الماركسية و-تشريح العقل الرعوى--5-

محمود محمد ياسين
2017 / 2 / 23

من أهم ما توصلنا له فى الحلقات السابقة فى نقد (نقد العقل الرعوى) هو:

* إعتماد نقد العقل الرعوى على بحث غير علمى، أطروحة " تشريح العقل الرعوى"، ليصل إلى أن إنتكاسات جهود التغيير الإجتماعى تعود الى سيادة "العقل الرعوى".
* تجاهله الإضافة العلمية لعلم الإجتماع ممثلة فى المادية التاريخية والحكم على نهايتها بلا دليل ولا برهان.
* الإستخفاف بالنظريات العلمية فى علم الإجتماع ومغزاها التاريخى.
* إعتبار أن الساحة السودانية لا يوجد فيها غير الغوغائية التى يريد نقد العقل الرعوى ملئها بافكار من الماضى البعيد يستدعيها من القرن الرابع عشر، من إبن خلدون؛ فالتارخ ينتظر العقل الغير رعوى لحل إشكالات هذه القطيعة.
* تسفيه العمل السياسى والإبتذال فى الحط من دور الجماهير فى التغيير.

وفى هذه الحلقة سنتناول الأساس النظرى الذى قامت عليه الأطروحة؛ فإن الضعف البائن فيما يتعلق بإفتراضاتها وبنتائجها، كما هو مذكور أعلاه، التى لا يدعمها أى دليل إحصائى أو تحقق إمبريقى جاء نتيجة أنها وليدة لصيغة بالية من المثالية وهى المثالية الذاتية. ونعنى أن منبع نقائص الأطروحة هو أساسها النظرى. وقبل أن نقدم شرحاً لمثالية الأطروحة، ربما يكون من المناسب التنويه الى أن المثالية الفلسفية كأى أفكار أخرى ليست عيباً، فأفكار الانسان يحددها الوجود الإجتماعى؛ ولكن العيب هو التلفيق فى الحقائق والهجوم الشخصى بدلاً عن التركيز على الأفكار.

والمثالية الذاتية عند دراسة حقائق الظواهر الإجتماعية لاتنطلق من معطيات الواقع ولهذا فإنها تلجأ لإختراع النظريات العامة العقيمة. فاطروحة " تشريح العقل الرعوى" إدعت التوصل الى تصنيف الأحداث الكبرى فى التاريخ وعهوده المختلفة بإستخدام مصطلح "العقل الرعوى" المبهم الذى استخدمته لتصويب النقد فى جميع الإتجاهات ولم يسلم من نقده لا الحكام ولا المحكومين. وتم هذا بقطيعة تامة مع الدراسات الكثيرة التى تبحث فى تفسير الظواهر الإجتماعية بفحص العوامل المتعددة التى تشكلها؛ وعليه وقع نقد العقل الرعوى فى تبسيط أدى به لأن يصف هبات قام بها الناس لدرء ظلم ما وتحقيق العدالة بانها حركات متخلفة ضد الحداثة محركها "العقل الرعوى" كالثورة المهدوية فى نهايات القرن التاسع عشر فى السودان.

إن مثالية أطروحة "تشريح العقل الرعوى" تكمن فى إختيار مفهوم العقل وإعطائه الأولوية فى نقد الظواهر الإجتماعية. والأطروحة جانبها التوفيق ليس لأن مصطلح " العقل الرعوى" لا تاريخى؛ هذا جزء بسيط من الحقيقة. فالعقل يخضع لتاريخية مختلفة يستمدها من حقيقة أنه نتاج للمادة، التى تسبقه فى الوجود دنيوياً (temporally)، والمادة ليست نتاجاً للعقل. كما أن العقل ليس انعكاس الواقع على الدماغ، بل أن العقل نفسه حقيقة واقعية (real) ولكنه ليس مادة بالشكل المألوف. العقل مادة سمتها أنها تفكر. وبما أنه نتاج للمادة فتطوره يرتبط إرتباطاً عضوياً بها. وكذلك لأن العقل مادة تتفرد بمقدرتها على التفكير فإن إرتباطه بالواقع المادى يسير فى علاقة جدلية؛ فالعقل المفكر يغير الواقع ولكن فى حدود المعطيات الواقعية للحياة. وهنا نصل للنقطة المهمة وهى أن تاريخية العقل تتارجح بين تفسير فلسفتين متعارضتين: المادية والمثالية. فالمادية تعطى الأولية فى تحديد مسيرة التاريخ للواقع المادى (النظام الإجتماعى الإقتصادى) كمسألة مفروغ منها بحكم أن المادة منتجة للعقل، فى حين قلبت المثالية الواقع وقدمت الفكر على الوجود.

إن مثالية أطروحة "تشريح العقل الرعوى" تتضح من قول صاحبها إن ” السودان لا يزال في مرحلة القبلية تتحكم في مجريات أموره بنية العقل الرعوي. فالدولة الحديثة في السودان، لم تقم بعد. وهي لن تقوم إلا بعد أن ننجح في تفكيك وإزالة بنية العقل الرعوي التي لا تزال ممسكة لدينا بخناق كل شيء.“
وهكذا أعطت الأطروحة الاولوية للعامل الثقافى بإعلائها للعقل على السياق الإجتماعى/الإقتصادى الذى يحدد فى التحليل النهائى أفكار الناس. فأفكار الناس ليس لها تاريخ مستقل فهى مقرونة بنشاط الناس المادى ولا يمكن أن تتطور بمعزل عن فعل البشر الذين تتكيف حياتهم بمستوى تطور قواهم المنتجة تطوراً معيناً وبتفاعلهم مع هذا الواقع، أى أن الوعى هو الوجود المُدْرك؛ والوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي، وليس الوعي الاجتماعي هو الذي يحدد الوجود الاجتماعي.

إن مصطلح "العقل الرعوى" ليس علمى، تحديداً لأنه يمثل تلك الحالة من التفكير اللانقدى الإنطباعى الذى ينطلق بتقدير ذاتى من إنتقاء بعض العلاقات الموجودة على سطح الظاهرات الإجتماعية المراد دراستها، ويبقيها فى حيز التأمل الذهنى الخالص بإنعزال تام عن معطيات الواقع وأسلوب إنتاج الحياة المادية التى يتمحور حولها نشاط الناس عبر التاريخ؛ وهكذا تكون النتيجة إنتاج أفكار ليس مستمدة من طرح الاسئلة الصحيحة النابعة من صميم الواقع بل مبنية على الأوهام الذاتية حول مسببات التغيير. إن مصطلح "العقل الرعوى" كمفهوم مجرد وضع أو تم إختراعه بمعزل عن التاريخ الفعلى ( كأن له تاريخ مستقل) لا يملك بحد ذاته أية قيمة على الإطلاق ولا يصلح لإعطاء أساس نظرى يساعد على تصنيف الحقب التاريخية فى إطاره.

وفى هذا الخصوص فإن مشكلة فكرة " نقد العقل"، الذى وجدت اهتماما بها وسط بعض المفكرين العرب، هى الإطار الفلسفى المثالى الذى ترتكز عليه. ومن الأمثلة الساطعة فى هذا المجال هو مشروع " نقد العقل العربى" لمحمد عابد الجابرى. فمنطلق الجابرى مثالى حيث يعتبر ان نقد العقل هو الأساس الأولى لكل مشروع نهضوى وليس نقد الواقع الإجتماعى-الإقتصادى العربى بغرض تغييره نحو علاقات إنتاج جديدة تفتح الطريق لتحقيق النهضة الإقتصادية والإجتماعية والثقافية. ولكن الجابرى كمثالى أكثر علماً ودُربة وذكاء إذ يعطى لبعض مقولاته مظهراً مادياً بالأتيان بها فى سياق الوقائع الإجتماعية الإقتصادية. ويبقى الجابرى مثالياً رغم ما يزين به انتاجه الفكري من رؤى علمية مادية نابعة من وطنيته ورغبته في التغيير، وهو يلجأ الى الاحابيل لاخفاء مثاليته واظهارها بمظهر واقعي والتظاهر بالمادية على مستوى الاسئلة والالتزام بالمثالية على مستوى الاجابات والحلول.*

إن تاريخ تطور المجتمعات لم يحدث نتيجة لنقد العقل (لذاته)، بل ظل يحدده الصراع بين طبقة مهيمنة وأخرى صاعدة تسعى للتغيير بما يخدم مصلحتها عبر نقد الواقع الإقتصادى والأنساق الثقافية التى تكرسه. فالثورة البرجوازية لم تكن ضد العقل الإقطاعى بل لإزاحة علاقات الانتاج الممثلة فى (النبلاء مقابل الأقنان)، والثورة الروسية فى 1917 لم تكن نقداً لعقل القيصرية بل لتحقيق الإشتراكية بالقضاء على نظام الإنتاج السلعى ومخلفات الإقطاعية.

• راجع " هشام غصيب- هل هناك عقل عربي؟ قراءة نقدية لمشروع محمد عابد الجابرى."- المؤسسة العربية للدراسات و النشر-1993
نواصل فى الحلقة السادسة