العراقي والسلطة الإدارية

محمد لفته محل
2017 / 2 / 23

النظام المؤسسي في الإدارة نظام معمول به في شتى الدول الحديثة ودخل للعرب مع الاحتكاك بالغرب عن طريق الاستعمار.أن هذا النظام الهرمي الذي جاء ألينا وكان من عوامل نجاح الغرب في إدارة مؤسساته يواجه عقبات ومعرقلات ثقافية عندنا في العراق،فالعراقي يكن عداء للسلطة ولأوامرها حين يكون تحتها خصوصاً إذا كانت من جهة غريبة غير قرابية، ونلاحظ هذا في الدوائر الحكومية، فهو أما يريد إظهار عدم خوفه من المدير واستخفافه به ومستعد لضربه إذا تسلط عليه (شحده ﯾﺤﭼﻲ وياي) أو يريد أن يتهاون معه وحده باسم النخوة أو الجيرة أو الصداقة أو القرابة حتى لو على حساب القانون والعمل، أو يتملق له للتهاون في تطبيق القانون والواجب. أما المدير الذي يكون صارما حدياً بالعمل فيسمى بأسماء وأوصاف سلبية (يضبّط، حقير، ما مصدگ نفسه، مؤمن بالقضية، ماخذ السالفة صدك) وكل من يدافع عنه أو يتقرب له يسمى (لوﮔﻲ=متملق، مستفيد منه، حاروﮔﮫ=جاسوس، بلبل=منافق) وحتى المتملق الحقيقي فإنه في دخيلة نفسه يكن للمدير الحقد والكراهية وينتهز أي فرصة ليأخذ منصب مديره، ويلجأ الموظف أما للحيلة والمجاملة مع المديرأو (اتقاء شره) بالابتعاد وعدم التعاون معه من أجل الوظيفة. فالعراقي يكره الأوامر حتى لو كان واجباً إلا تحت الإكراه والتهديد يطيع كارها، ومن دون سلطة عليه يجب أن تخاطبه عند الأمر بأدب مثل (بلا زحمة، بلا أمر عليك، الله لا يصغرك، من رخصتك)وإذا بادر العراقي بالقول من ذاته (أمرني أو تأمرني) يجب الرد عليه (ما يأمر عليك ظالم) وهنا اقتران الأمر بالظلم عند العراقي، واعتقد انه يعود لعصور الاستبداد السياسي التي مرت تاريخياً على المجتمع العراقي، جعلته يربط بين الأمر والزحمة والاستصغار، وهي علاوة على ذلك نزعة بدوية في رفض الانقياد إلى سلطة دنيوية غير مقدسة وغير دموية/قرابية، المبنية على سلطة القبيلة دون أن يتطور إلى الولاء والانتماء للأمة العراقية، وهذا له نتائج وخيمة على المؤسسات وبنية الدولة الحديثة حيث يكون الالتزام والطاعة رديف الظلم وقلة الكرامة، فيكون العناد والتحدي سبباً في الإخلال والتلكؤ بالمؤسسة وعدم كفائتها في خدمة الوطن والمواطن، وهذا الكره للمدير الملتزم لا يمكن أن ينجم عنه تعاون حقيقي في خدمة المؤسسة. المشكلة أن هذا الخلل لا يتوقف عند هذا الحد،فهذا العراقي الذي يكره السلطة حين يكون تحتها، يحبها ويجلها حين يكون على رأسها! فيتسلط على الآخرين مثلما كان الآخرين يتسلطون عليه، لان مفهوم السلطة عنده يساوي التسلط، والمدير يعرف أن موظفيه يكرهونه فيتسلط عليهم كي يطيعوه ولا يعصوه ويصبح مهاب.إن المسؤول ينظر لمنصبه على أنه امتياز أن يكون فوق غيره، فهو يجب أن لا يخضع للتفتيش أو للمسائلة لمن هم أدنى منه! ويجب أن لا يساوي موظفيه في مأكله أو مكتبه أو سيارته!وأن لا يتمازح معهم إلا قليلاً وربما لا يُسلّم عليهم إلا نادراً!،وإذا فعل عكس ذلك قالوا عنه البعض(ما عنده شخصية)! وكأن التكبر والتعالي من لوازم الإدارة. وهذا المتخيل الاجتماعي للمدير هو نتاج الثقافة الاجتماعية التي تعطي للكبير والمنصب درجة مع العلو تعود تاريخيا لأسباب إناسية حين كانت المناصب السياسية دينية لدى العراقي والإنسان بصورة عامة، ويساعد على هذا الأجراء إذا كان النظام السياسي مستبداً فيكون نموذجاً للمقهورين على من هم أدنى منهم انتهاء بالأسرة.وهناك عامل اجتماعي آخر على التسلط هو تسلط الجماعة على الفرد الغير شعوري والذي يمارسه الفرد بغير شعر منه. كل هذه الأسباب الاجتماعية والثقافية والسياسية تؤثر على موقف العراقي من السلطة أي كان نوعها، وتغيير هذه الظروف لكفيل بتغيير هذا الموقف والتصورات السلبية الموروثة تجاه السلطة، وهذا التغيير يجب أن ينقل العراقي من الانتماء والولاء إلى القبيلة إلى الولاء والانتماء للأمة عبر حكم عادل منصف يساوي بين الأفراد على اعتبار عراقيتهم فقط، ويوفر لهم حقوقهم الأساسية من حق العمل والأمن والحرية والتعبير والكرامة والاحترام الخ وتوفير الماء والكهرباء والمدارس والمستشفيات والشوارع والنظافة والمجاري الصحية ودعم المجتمع المدني في نشر مبدأ (المسؤولية الاجتماعية) للمواطن في بناء وطنه ومجتمعه وحرصه على الممتلكات العامة لهي الحد الأدنى لتغيير هذه الثقافة المضادة للسلطة.فإحساس العراقي بأنه محترم من أجهزة الأمن (سيطرات أو شرطة) والموظفين المدنيين وقانون يحمي حقوقه، وله مسؤولية وقيمة في رأيه وبناء وطنه (انتخابات نزيهة، جمعيات مدنية) سيكون له تأثير في تغيير أفكاره وتعاونه ويتخلى عن ممارسات كعدم الالتزام بإشارات المرور وعدم هدر الماء والكهرباء والتجاوز عليها (ﭼطل) والتهرب من دفع فواتيرها، عدم التجاوز على الممتلكات العامة الخ.
الشيء الآخر أن المسؤول ينظر لمنصبه كغنيمة فيستغل نفوذه لتحقيق مصالحه ويعمل على تقريب زمرة حوله من الفاسدين أو المتملقين أوالأقاربأو من حزبه يحيطهم به ليتقاسموا المغانم، ويدافعوا ويغطوا عن بعضهم البعض كالشبكة التي يربط بعضها بعضاً، ويضرب كل من يلعب بذيله خارج دائرته أو دون علمه باسم النزاهة طبعا، والموظفين يعلمون هذه التناقضات وينظرون باستهزاء وسخرية لكل حديث عن النزاهة ومحاربة الفاسدين ومن الطبيعي أن لا يتعاونون معه، هذا إذا لم يكونوا فاسدون مثله بمبرر (راس اﻠﺴﻤﭼﻪ خايسه) ويحاول المسؤول التشبث بمنصبه كأنه ملكه أو يحاول الاغتنام منه أكبر قدر ممكن إذا كان لابد من تركه. أن فساد المسؤول هو الخطوة الأولى للامعيارية التي يجسدها قول (راس اﻠﺴﻤﭼﻪ..).
فالمدير أما ينحاز لأفراد دائرته فيوصف (ابن أصول) أو يتصرف بمهنية فيوصف (كلب ابن كلب، ساقط، موخوش آدمي) أما إذا فسد المسؤول فهذا الفرد الذي قضى حياته تابعا للجماعة لا يملك إلا أن ينساق وراء النموذج الفاسد القدوة أو يصبح مترددا بين ضميره المعياري والوسط اللامعياري، يمنعه خوفه أو أخلاقه أو دينه ويدفعه التقليد أو الرغبة أو العوز. بتعبير آخر أن كون جماعة الوظيفة تبيح الفساد وتبرره (شعليه، مال عمك مايهمك، كل لشه تتعلك من كراعها) فإن الضمير الفردي سيكون ضعيفاً أمام الضمير الجماعي للوظيفة الذي يبيح ما هو مخالف للضمير الاجتماعي. أقول هذا الكلام لان الوظيفة تملك مقومات تكوين الجماعة لان الموظفين يتبادلون حضور المناسبات الحزينة والمفرحة (مآتم اعراس مرض) والعزائم والاتصالات الهاتفية،والفرد يتفاعل معها مثلما يتفاعل مع جماعته الدموية أو الاثنية. والموظفين يستعملون كلمة (جماعتنا) في مقابل الوزارات الأخرى (جماعتهم)، وقد شهدت شخصياً شجار بين منتسبين من وزارتين عسكرية أدت إلى هجوم جماعي للوزارة على منامات الوزارة الأخرى وضرب أي منتسب منهم وتكسير زجاج الشبابيك بالضبط مثل أي صراع عشائري. وهذه كلها تؤكد أن الوظيفة تؤسس لتكون جماعة أولية تدمج الفرد بها.
العقلية القبلية الدينية لازالت هي البناء الأساسي التي تحكم علاقاتنا في اي جماعة حتى في الوظيفة، التي يمكن إجمالها كالتالي:
1_رفع عقوبة قطع الراتب أو العزل للموظف يُعتبر اجتماعياً على أنه "قطع رزق"، أي أن الإجراء هو "ذنب" على المسؤول عن العقوبة، لاعتبارات دينية تحذر من (قطع الأعناق ولا قطع الارزاق). ما يشكل أداة ضغط نفسي واجتماعي على المسؤول كالخوف من الغضب الآلهي الذي يصيبه او يصيب أحد افراد اسرته أو لعنة (حوبة أو بخت الآخرين) أن ينزل عليه. ولهذا يسمى ايضا (كسران رﮔبه=رقبة) للتعبير عن تشابهه مع قطع العنق.
2_الإبلاغ عن الخطأ أو التقصير أو الفساد الوظيفي للمسؤول، يُوصف من الأقران بأوصاف سلبية (حاروكة=منافق، لوكي=متملق) وحتى المسؤول في قرارة نفسه يحتقر المُبلغ لقناعته إنما يقوم بذلك تملقا وليس التزاما، ولأنه بالنهاية من نفس البيئة الثقافية. وهذا الموقف نتاج ثقافة عشائرية ترى الرجولة بالمواجهة المباشرة بالقول والفعل، والكلام من وراء الظهر فعل النساء وحده ولا يليق بالرجل. ولأن القانون لم يحظى بحرمة الحرام الديني، مادام القانون تشريع دينيوي وليس تشريع إلهي، فانتهاكه لا يجلب الذنب ولا يقابل باللوم الاجتماعي. وهذا يشكل ضغط نفسي واجتماعي على الموظف الحريص الذي يخشى الاحتقار والنبذ من الآخرين.
3_الملتزم بالعمل يحاصر بأوصاف سلبية (يضّبط، مؤمن بالقضية، ما خذ السالفه صدك، قافل) أما الذي لا يفرق بالتعامل بين من يعرفهم شخصيا ولا يعرفهم من الموظفين ينعت ب(الحقير) وهنا العقلية القبلية ايضاً تتدخل لأنها ترفض السلطة الملزمة (ما خاف بس من الله)، وتتوقع التحيز القرابي أو التحيز بالممالحة (زاد وملح) بالعمل.
4_كبار السن يتضايقون من الواجبات إذا صدرت عن أقرانهم أو رؤسائهم الذين يصغرونهم سناً. التصرف واضح انه قائم احترام الاكبر سناً واعتبارهم مثل الأب، وهو نقل نظام الأسرة الى الوظيفة، حيث الاب او الاخ الاكبر له سلطة على من دونه سناً، للحفاظ على ميراث الجماعة وتوصيله للأجيال. ما يشكل عائقاً أمام المسؤول في تنظيم العمل.
5_المدراء يستنكفون من الخضوع للقانون الذي يطبقوه على من هم دونهم مرتبة وظيفية (عدم الخضوع للتفتيش، عدم ابراز باجاتهم التعريفيه، عدم قبول المحاسبة من أي جهة أدنى منه).
6_ان الموظف قد يتهاون مع الفساد إذا كان بعلمه، ويغضب أشد الغضب إذا اكتشف ان الفساد يمر من وراء ظهره عبر موقعه. أي أن هيبة القانون مقرونة بشخصه الذي يجب أن لا يغلب حتى لايكون مغفلا واضحوكة للغير، وهذا مبدأ الغلبة البدوي الساري في حياتنا.
فكيف نرسخ ثقافة الواجب بالوظيفة وهي موجودة في مجتمعنا في التقاليد مثل زيارة المريض وحضور العرس والمأتم وتحتاج أن تنتقل إلى الوظيفة، والواجب العرفي ليس قائما على الإكراه المباشر وإنما إكراه معنوي، يمارسه الناس على المتخلف عن الالتزام بالتقاليد ولا يؤدون تجاهه الواجب حين يستحق وينعت (مو ابن اصول) وبعكسه تكافئه الناس برد الواجب وتتحسن سمعته وتقول عنه (يعرف الاصول) وهذا ما يجعلنا نحب الالتزام بالواجب طوعا وليس إجبارا، ويحتاج جو الوظيفة إلى ذلك الإكراه والترغيب المعنوي من قبل أقرانه الموظفين حتى يكون تحت ضغط الجماعة فيصبح الفاسد معيوباً مقاطعا من أقرانه، والفرق بين الاكراهين أن الأول له حرمة ال(عيب) الاجتماعية، أما الوظيفة فليس لها هذه الحرمة فهي نتاج الحكومة وليس المجتمع وإن الالتزام بواجب العمل لا يلزم المدير برد هذا الالتزام مثل رد الواجب الاجتماعي، لان الوظيفة عادة ما يظلم الفساد أخيارها ويرفع فاسديها، فترى الموظف يردد عبارة (محد يكلك عفيه) لعلمه بعدم مكافئة الحريص على عمله فيتخذ مبدأ آخر (إشخط يومك) أي أكمله شكلياً فقط أو (هي خربانة) التعبير الآخر للامعيارية. ويكون الفاسد سوياً غير معيوب ولا مقاطع وأكثر ما يوصف بأنه (حوت، تمساح، يشتغل) وهي أوصاف غير جارحة وفيها تورية وليست صريحة. بتعبير آخر كون فساد الحكومة وعدم تحقيق حاجات المواطن الأساسية والثانوية لم تستطيع الحكومة أن تحضى بحرمة اجتماعية مثل النواهي الاجتماعية الأخرى.