صوت المقدس

سامي عبد العال
2017 / 2 / 21

جرت التقاليد اللغوية أنه عندما نعبر عن شيءٍ ما تحمل التعبيرات موضوعها حياً. تنقله من شخصٍ إلى آخر كأنه معبَّأ بأنفاس ساخنة هي "الحضور الحي" وفقاً لجاك دريدا. لدرجة الاعتقاد بأن النصوص الدينية حيث لا يتلقاها مُريدٌ عن شيخ لا قيمة لها. وأنه شرط لتعلم الدين ضرورة وجود شيخ لكل متعلم، بل لكل مواطن. وهذا سبب كاف لتنصيب الفقهاء أنفسهم رموزاً للتحدث في كافة القضايا. وربما هو ذاته السبب وراء كثرة أدعياء للتدين طالما يحفظون أحاديث ونصوصاً. وكانت الأثار الجانبية أيضاً تضخم الخطابة واللحن في الكلام الديني سواء بالخُطب المنبرية والإلقاء أو بقراءات النص المقدس(القرآن). وظهور طبقات من القراء لهم أساليبهم وطرائق اِسماعِهم وحفظهم ونطقهم للآيات.
وبناء عليه انتشرت الثنائيات الشفاهية في الثقافة العربية بتباين مجالاتها. مثل الكلام الصمت، الكلام الكتابة، الحقيقية الكذب، اليقين الزيف، الحضور الغياب، الفرع الأصل، القارئ المستمع. إنها تاريخ الاستقطاب العنيف بين سلطة الصوت المتعالي والآذان الخانعة. حيث غطى مساحات شاسعة من السياسة والحروب والمجتمعات والأفعال العامة. فليس الصوت كصوت المسيح الصارخ في البرية. لكنه صوت يحمل اكراهاته الخاصة. بفضل كونه قد تشكل في أنظمة مادية.
وبات مما لا يستغنى عنه لصحة الاعتقاد: هذا التلقي المباشر من سالفٍ إلى تابع. بصرف النظر عن المراجعة والنقد والاختلاف الجذري. وتكاد الخلفية تحمل جوهر معارف الدين وكيف تواصل مسيرتها عبر التاريخ. وفي حالة غياب أطرافها سرعان ما تخلق العملية أطرافاً بنفس الزخم. حيث لحقت تلك السمات بمفاهيم العقلانية والحقيقة والبرهان والجدل والحوار والكتابة إجمالاً.
هذا ما يتركه المقدس عادةً حينما يفرخ ظلالاً له. والتفريخ يلتحم بإنتاج اللغة لذاتها كوسيط غير مباشر وكوجود شاحن للذهنيات عبر التفكر والتواصل. إن ما يفعله المقدس هو التالي: يترك جيناته في تضاعيف المقولات والتعبيرات المتداولة. إذ قد لا يُلتفت إلى ماهيته في غيره من الأشكال. وبذات الوقت هو يعبر عما سيأتي تالياً. والاتيان – بواسطة التصورات- له وجهان. أحدهما اعادة تكوين المفاهيم على غراره بطريقة غير مباشرة. أما الوجه الآخر فيصعب التخلص من آثاره بسهولة. ولذلك يحتاج إلى وعي متواصل بما يتركه.
وعملية الحضور السابقة تجري باعتقاد أن المعاني واحدة. وأنها تحمل ايقاع التفكير الأصلي حول قضية ما. وليست الفكرة وراء ذلك ضرباً من المصادفة لكنها تخترق كافة الخطابات الدينية والبلاغية والأدبية والفكرية. هذا السبق المرجعي لنقل الحقيقة كما هي موصولة اليقين المباشر. لتغدو الأولوية لسلطة الحقيقة. بينما هي في مضمونها معكوسة". أي هي تمثل حقيقية السلطة الرائجة. وأن كل ضرب منها إنما هو الموت الفعلي للبحث عنها. فالحقيقة عندئذ جثة مقدمة سلفاً. أنها لا تخضع لعمليات الغربلة والانكشاف. لكنها جاهزة. وليس لمتلقٍ أن يعترض ولا أن يُعمِل فكره بل يأخذها كما هي إلى نهاية المدى.
إذ يتعلق بذهنية المتلقي (القارئ) أنه طالما يتلو – هذا النحت العربي- حروفاً فإنه يتلو معها انفاساً دلالية من مصدر أعلى. ولا يستطيع ايقافاً للمعنى أو مراجعة له. فعلية أن يتقبلها على نحو سلبي. في السياسة والاجتماع والمعرفة. ليصبح القرَّاء قطعاً خشبية لا حول لهم غير السمع والطاعة. تلك النظرية التي كانت بمثابة الأمر الأول للسلطة باسم المقدس. "اسمعوا وعوا واطيعوا"...مقولة كانت عصا الإيمان بالغيبيات المطلقة. حيث تهوي على رأس المتلقي فيخضع دون حراك. ومع اعتبار الكلام كلاماً بشرياً فوق المنابر وفي المحافل ومع الوعظ والارشاد. لكنها آلية خضعت لها الطوائف والمذاهب الدينية في جغرافيا العالم الاسلامي.
وهذا ما جعل المناخ الفكري لدينا ملبداً بالتقليد والاحتذاء. من جيل إلى جيل ومن طائفة إلى طائفة ومن جماعة إلى جماعة ومن تنظيم إلى تنظيم ومن مذهب إلى مذهب ومن فقهاء إلى فقهاء ومن أفراد إلى أفراد على التوالي. نفس العبارات كما يرددها الشيوخ يرددها الأدباء والباحثون والكتاب. هم على تباين أفكارهم يعتبرون اللغة هبة ميتافيزيقية metaphysical gift خارج قدرة الإنسان على انتاج الدلالة.
في الثقافة الإسلامية رسَّخ مفهوم الوحي هكذا نموذجاً لغوياً فكرياً بعينه. حتى كانت تجربته الأصلية فوق مستوى الحس البشري. ولم تتلاش بسهولة كما سيحدث مع تجارب أدبية ابداعية خطها- على سبيل المثال- الجاحظ وأبو العلاء المعري وابن المقفع. هؤلاء اهملت نصوصهم لصالح ما قالوه هنا أو هناك بشأن قضايا الاعتزال والدين والزهد. إن تجربة الوحي وضعت محتويات اللغة العربية في سلة التعبير المباشر عن الفكر. كأن المعنى هو الأساس وليس اللفظ. أقرب النتائج الخطيرة: هو مصادرة القراءة المبتكرة لأي موضوع فكري. والتحام النصوص بالمقدسات على أنها الخميرة الإلهية المنتشرة في كافة الدقيق. فجاءت الألفاظ المعبرة عن التقديس، التأليه، التبجيل بمثابة الخلفية المؤسسة لمفاهيم اللغة. والدليل على هذا تلك الألفاظ المرسومة في بداية النصوص ومقدمات الرسائل ومفتتح الخطابات العامة. ألفاظ تتعلق بالحمد للخالق والثناء على الحكام والأسلاف والأولياء(الخلط بين التوحيد والوثنية). حتى وإن كان الموضوع المتحدث عنه علمياً صرفاً كالطب والهندسة وكتب الأعشاب النباتية والجغرافيا والهندسة. وهذا يفترض الوقوف عند الحدود القصوى لنهايات التفكير للإمساك بكيفية نفاذ المعاني هنا أو هناك.
ولم نذهب بعيداً ففي كتابه" فقه اللغة وسر العربية" يقول أبو منصور الثعالبي الملقب بإمام اللغة: "من أحب الله تعالى أحب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، ومن أحبَّ الرسول العربي أحبَّ العرب، ومن أحبَّ العرب أحبَّ العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبَّ العربية عُنيَ بها، وثابر عليها، وصرف همَّته إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وآتاه حسن سريرة فيه، اعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقُه في الدين وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل، والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب، كالينبوع للماء والزند للنار. ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها والوقوف على مجاريها ومصارفها والتبحر في جلائها ودقائقها، إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة، لبتي هي عمدة الإيمان، لكفى بهما فضلا يَحْسُنُ فيهما أثره، ويطيب في الدارين ثمره، فكيف وأيسر ما خصَّها الله عزَّ وجلَّ به من ضروب الممادح يُكِلُّ أقلام الكتبة ويتعب أنامل الحسبة".
أولا: يتحدث الثعالبي -كما لا يُفترض- بمنطق الفقهاء عن اللغة. ومماثلة كتابه بالفقه لا يختلف عما ينذره رجال الدين من نصوص لخدمة أهدافهم. فاللغة هي اللغة لا تعبأ بالقداسة لكونها قابلة للتداول. حتى وإن كانت مقدسة الأصل –على حد الاعتبار المشار إليه- فإنها ستقطع الحبل السري بالمصدر.
ثانياً: لم يبدأ الثعالبي بنظام اللغة. لكنه وضعها عل ى طريق المقدس مباشرة. فالحب هو المؤدي إليه. ومن ثم سيؤدي إليها في نهاية المطاف. والحب هو الرابط بين الله واللغة مروراً بالرسول والرسالة. والأسئلة هنا: هل الملحدون لا علاقة لهم باللغة العربية ولا بأسرارها؟! هل لا يتقنونها فكاً وابداعاً؟ الغريب أن الثقافة الاسلامية قد اسهم فيها من لم يؤمنوا بالإسلام أصلاً كالمسيحيين واليهود وأصحاب الديانات الوضعية. يبدو كلام الثعالبي عنيفاً إلى أبعد درجة.
ثالثاً: اللغة ظاهرة هامشية على جسم المقدس. هي مجرد زائدة عن الحاجة. وكونها مرتبطة بكلمة فقه فلا تختلف عما يعتري المقس من أعراض جانبية لنسغ أساسي يمتد نحو السماء. وعلى التوالي: الله – الرسول- العرب- القرآن العربي- اللغة العربية. وكأن اللغة كظاهرة إنسانية توقيفية بالتراتب الديني الثقافي التاريخي. وهذا التسلسل الأنطوثيولوجيonto-theology باصطلاح هيدجر عن الميتافيزيقا الغربية.
رابعاً: اللغة معبرة عن تراتب لاهوتي عرقي أيضاً. حيث أن إله المسلمين أعلى من جميع الأشكال الأخرى من الإله. وهكذا كتاب القرآن أفضل الكتب السماوية. وأمة العرب أفضل الأمم وأعلاهم كعباً وسبقاً. وأنها الأمة المختارة من قبل الله لتكن خير أمة أخرجت للناس. وإذا كان القرآن عربياً فالعربية(الحرف والجينات والمعجم) خارج المقارنة مع اللغات الأخرى. إنها حروف تساوي بل تختلط بالجينات. هندسة اللغة العربية هي الهندسة الجينية للعرب.
خامساً: يتحدث الثعالبي عن اللغة بنبرة أخلاقية. فاللغة العربية – من وجهة نظره- خير اللغات. واللسان العربي نطقاً أفضل الألسن. وهذه النبرة ليس لها علاقة باللغة كنظام للدلالة. فهل هي استوعبت التجارب الإنسانية بشكل دال أم لا؟ كيف أحدثت تطوراً في التفكير؟ وهل اللغة قادرة على مواكبة التغيرات الجارية أم غير ذلك؟ تلك أسئلة لا يتطرق إليها الثعالبي إلا شذراً. حاملاً إياها على الامتياز اللغوي للغة لا تأخذ مكانتها إلا بحسب معايير مغايرة تماماً.
سادساً: اعتبر الثعالب اللغة خادمة للدين. لأنها أقرب للإيمان وزيادة اليقين بالإسلام. والمدهش في هذا الكلام هو تحويل اللغة من دلالات إلى أيديولوجيا قح. وبالتالي تصبح اللغة العربية سوقاً لأغراض المقدس بجميع أنماطه. وهذا وراء جعل اللغة لاهوتاً معجمياً ويصعب عليها أن تتطور معي الاتجاهات المعاصرة. لا لشيء وإلاّ لأنها تحتفظ بقداسة(مناعة) ذاتيه ضد تحولات المعرفة.
أصبح صراع المقدس داخل اللغة مع كل النقائض التي يخشاها. يوضح ابن تيمية جذر المسألة: ما زال السلف يكرهون تغييرَ شعائرِ العربِ حتى في المعاملات ، وهو التكلُّم بغير العربية إلاّ لحاجة، كما نصَّ على ذلك مالك والشافعي وأحمد، بل قال مالك : مَنْ تكلّم في مسجدنا بغير العربية أُخرِجَ منه. مع أنّ سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن سوغوها للحاجة، وكرهوها لغير الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام.
إذن ليست اللغة لغة في نهاية الأمر بل حافظة، ناقلة خارج التاريخ بانفجار التاريخ. وأن طريقاً لاعتبار الدين متفرداً مع نفسه إنما تغدو اللغة قوالب مصوغة سلفاً قبل خلفٍ. وأن هؤلاء المؤيدين لشعائر العرب هم أنفسهم المؤيدون للتصديق على شعائر الدين. وكأن المطابقة- هوياً- بين الدين واللغة مسألة اعتقاد صارم. وينبغي علينا في عملية التعبير تتبع هذه الآثار غير اللغوية حتى نفهم أهميتها. يحدد ابن تيميه أيضاً: وليس أثر اعتياد اللغة الفصحى مقصوراً على اللسان، بل يتعمق حتى يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قوياً بيِّناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق. بالتأكيد لا يقصد اللغة لذاتها إنما يخاطب الهوية العميقة من خلال الوحدة الأولى بين اللفظ والمقدس.
أنه التصور اللاهوتي للغة. فلن تكون ظاهرة مستقلة بحال. ترتهن ببداية مطلقة، نقطة لا سابق لها بتاتاً. فهي لغة السماء وأيضاً لغة الامتياز الحضوري للمعاني الإلهة. ولهذا يراها الفارابي- بتعميد فلسفي- لغة الأخرة: بأنها من كلام أهل الجنّة، وهو المنزّه بين الألسنة من كل نقيصة، والمعلّى من كل خسيسة، ولسان العرب أوسط الألسنة مذهباً وأكثرها ألفاظاً.
هكذا يربطها الفارابي بغاية أخروية. وكأنه يقول إن الامتياز العرقي الذي يميزها سيستمر إلى كل غاية قصوى. وأنها فوق ذلك تمثل ظاهرة مؤقتة، عابرة كحال الدنيا. وكلامه – الذي يفترض أن يكون فلسفياً- إنما هو دجما دينية. وبفضل أسبقية المقدس فإن نقط التبادل هنا بين الفلسفي والديني تتم ببلاغة الايمان. ولهذا فإن جميع الجوانب الفلسفية لخطابات المفكرين العرب تغرق في مرحلة أو أخرى داخل الدين. إن غياب التفلسف في الثقافة العربية بمعناه الحقيقي يرجع إلى انعدام الوعي بالمقدس وآثاره. وه انعدام بمفهوم الايمان الديني المطلق الذي يحجب أي شيء سواه حتى انكاره. وأن نقد آثاره في غير موضعها لن تتم بشكل كامل.
هنا اللغة ستكمل مسيرتها رغم التحامها بأصداء المقدس. فهل حضوره الحي سيواصل دفقاته؟ اللغة تنطوي على تناقض داخلي. ستغيب ما يظن الناس حضوره. هي في ذات الأن الذي تسمح بالتقاط أنفاسه تخضعه لقوانينها. إنها تؤرخه كحادثة تتعدد، تختلف، تتمزق، تتأول، تتشذر، تتناثر. وعلى المدى البعيد تشكل اللغة الغسق، إنها خارقة المفاجئة إلى حد الإذهال. كيف سيظل المقدس مقدساً رغم تقطيع أوصال المعنى؟ فليس ما أفهمه هو نفسه ما يفهمه سواي. وليس ما نفهمه سوياً عين ما يفهمه الآخرون!!
إنَّ الألفاظ أجداث تحتاج إلى تنقيب في حواشيها باستمرار. هي تتطلب بعثاً جديداً كلما تسرطنت بالدجمائيات. وبمقدار تعدد جوانبها بمقدار ما تعتبر لغة. ويستحيل أن يستقر ما يوضع فيها بشكل ثابت. لأنها تنطوي على تبذير لا نهائي لكل احتياطيها من القداسة. هي قريبة الجذر من اللغو. بل تظل مفتوحة ليلاً ونهاراً على الترحال، الضياع، التشتت. وهذه شروط ماهوية تحدد جميع أبنيتها ووحداتها. اللغة مسكونة بالبلبلة، ليس لأن الرب قد بلبل الألسن. لكن لكون الإنسان فيضاً لا يتوقف من الاعتبارات والصور والأحكام والمعارف.