الدوافع الاجتماعية للملحدين بالعراق

محمد لفته محل
2017 / 2 / 20

حين يتعرض مجتمع لأزمات كالحروب أو الحصار أو الكوارث يجري تغيير اجتماعي بسرعة غير متوقعة يؤدي إلى تفكك علاقات الجماعات وتختل المعايير الاجتماعية السائدة والأفكار المتوارثة، تؤثر على المؤسسات البنيوية في المجتمع، فتخلق مشاكل وتناقضات نتيجة لعدم الاستعداد لمواكبة التحولات السريعة الأمر الذي يوفر عوامل التصادم وعدم التجانس واختلال التوازن في المواقف والسلوكيات كانعكاسات لتلك التحولات(1). ويحتد صراع المعايير عادة في المجتمعات التي تخضع عملياتها الثقافية إلى تدخل مباشر أو غير مباشر من قبل ثقافات أخرى عند وقوع الأزمات والحروب، لان هذه المجتمعات مهيأة لنشوء ثقافات متعارضة ومتناقضة داخل بنيتها الثقافية، أوإلى حدوث فجوات ثقافية داخل نمطها الثقافي الرئيسي فتكون ارضاً صالحة لنشوء ثقافات فرعية تحمل معايير مغايرة من معايير الثقافات الأصلية والى صراع المعايير داخل شخصيات الأفراد(2). والعراق تعرض لحروب وحصار اقتصادي (13سنة) ثم احتلال ومن بعدها حرب أهلية طائفية استمرت لعامين رافقه فجأة انفتاح وسائل الاتصال من ستالايت وانترنيت أدى إلى خلخلة في المعايير والقيم لدى الشباب ظهرت آثاره الاجتماعية في سلوك الأفراد وتفكيرهم بشكل موضات وحركات مثل الأيمو والراب والمثلية والإلحاد والرابطات المتطرفه دينياً الخ، يقول الدكتور قاسم حسين صالح (حين يمر المجتمع بأزمة حادة لابد أن تفرز ظاهرة سلبية يكون الشباب أكثر الفئات الاجتماعية تجسيدا لها) والمشكلة ليست في حصول هذه الظواهر بل في طرائق التعامل معها(3). ومن هذه الظواهر هي الإلحاد بين بعض الشباب، والملاحظ في الملحدين العراقيين الشباب أن ألحادهم جزء من فترة الحماسة والاندفاع في فترة المراهقة يعبر عنه بالتجديف والسخرية من الأديان الأخرى أو المقارنة الخاطئة بين العلم والدين، واقتباس معظم كلامهم من مواقع الانترنيت. لهذا سميت هذا (الإلحاد المراهق) والترابط بين الالحاد وصغر السن يؤيده الباحث (عبد الصمد الديالمي)(4) وهناك الحاد آخر يصيب مختلف الفئات العمرية أسميته (الإلحاد الانفعالي) الذي مصدره الأوضاع السياسية الطائفية للإسلام السياسي بالعراق ونسبته اقل حدوثاً كون الكبار لايتأثرون بسرعة مثل الشباب، رغم ان الالحاد يبقى ضعيف الانتشار في المجتمع العربي.(5) وموضوع المقال هو إثبات فرضية أن هذا الإلحاد له أسباب انفعالية اجتماعية وليست معرفية كرد فعل على الإسلام السياسي وأجنحته المسلحة التي اضطهدت الشباب،(6) التي وجدت في مواقع الانترنيت حاضنة وتعبيراً له بديل عن الواقع، فكان إلحاده وجه آخر للإيمان المضاد!. فمحور كلامي سينصب على الملحدين وليس الإلحاد. وهي مناسبة لنقد علماني للملحدين بعدما احتكر هذا النقد رجال الدين حصرا من مواقع ايديولوجية الغت اي قيمة لهذا النقد.
ينتقد الملحدين العراقيون المتدين المسلم، كون إيمانه بدون دليل، ولهذا يؤمن المسلم بالأوهام والخرافات، فهل الملحد حقاً ملتزم بالدليل في كل شيء لايحيد عنه ولا يخضع لقاعدة الإيمان الأعمى؟ فالنناقش أطروحات الملحد ثم نحكم عليه. يتمسك الملحد بالعلم والعقل والحرية والإنسانية كعناوين يجب على كل "عاقل" و"سوي" أن يؤمن بها كي لا يكون جاهلا. نأتي أولا إلى العلم، هذا الذي جعله الملحدون إمامهم وأساس كل معرفة واعتقاد، وراحوا ينفون باسمه معتقدات الدين، وأنا اسأل الملحد لماذا تعمل الخير؟ هل لمجرد أنك تعتقد بالإنسانية أو تشعر بالراحة أو اللذة من جراء ذلك العمل؟ والمقابل غير ملزم برد هذا الجميل؟ وهذه الحجتين أوهام في منظور العلم كما يفهمه الملحد؟ إذ أن اللذة والاعتقاد بالإنسانية مشاعر نسبية ذاتية وليس لهما وجود موضوعي، ولا تختلف عن الإيمان في شيء لان كليهما ينبع من العاطفة. وأسأل الملحد لماذا تحب الفن والأدب وتتأثر بهما؟ وهما ليس إلا أوهام لا تختلف عن أوهام الدين؟ وما الذي يجعلنا نحب الوطن وهو قطعة ارض كبقية أراضي العالم؟ وما الذي يجعلنا نحب العَلم وهو قطعة قماش ملونة لا أكثر ولا اقل من منظور العلم؟ ونستطيعأن ندخل في قائمة الأوهام أشياء كثيرة أخرى بحيث أن الحياة نفسها تغدوا وهما لا يستحق العيش؟ إذ لا معنى لأن نولد وأن نموت كما يقول (سارتر)؟ عندها يكون الانتحار العمل "العلمي" الوحيد الصحيح!! فلماذا لا ينتحر الملحدون؟ هذه النتيجة المتشائمة ناشئة من خطأ فهم الملحدين للعلم الطبيعي الذي يعتمد على التجربة والأشياء القابلة للاختبار فقط، والعلم لا رأي له بقضايا الميتافيزيقا، لأنها قضايا تخص الفلسفة وليس له موقف من القيم لان ليس للعلم أيديولوجيا تحارب الأديان، ولا يعد الإنسان بمستقبل كالجنة إن هم التزموا به، ولا يحلّل ولا يحرّم العلم، إن العلم ليس غاية إنما هو وسيلة الإنسان للسيطرة على الطبيعة والإنسان، فهو يستخدم في الإضرار بالطبيعة والإنسان (الطاقة غير النظيفة والنفايات النووية والأسلحة الجرثومية والكيميائية والنارية الإشعاعات المضرة) ويستخدم في حمايتهما كذلك (الأدوية، خلق بيئة نظيفة، تحقيق وسائل الراحة). فالعلم يعتمد على استعماله، وليس لان له أيديولوجيا. بينما الملحدين جعلوه غاية للإنسان يحقق لهم الجنة، وهذه بحد ذاتها فكرة دينية. إن الذي يمنح العلم والوطن والخير والفن قيمتها هو العاطفة وهي قضية لا علاقة له بالعلم أو بالعقل بالمرة والعاطفة أساس الإيمان. فالمناسبات الرسمية والأعياد الوطنية سماها علماء الاجتماع (الأديان المدنية) وقارن (دوركايم) بين الطوطم والعَلم ورأى روابط مشتركة بينهما، لان كلاهما يمثل رمز القبيلة/الوطن، بل أن مفهوم الطاقة العلمي مقارب لمفهوم المانا عند البدائيين. يقول الدكتور (علي الوردي) (كان دعاة العقائد قديماً يستعملون الأدعية والصلوات والشعائر الدينية لترسيخ العقيدة في عقول أتباعهم. أما دعاة العقائد في هذا الزمن فهم يستخدمون الهتافات والتظاهرات والمواكب والمهرجانات. وسواء أكانت هذه أو تلك، فإنها من طبيعة واحدة وذات تأثير متشابه. طبيعة هذه الأعمال الاجتماعية أنها تؤثر في الذهن تأثيراً لا شعورياً عميقاً. فالإنسان حين يشترك فيها يشعر بحرارة العاطفة تسري في أغوار نفسه. وكلما اشتدت الهتافات حول فكرة معينة وتكررت فيها خيل إلى الانسان أن تلك الفكرة اصبحت حقيقة ملموسة يصعب الشك فيها وهو يكاد رأى العين)(7) وهذا ما حمل مؤرخ الأديان (مرسيا الياد) إلى القول (الإنسان العادي لا يزال يحتفظ إن أحب وإن كره، ببقايا سلوك الإنسان الديني ولكن بعد تجريدها عن دلالاتها الدينية. وهو مهما صنع، فإنه وريث الإنسان الديني)(وإن جل الذين "لا دين لهم" ما زالوا يسلكون سلوكا دينياً على غير وعي منهم)(لايزال "الإنسان الحديث" يتصرف بأسطورية كاملة مموّهة وهو يملك شعائريات منحطة كثيرة. إن البهجة التي تصحب (السنة الجديدة) أو (بمناسبة الأعياد والأفراح التي تواكب الزواج أو ولادة طفل أو نوال وظيفة جديدة أو شهرة اجتماعية، إلخ)و(إن السينما وهي "مصنع الأحلام" تستأنف، وتستخدم، صيغا أسطورية لا حصر لها: الصراع بين (البطل) و(الوحش))(8)(كذلك في حركات تسمي نفسها تسمية صريحة باسم علمانية، بل مضادة للدين. وعلى هذا النحو، نلفى في مذهب العري أو في الحركات القائلة بالحرية الجنسية المطلقة، وهي عقائديات يمكن أن نستشف عبرها بقايا "الحنين إلى الفردوس"، ونحن نلفى فيها رغبة العودة للاندماج في حال الحياة في جنة (عدن) من قبل أن تحدث الزلة، وعندما لم تكن الخطيئة ولم يكن ثمة انفصام بين غبطة الجسد وبين الضمير)(9)(إن الإنسان العقلي المحض تجريد، وهو لا يوجد في الواقع أبداً)(10).أما فرويد فقال على لسان خصم وهمي (ومن يرغب في أن يطرد الدين من حظيرة حضارتنا الاوربية، فلن يستطيع وصلا الى مبتغاه الا بمساعدة نظام مذهبي آخر، وسوف يتلبس هذا النظام من البداية جميع سمات الدين السيكولوجية: القداسة، الصرامة، عدم التسامح وحظر إعمال الفكر، ذودا منه عن حياضه.)(11). ورصد علماء الاجتماع الأشكال المدنية للدين الذي اصطلح على تسميته (الدين المدني Civil Religion) حيث يكتسب معنى الأمة في الاعتقاد بفرد متسام أكثر أهمية من الأحداث المعاصرة في أمة لها بعدا متساميا، وتتجه الاحتفالات القومية لتأكيد هذا البعد المتسامي الذي هو هدف الأمة التي تجمع بين الإحساس بالرهبة والتقديس القائم على أرواح الأبطال القوميين.(12). (فليس هناك مجتمع تَعَلْمَنَ إلى درجة التصفية التامّة للإيمان بالماورئيّات وبالكيانات الخارقة. وحتىّ في إطار مجتمع معلمن ينبغي إيجاد نظام ما يؤمّن استيعاب القيم الأساسيّة وظهورها الشعائريّ والتأقلم العاطفي الذي تتطلّبه خيبات الأمل والكوارث والموت)(13). فالعلمانية لاتعني بالضرورة أن الناس قد توقفوا عن التدين، انما تعني أن طرق التدين قد تغيرت وهو ما يسميه (ويلسون) "خصخصة الدين" باعتباره مسعى فردياً أو خاصاً لايقع ضمن أي شبكة اجتماعية(14) إن ضعف تنظيمات الدين المؤسساتية يترافق مع ازدهار أشكال التديّن الروحية والصوفية. فالمسألة تتعلق بأزمة معتقدات أكثر من كونها أزمة إيمان. وحيث يتم نقل القداسة إلى مؤسسات مدنيّة كالتعليم والصحّة والعمل الاجتماعي.(15) من أساطير الإلحاد الحديثة هو أسطورة (انتشار الإلحاد) وان (المستقبل للإلحاد) يرددها الملحدين بالعراق أيضا وهي لا تختلف عن فكرة المنقذ الذي سيبعث لينشر الدين بالأرض سوى أنهم استبدلوا فكرة المنقذ بالعقل والعلم، دون الالتفات لفوز الأحزاب الدينية في الانتخابات ودون الالتفات للطائفية المتفشية في قطاعات كثيرة من الشعب، أو للملايين التي تؤدي الطقوس، ودون الانتباه لمستوى الطائفية عند الملحدين أنفسهم عامة، وصعود الأحزاب المحافظة المتدينةفي أوربا وأمريكا، وهذا هي طبيعة الأساطير عندما تشيح عن الواقع وتقدم المثال.
وعندما بحثت بالانترنيت عن نسبة الإلحاد بالعراق وجدت دراستان أمريكيتان احدهما للمؤرخ والباحث الأمريكي (كول) الذي يرى أن نسبة الإلحاد تصل 32% لعدة عوامل منها التطرف الديني والصراع السياسي والمذهبي، وقد أجريت عام 2011، ونقلا عن جريدة (إلى الأمام) المقتبس عن (شفق نيوز) أظهرت اغلب اللقاءات مع الملحدين أن سبب إلحادهم هو الظروف السياسية والمذهبية التي تعرض لها العراق. والدراسة الأخرى أجريت عام 2012 معهد (Gallup) أظهرت أن العراق يحتل سابع دولة بالتدين وان الإلحاد غير موجود بالعراق!، وهناك تقريرلدار الإفتاء المصرية نشرتهصحيفة "الوطن" الالكترونية المصرية:" اظهر إن نسبة الإلحاد بالعراق هي242 ملحدا نتيجة "ممارسات التنظيمات الإرهابية ساهمت في زيادة ظاهرة الإلحاد" كما قال التقرير.
للتعليق على هذه الاستبيانات المختلفة أرى أن الاستبيان الأول الذي أجراه (كول) فهناك مقال نقدي للبحث كتبه (رشيد السراي) منشور على موقع كتابات بعنوان (هل فعلاً الإلحاد في العراق 32%؟) وقام بتحقيق معمق لهذا البحث فقد بحث عن (وكالة الأنباء الكردية في العراق (نيوز أجاسي أي كي نيوز) التي أجرت الاستبيان، فلم يجد لها أي وجود بالجوجل! ولم يجد لها وجود حتى باللغة الانكليزية! بل وجد روابط مقاربة متوقفة عن النشر منذ العام 2012 لأسباب مادية، ونتائج الاستفتاء نشرت على مدونة الكاتب (كول) فقط عام (2014/2/5) نقلا عن وكالة أغلقت (2012)! ووفقاً للكاتب أن الوكالة الكردية أجرت الاستفتاء ونشرته نيسان عام2011، ولان الموقع مغلق حاليا قام الكاتب بالرجوع لصفحات الوكالة على الفيس فلم يجد أي منشور بهذا التاريخ! ولم يجد بداً إلا بالرجوع لمدونة (كول)، ويعلق رشيد قائلا: عند مراجعة الاستبيان المنشور على صفحة (كول) لا توجد أي إشارة لعدد العينة، ولم يذكر منطقة السكن وهي أجريت في أربيل فقط، لم يذكر أعمار العينة ولكونها عشوائية أم منتقاة، وهي بالنتيجة تمثل رأي أصحابها وليس الرأي العام، ثم يكمل انتقادات هي خارج موضوعنا. أما الاستبيان الثاني فهو صحيح بكون العراق بلد يغلب عليه التدين كأي شعب عربي آخر، أما كون الإلحاد غير موجود فهذا خطأ فادح ويخالف الواقع، وهذا يجعلني اشك بنسبة التدين التي اقرها الاستبيان. أما تقرير دار الإفتاء فلا يمكن الوثوق به كونها خصم وهل يكون الخصم حكم؟.
لكن بعد هذا التضارب بالنتائج ماذا يمكن أن نصل؟ الشيء المشترك بين هذه البحوث هو أنها جميعا أكدت الأصل الانفعالي للإلحاد العراقي كما أوضحت في مقالي، إذ أنها جميعا ومن لسان المبحوثين اكدو أنهم الحدو كرد فعل على جرائم الإسلام السياسي والمجاميع الإسلامية المسلحة، وهذا واضح أيضا في نقد الملحدين للإسلام فقط، والإلحاد كما هو معروف قضية ميتافيزيقية تأتي من التأمل العقلي في ما وراء الظواهر الطبيعية وليس نتيجة انفعالات شخصية، وعمر الإلحاد أقدم من الإسلام والأحزاب الإسلامية نفسها، وهو هّم نخبوي بامتياز وليس شأن العوام.
أما العقل الذي اعتبروه أيضا الهادي والمقياس والحكم في قضايا الدين والحياة، هل العقل مستقل عن بيئة الإنسان ومجتمعه ونفسيته في أحكامه وتصوراته؟ وعلم النفس يقول إن الأمراض النفسية يقف العقل عاجزا عن علاج أصحابها، فمن لديه رهاب الأماكن المغلقة أو ألمرتفعه، يقف الإقناع عاجزا عن إثبات أن مخاوفه وهمية؟ قد يقول القارئ أن المريض هو استثناء، ترى ماذا نقول عن عجز العقل في الإدمان وهو يعلم بخطره، كالسجائر والكحول والمخدرات مثلا؟ لماذا يقف العقل عاجزا أمام الالتزام بالتقاليد والعادات لدى شعوب بأكملها؟ ما الذي يجعل الغربي مثلا يعيب التجشؤ(التريعة) ويتقبل الفساء مع أن الاثنان ريح كريه؟ وما الواجب الذي يجبره على نزع القبعة في الأماكن المغلقة؟ أو استهجان تقبيل الرجل للرجل بالتحية؟ ما الذي يجعل الصيني يفضل العيدان على الملعقة بالأكل والأخيرة أسهل استعمالا بالطعام؟ ما الذي يجعل الغربي يستخدم المنديل وليس الماء بالمرحاض وليس هناك فرق في الحالتين؟ ما الذي يجعل هذه الشعوب المتحضرة تتغنى بتاريخها الاستعماري وتتعاطف مع إسرائيل وكلاهما ارتكب الجرائم بحق البشرية؟ الجواب إنها العادات والتقاليد والعاطفة، ويقف العقل عاجزا عن أي تغيير. وهل نظيف التبريرات التي تبتكرها الأنا لخداع العقل فكثير من الحروب التي قامت كانت تبريرات مثل (الدفاع عن الدين، الدفاع عن الأمة، الأمن القومي، حماية القيم الإنسانية، نشر قيم الحرية الخ!) ويصل تأثير البيئة لأعلى مستويات العقل فما معنى الفلسفة الهندية أو الفلسفة الصينية أو الفلسفة الغربية أو الفلسفة العربية أو الفلسفة اليونانية سوى إن العقل يتأثر بحضارته؟ وما معنى أن نقول المدرسة الفرنسية أو الأمريكية أو البريطانية أو الألمانية في الاقتصاد أو الاجتماع أو النفس سوى أن العقل ينحاز قوميا؟ إن العقل تأسره العاطفة والرغبة والذاكرة والموروث؛ والغرب نفسه وجه نقدا شديداً للعقل.
نأتي لمبدأ الإنسانية الذي يتخذه الملحدين شعاراً لهم، ويستمد بريقه من قيمة الإنسان، فهل الإنسان منزه من النقد؟ الم يرتكب ضد أخيه الإنسان أبشع الجرائم والاستغلال والعبودية من الماضي إلى الحاضر؟ وزاد على ذلك باستخدام العلم والتقنية في الهيمنة على نظيره أنى وجد فيه نقطة ضعف؟ ولم يزل يستغل الجنس الآخر (المرأة) وينتهك حقوقه؟ وهل خافيا على احد ما تفعله أمريكا بالعالم من استغلال وفرض وهيمنة وحروب؟ وهذا الإنسان ذاته باني الحضارة! فلماذا يتغنى الملحدون بالإنسان بدون تحفظ كأنه ملاك؟.
أما الحرية فالجميع يعلم أن كل حرية بلا قيود وضوابط هي انفلات وفوضى، ولكل حرية حدود تقف أولا عند حرية الآخر، وأنها تصبح خطرة في أوقات الحرب أو الطوارئ، أي أن لكل حرية قيود والحرية المطلقة دمار وفناء، فلماذا يتغنى الملحدون بالحرية بدون تحفظ؟.
بعد هذه الأسئلة عن تقديس الأهداف التي أظهرت المناقشة لامنطقيتها أمام العقل تبين أن الملحد لم يلتزم بالقاعدة التي الزم بها المتدين وتنصل منها كثيرا! فهو يحمل رفض الآخر واحتكار "الحقيقة" مثل المؤمن. فما الذي جعل الملحدين يؤمنون بها وهم اشد النقاد للإيمان؟ الجواب أنهم نقلوا الإيمان من الدين إلى هذه المبادئ التي رفعت لدرجة المعتقد، وهم لازالوا يستخدمون "أؤمن، اعتقد، اُقدّس" في حديثهم عن هذه المبادئ، وهم يملئون خانة السؤال عن الدين بكلمة (ملحد)! ودائما يصنفون في خانة الأديان كقرين للمسيحي والمسلم! فالملحد لا يختلف عن المؤمن إلا بالدرجة لا بالنوع، واتهام المؤمن بالجهل يذكرني بقصة الغراب الذي يتهم نظيره بأن وجهه أسود. وهذه الظاهرة ليست جديدة فقد ظهرت في الثورة الفرنسية حيث قدست أشياء دنيوية كالحرية والإنسان والديمقراطية تحت تأثير الرأي العام كما لاحظ ذلك (دوركايم). وليس غريبا أن يتفق الملحدين وداعش على أن ممارساتهم هي (الإسلام الحقيقي) لان كلاهما فكر اقصائي لايعترف بالقراءات الأخرى.
وهذه المبادئ التي طرحت عليها الأسئلة لست ضدها لكني لم اجعلها أهدافا بذاتها ولا أقدسها، وأنا لست ضد الدين ولست مؤمن، وأنا مع حرية الإلحاد والإيمان وضد التطرف الديني والإلحادي وضد أي تطرف مهما كان شكله. والذي يقول إن الملحدين لا يرتكبون جرائم مثل الإسلاميين اذكرهم فقط بجرائم الدول الشيوعية الملحدة من ستالين إلى كوريا الشمالية حالياً، واذكرهم بجرائم التعذيب التي مارسها الحزب الشيوعي العراقي ضد القوميين في خمسينيات القرن الماضي. وهذا لمسته أيضا من المواقع الملحدة حين سخروا من الحجاج الذين ماتوا في حادثتي التدافع وسقوط الرافعة ولم يذكر احد كلمة "إنسانية" بالموضوع!.
بعد مناقشة فرضيات الملحدين أود أن أناقش نظرية المعرفة عندهم التي ترى العلم الطبيعي معيار وحيد للحقيقة في كل شيء، فهل الحقيقة العلمية الطبيعية أو الفيزيائية هي الحقيقة الوحيدة؟ ماذا عن القضايا الإنسانية؟ هل يجب إخضاعها للعلوم الطبيعية كالخيال والفن والحب والإيمان الخ؟ سأضرب مثلا حول المرض النفسي فالشخص الذي لديه خوف من الأماكن المغلقة وهذا الخوف هو وهم بالنسبة للآخرين لايعيشه إلا المريض، فماذا نسمي هذه الحالة من الخوف هل هي حقيقة أم وهم؟ إذا قلنا حقيقة فكيف نتجت عن وهم؟ وإذا قلنا أن الخوف وهم فالمريض حقيقة ملموسة لا يمكن تجاهلها بدون علاج؟ وهناك تابوهات عند بعض المجتمعات البدائية تؤدي إلى موت صاحبها فعليا في حال انتهاكها وهذه حالة رصدها علماء الإناسة؟ فماذا نفسر ذلك إذا كانت هذه المعتقدات تستند إلى الأوهام؟ وهذا ما خاض به علماء النفس والاجتماع وسموه (الحقيقة النفسية) التي تختلف عن الحقيقة الطبيعية، فشعور الشخص وتأثره بإحساس أو بفكرة لدرجة استحواذها عليه وعدم قدرته على تجاوزها فهذا يعتبر حقيقة في علم النفس، وإن كان هذا الإحساس أو الفكرة وهم بالواقع الموضوعي، يقول فرويد (ليس الوهم بالحتم والضرورة خاطئا، اي غير قابل للتحقيق اوتناقضا مع الواقع. ان لفي مستطاع فتاة وضيعة النسب ان توهم نفسها، على سبيل المثال، بأن أميرا من الامراء سيأتي باحثا عنها ليتزوجها. والحال ان ذلك ممكن؛ وقد حدثت فعلا بعض حالات من هذا النوع.)(هكذا نسمي توهما كل اعتقاد تكون الغلبة في حوافزه ومعللاته لتحقيق رغبة من الرغبات، ونحن لا نقيم اعتبارا في ذلك لعلاقات هذا الاعتقاد بالواقع)(16) ويضيف (كارل يونغ)(ليس من ضمن اختصاص عالم النفس أن يثبت الصدق الميتافيزيقي لهذه الفكرة أو كذبها؛ إذ يجب عليه أن يكتفي بأن يحدد، أينما كان ذلك ممكناً، ما الذي يمتلك تأثيراً نفسياً)(17) وهذا نلمسه بالفن حينما نتفاعل مع السينما رغم علمنا بأنها خدع وتمثيل، وحين نتفاعل مع اللوحة ونتأثر بها رغم علمنا أنها مجرد خطوط وألوان ممزوجة ونفس الشيء مع الموسيقى أي أنها خدع وأوهام نتأثر بها! أما (الحقيقة الاجتماعية) فيعرفها دوركايم (نوع من السلوك سواء كان نمطيا أو لا ولديه القدرة على ممارسة الضغط على الفرد من الخارج)(18) فالاعتقادات والتصورات الجمعية التي تستحوذ على الفرد ويخضع لها تحت تأثير الجماعة كالأخلاق والمفاهيم واللغة والقانون والعُرف هي حقائق في علم الاجتماع، ونفس الشيء بالنسبة للمتدين تؤثر عقيدته فيه حقيقة، إذ أن حياته تتحسن فعلياً إذا التزم بالعبادة (التوفيق الدنيوي) وإيمانه يستند لحقائق نفسية واجتماعية وليس إلى أوهام، ولولا هذا التحسن الملموس في حياته لما تعزز الإيمان، وهذا سر قوة الدين وبقائه. وهذا التحسن ليس بفعل قوى خفية خارجية إنما بفعل الإيحاء الاجتماعي وظله في الأنا الأعلى للفرد الذي يمنح الأنا التفاؤل والقوة والأمل في مواجهة ظروف الحياة ويعززه بالعبادة. فالمؤمن يشعر بمزيدٍ من الطاقة لتحمل مشاقّ الحياة أو لقهرها.(19) وهذا يؤيده أن نسبة الانتحار في البلدان المتدينة اقل من البلدان الملحدة والعلمانية ومعدلات الانتحار هي المؤشر الأول للصحة النفسية(20) فالدين يساعد على البقاء(21) بالتالي قد يكون الدين أحد وسائل الانتخاب الطبيعي لمساعدة الجماعة على التكيف. وقام (ماك كلينون 2002) بصياغة نظرية "الشفاء الشعائري" تتأسس على عدد من الأدلة: 1_شبه عالمية الشفاء الشعائري عبر المجتمعات التقليدية. 2_أدلة تبين فعالية الشفاء الشعائري للعلل التي تتضمن حالات نفسية كالألم المزمن، والحروق، والنزف، والصداع، واعتلال الجلد، وأمراض الجهاز المعوي المعدي، ومتاعب ومضاعفات الولادة. والاكثر ترجيحاً أن تأثيرات هذه الشعائر لها مزايا صحية ايجابية على نفسيتنا واجسادنا، ولعل أن هذا التأثير هو الدافع لتفعيلها.(22) فإذا قبلنا (الحقيقة الإنسانية) في موازاة (الحقيقة الطبيعية) سهل علينا فهم كثير من الظواهر النفسية والاجتماعية التي ستبدوا في منظار العلم الطبيعي بلا معنى. وهذا أساس اختلافي مع الملحدين الذي اقتضاني أن اترك الإلحاد الذي اعتنقته لعقد ونيف.
ــــــــــــــ
1_د.مازن بشير محمد وآخرون (الباحثون)، السلوك المنحرف وآليات الرد الجمعي، بيت الحكمة، سلسلة المائدة الحرة 31، 1999، ص103.
2_نفس المصدر، ص105.
3_أ.د قاسم حسين صالح، إشكالية الناس والسياسة في المجتمعات العربية، من منظور سيكولوجي، الطبعة الأولى:2013، ضفاف دراسات نفسية، ص،244،242.
4_عبد الصمد الديالمي، سوسيولوجيا الإلحاد في العالم العربي، بحث محكم، قسم الدين وقضايا المجتمع الراهنة، 2016 يوليو21، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ص9.
5_نفس المصدر، ص14.
6_نفس المصدر، ص11.
7_الدكتور علي الوردي، الأحلام بَين العلم والعقيدة، الطبعة الثانية 1994، دار كوفان لندن، ص265.
8_مرسيا الياد، المقدس والعادي، ترجمة عادل العوا، التنوير،ص230،229.
9_نفس المصدر، ص232.
10_نفس المصدر، ص234.
11_سيغموند فرويد، مستقبلٌ وهْم، ترجَمَة: جوُرج طرابيشي، الطبعة الثالثة حزيران (يونيو)1981، دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت، ص71.
12_د.مهدي محمد القصاص، علم الاجتماع الديني، دار نيبور للطباعة والنشر والتوزيع_العراق، الطبعة الأولى 2014، ص121.
13_جان_بول ويلّيم، الأديان في علم الاجتماع، ترجمة بسمة بدران، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى،1421ﻫ_2001م، ص50.
14_مالوري ناي، الدين الأسس، ترجمة: هند عبد الستار، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، بيروت،2009، ص328.
15_جان_بول ويلّيم، مصدر سابق، ص127،128،154،155.
16_سيغموند فرويد، مستقبلٌ وهْم، ص43.
17_ك .غ. يونغ، ريتشارد فيلهام، سر الزهرة الذهبية، القوى الروحية وعلم النفس التحليلي، ترجمة: عدنان حسن، دار الحوار، الطبعة الأولى 2013/1، ص170.
18_الدكتور مهنا يوسف حداد، الانثربولوجيا الدينية أو العلاقة التبادلية بين ظاهرتي الحضارة والديانة، الطبعة الأولى (2011)، مؤسسة حمادة للدراسات الجامعية والنشر والتوزيع، دار اليازوري، ص197.
19_جان_بول ويليم، مصدر سابق، ص28.
20_تحرير: جى.ر. فيرمان، بيولوجيا السلوك الديني، الجذور التطورية للإيمان والدين، ترجمة: شاكر عبد الحميد، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى 2015، ص216.
21_نفس المصدر، ص170.
22_تحرير: إيكارت فونلاد و وولف شيفنهوفل، التطور البيولوجي للعقل والسلوك الدينيين، ترجمة: مصطفى إبراهيم فهمي، المركز القومي للترجمة، ط1 2015، ص201،202.