والتي أشارت وتوقعت بفوز هيلاري كلنتون على خصمها ترامب بحكمدارية أمريكا قد سقطت، والنتيجة كانت العكس، وهذا ما يبرز دور الدولة العميقة في تسيير كافة مفاصل الدولة والمجتمع، أجل تلك الدولة هي التي وقفت خلف ترامب القادم من عالم المال والأعمال، لأن ترامب يعكس تماماً مصالح تلك الماليات العالمية الهائلة، أما بالنسبة لارتفاع منسوب الخطاب المضاد ضد إيران ؟ أرى بأن شركات السلاح في أمريكا هي بحاجة إلى التصدير وبيع المنتوج القديم من السلاح للعرب وبالمال العربي والجهد العربي وعلى أرض العرب.
ــ سوريا بمجملها تعاني من مشكلة كبيرة فيما يخص المحروقات بعد أن قطعتها إيران بضعة أيام ومن ثم أعادت ضخ النظام بتلك المواد من جديد، ألا يعني ذلك بأن النظام ولو حاول التخلص من ايران فإنه سيبقى غير قادر على ذلك طالما أن إيران غدت بمثابة الشريان الوريدي للنظام؟
هناك صورة لا نراها ولا نُدقق في ماهيتها، وهي أن كل الآبار السورية من البترول وبيع المشتقات لم تتوقف يوماً عن الاستخراج والتصدير والبيع والشراء، فمن أين يأتي الديزل لسير عربات الدفع الرباعي مثلاً عندما تطير في هذه الصحارىٰ ؟ فمن أين يحصل تنظيم الدولة على حصته من البترول وكيف يستطيع هذا التنظيم تلبية احتياجاته من النفط ومشتقاته؟ وأيضاً النظام السوري، فكل العربات والمركبات والدبابات والسيارات تحتاج الى الديزل، والحال يمشي على حكمدارية الـ " PYD " أيضاً، فكل البترول والمحروقات ووجودها وبيعها وسوقها وتصديرها واستيرادها خاصعة للاتفاقيات البينية على جغرافية النفوذ، فالواقع يقول: من المؤكد أن تكون هناك اتفاقات ضمنية وسارية المفعول وغير قابلة للطعن والنقاش والنقض بين الفرقاء واللاعبين في البيع والشراء والتبادل، أما قطع المحروقات من قبل إيران على النظام، أعتقد بأنها كانت بمثابة مساحيق وارهاصات ملونة ترافق أستانة لتؤكد على تثبيت الدور الايراني في رسم الخارطة السورية الجديدة على ضوء مصالحها الاستراتيجية .
ــ الفصائل المسلحة تسلم بعض المناطق للنظام (حلب مثالاً) والاتحاد الديمقراطي كذلك سلّم عدة بلدات في ريف حلب الشمالي، فهل سيعود النظام الى سابق عهده في السيطرة؟ أم ثمة حدود متفق عليها بين الدول الكبرى لا يجوز تخطيها؟
أظن بأن الدول الكبرى متفقة فيما بينها على استمرار الحرب في سوريا وبكل الأشكال، فلولا وجود هكذا اتفاق بين الحيتان الكبيرة ؟ لما رأينا هذه التراجيديا المستمرة لحالة الحرب هذه في سوريا، والذين سَلَّحوا الثورة السورية، هم أنفسهم الذين يطلبون اليوم من المعارضة السورية بأن تُسلمَ المفاتيح للنظام السوري، أما بالنسبة للـ:" PYD " أظن بأن جناح الصقور سيطر على جناح الحمائم في قيادة وهيكلية حزب العمال الكوردستاني، ما دفع في الأخير بفرعه السوري الى التعاون والتعامل مع النظام السوري والاستفادة من الانكماش الذي حصل للنظام في كوردستان سوريا ليجعل من هذه الجغرافية والاستفادة منها واستخدامها كحديقة خلفية لشن حروبه ضد الدولة التركية مقابل صكوكٍ واتفاقات بين الطرفين، فلا عجب من عودة النظام وأدواته ومظاهره ثانية في المناطق الكردية لأن الطرفان يعملان كحليفين استراتيجيين.
ــ رغم إتفاقية وقف إطلاق النار التي قبلت بها الفصائل المسلحة وقوات النظام، إلا أن ذلك لم يوقف المعارك في عدة جبهات، فهل هذا يعني بأن ثمة هامش للطرفين مسموح لهم المناورة والقتال فيه؟
ما دام الأفق السياسي في حالة الانسداد والانغلاق ولا توجد هناك أية نية أو رغبة دولية صادقة بإنتهاء هذه الحرب والأزمة السورية وتحقيق العدالة؟ فالقتال مشروع والقصف سيكون مباحٌ ومسموحٌ به للأسف، وما دامت السبطانة تُسَيّرُ المفاوضات بين المعارضة والنظام، وما دام هناك جيشٌ من الداعمين لهذه الحرب القذرة؟ فلن نرى في الأفق أي حلول، فبات السوري يرى وكأن العامل الدولي والاقليمي يرفعان البطاقة الخصراء للسير في دمار المُدَمَّر، فاليوم بات النظام والمعارضة يُحاربان بعضهما البعض بالوكالة على هذه الأرض، فتجار الحروب لا يهمهم الشعوب والحريات وحقوق الانسان، وأكبر دليل على ذلك، فهم لا يسمحون لا للنظام ولا للمعارضة برفع الراية البيضاء والاستسلام، والسنوات الست الماضية من عمر الأزمة السورية كانت خير دليل على هذا.
ــ تركيا طالبت الفصائل الموجودة في أعزاز بالخروج منها خلال فترة قصيرة لتدخل مكانها قوات تركية خاصة ألن يشكل ذلك خطراً على عفرين المطوقة من كل الجهات؟
طبعاً، سيكون لهذا التدخل التركي تبعات خطيرة على منطقة عفرين وخاصة من الناحية السياسية والعسكرية والاجتماعية، لأن كورداغ - منطقة عفرين تعتبر الرئة الأساسية والمستودع والخزّان الرئيسي والمعسكر الأساسي للتدريبات وتخريج المقاتلين وتهيأتهم عسكرياً وقتالياً وعقائدياً قبل إرسالهم الى المعارك، وستحاول تركيا وبشتى الوسائل الضغط من محيط إعزاز لإغلاق هذا الباب وهذا المتنفس، وذلك بكون طبيعة وجغرافية عفرين من الجبال والكهوف والمستودعات وعناصر التمويه الطبيعية والجغرافية توفر قاعدة الإنطلاق الأساسية لحزب الـ:" PYD " في حروبه مع المعارضة بالريف الحلبي.
ــ لماذا شبّهت معركة الرقة بمعركة جالديران التاريخية؟
لقد شبهت معركة الرقة بمعركة جالديران لما فيها من عناصر متشابهة ومتقاربة، فالشيء بالشيء يُذكر وخاصة في مقولة ( التاريخ يُعيد نفسه )، فقبل مئات ومئات السنين دخل الكورد في معاركٍ وحروبٍ وأحلافٍ إقليمية، وكانوا رأس الحربة في القتال والخطوط الأمامية بين الفرس والعثمانيين آنذاك، وما إن وضعت الحرب أوزارها حتى رجع الكردي الى جبلهِ وحجله، فأخشىٰ ما أخشاه هو أن نحتل رأس قائمة المراهنات وأن نعيد الكَرَّة الجالديرانية ثانية، ونكون هذه المرَّة قد ضيعنا الجبَلَ والحجل معاً، ولقد أردت بقولي ذاك قرع الأجراس كوردياً على الأقل .
ــ في ما يخص الكانتونات هل ترى بأن تحالف حزب الوحدة (شيخ آلي) مع الاتحاد الديمقراطي هو تحالف سياسي أم منفعي وقتي أم هو تحالف عقائدي؟
معروف أن الأحزاب الشمولية بمجملها وخوفاً من ظهور التكتلات والتيارات والتنظيمات المعارضة لها، تلجأ عادةً الى إنشاء وخلق هياكلٍ وكيانات وأجسامٍ سياسية هلامية فاقدة التأثير على الشارع، وتابعة لها في التنظيم والتأطير والممارسة، وهذا ما نراه في السياسة الداخلية عند الـ " PYD " أما بالنسبة لحزب الوحدة، أريد أن أقول للقارئ، أن هناك خاصية يمتاز بها حزب الوحدة خاصة جناح (شيخ آلي) لا يمتلكها أي حزبٍ آخر، فمثلاً حزب الوحدة، هو الحزب الوحيد في العالم الذي لا يسعىٰ إلى استلام الحكم والسلطة ومقاليد الحكمدارية كهدفٍ استراتيجي له، فكل الأحزاب في العالم تضع استلام السطلة في قمة برامجها وأولوياتها السياسة وتسعى وتناضل من أجل استلام السلطة وتحقيق ذلك الهدف، إلا حزب الوحدة ، حيث لا يسعى ولا يملك مشروعاً من هذا النوع ، فجلّ نضاله وتحركاته محصور طولاْ وعرضاً بين إنشاء الفرق الغنائية والرياضية والمشاركة في المهرجانات والحفاظ على الطبيعة .
أما بالنسبة للتحالف بين الـ: " PYD " وحزب الوحدة ؟ أعتقد بأن هنالك مَنْ هو أكبر من الطرفين يقوم بجمعهما في خيمة وبوتقة واحدة وعلى طاولة واحدة، فكلما اقترب النظام السوري من المناطق الكوردية مثلاً كلما رأينا التعاضد والتكاتف يزداد يوماً بعد يوم بين الطرفين في هذا التحالف.
ــ هل الوحدة التي يطرحها حزب P Y Dمن فترة لأخرى تدخل في إطار الاتحاد الطوعي أم وحدته قائمة على إملاء شروطه على الآخرين؟
أولاً: بتصوري أن حزب الـ " PYD " هو آخر مَن يٓحق له التكلم عن الوحدة والاتحاد والمشاركة والمساهمة والتشاركية وما شابه ذلك، فهو الطرف الأساسي والمسؤول الوحيد عن انهيار كل الاتفاقيات الكوردية - الكوردية ( هولير واحد وهولير اثنان ودهوك ).
ثانياً: كيف يتكلم هذا الحزب عن الوحدة والتكاتف وترتيب البيت الداخلي الكوردي وسجونه مليئة بالمعتقلين السياسيين والمعارضين الكورد، فمع مَنْ يطلب هذا الحزب الوحدة ؟ أليس مع هؤلاء المعتقلين والنشطاء والمعارضين؟ فليُفرج عنهم في البداية وليُحاكم كل مَنَ أساء إلى الكرد والكردوارية، بعدها ليطرح هذا الحزب ما يريد من عمليات ومشاريع وحدوية.
ــ سؤال أخير منذ أيام كان هنالك تحرك دبلوماسي كردي من طرفي المعادلة أي الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي، هل من الممكن أن تدفع تلك اللقاءات في الغرب إلى التقارب بينهما، كما سيجري التقارب بين النظام وقوى المعارضة؟
ما لم تُترجم هذه الانتصارات العسكرية للـ " YPG " على الأرض إلى انتصارات سياسية ملموسة، وما لم يُترجم هذا النشاط والاستقبال السياسي للمجلس الوطني الكوردي على الصعيد الدولي إلى تكاملٍ واعترافٍ واضحٍ بدورهم كممثلٍ للشعب الكوردي في سوريا؟ لن نشهد أي تقارب بين الطرفين، والمفتاح الوحيد لبوابة التقارب الكوردي - الكوردي مرهون بقدوم البيشمركة إلى المناطق الكردية بسوريا، وتشكيل جيش كردي لحماية المناطق الكردية وتمتين الجبهة الداخلية بمؤازرة ودعمٍ دوليين، غير ذلك سيبقى الكردي مجرد سلاح مأجور ومقاتل تحت الطلب ينتهي دوره بانتهاء الحرب.