عقيدة التسويغ -3-

إبراهيم الوراق
2017 / 2 / 20

عقيدة التسويغ
منعرجات فكرية
‏-3-‏
يتبع
سيكون ما نراه واقعا من فعل الجدال، والمراء، والشجار، والخصام، هو النتيجة المكتملة لكل المباحث التي ‏شغلت عقولنا في اللحظة ‏الراهنة، والحصيلة التي انتهى إليها عطاءنا في سياق كوني، وإنساني، لأننا لا ننطق في ‏فصيح أفعالنا، إلا بما يسيطر على ذواتنا من إدراك، ‏وحدوس، وترصد، وانتظار، ولا نحرر جِرمنا إلا مما يشنقنا ‏بأغلال خوفه، وهلعه، ووجعه، وحرجه، ويجذبنا بلا إرادة إلى مساحة تنزف بالبؤس، والشؤم، والخزي، ‏والعار. ‏وما دمنا نطيق فن الجدال في صخب الموارد، وشح المطالع، فإننا نكتسب صفة الحياة التي نهتف ‏بسرورها، ونغني بغرورها، لأنها مرتبطة ‏بفعلنا الذي نجابه به الفناء، ونواجه به ذلك العدو المرتقب نزاله في وادي ‏المجهول الغائر العلامات، والتوصيفات. وأي جرم ارتكبه الإنسان حين تناطح ‏الحظان على سطح أمله، وكل واحد ‏منهما ينفر من أن يكون دمه هدية للمعبد المقرور على قنن الجبال.؟ قد يكون الجدال قمينا بأن يضع ‏حدا لهذا ‏الصراع الذي افتتن به الإنسان في تطرف الحضارة بمعنى الإنسانية، فيضحي بذا، لكونه لا تلتئم فيه عوامل الوجود ‏على أتم ‏وجوهها، ويوفر ذاك، لأنه يوقن بحدوث القضايا التي تفقده امتلاك شيء يهبه نسيم الحياة، فيداري ‏الانكسار بما يسوغه من هزيمة. لكن ‏الجدال في رسم بيان هذا المشترك الذي نتلاقى عليه، لم يخلق الأمل بغلوه في ‏ذاته الفتية، ولم يسعف الحيارى بالضالة المنشودة، فسواء هذا ‏الطرف الذي سيتحول بقدرة خارقة إلى فاقد لأعيان ‏الأشياء المتخلية عن إغرائها، أو ذاك الذي يمتص روحها بلا ذوق جميل، ثم ينثر هياكل ‏شهواتها على قبور ‏المحرومين، والمطرودين. وإذا كان الجدال ضروريا لقيام الدائرة التي أرادت أن يستقيم لها الكون بوضوح، وابتغت أن ‏تقتل لغات الجسد للغة الروح، فإن تفرده بصناعة الألم ‏الذي يغازل الأحلام بفجور، وفسوق، هو الذي يجعلنا ‏نتساءل، كيف سوغ الجدال ما يقوم به من تضليل للحقائق.؟ ‏
يجرني هذا إلى تذكر كثير من المواقف التي تناحر فيها الحظ على حصة الحياة المتتالية بالأعباء الثقيلة، وإلى ما تواتر ‏في ذلك من حكايات ‏تنصهر مع أذهاننا المفتونة بالإثارة أحيانا، وبالإغواء أحيانا، وتنفعل مع واقعنا الذي نداريه بما ‏نعتقده وقاء يقينا عار المناكب المسعورة ‏بحمى الحقيقة الواحدة، وكأنها تريد أن تصنعنا كما أرادت في طبيعتها، لا ‏كما نحب في طبعنا، بل هذا ما تحاوله حين تهدم كل صلة تربط فيما ‏بيننا وبين أمداء هذا الكون الفسيح بأفعالنا، ‏وأخلاقنا، وأذواقنا، وتبني أساس تعايشنا على مجاراتها بضرورة النفاق، والخداع، والمداراة، وربما إن لم ‏يكن ‏اللطف ساريا فينا بكثافة حدبه، وعطفه، أزالت عنا كل هوياتنا التي نكتسب بها صفة الوجود الحر، والحقيقي، ‏لكي نتركب في جنس ‏آخر، ونندمج في طبع معين، لا يقدس إلا الفوضى في المقاصد، والعبث في الموارد، ولا ‏يؤمن إلا بالإنسان الافتراضي الذي تعبر عنه ‏الصورة المقنعة، والكلمة المعتمة، ولا يقدر إلا البصمة المنقوشة على ‏صفحة الذات المكلومة، ولا يصدق إلا بما احتواه الظرف من لاعج يتضرم في الأحشاء الممزقة، وهو يريد أن يفصح ‏عن شيء يحرم التعبير عنه إلا بالألفاظ المورية، وينقل إلى غيره نوع تجربته التي تمتعه بالمعاني السارية في جسده ‏الموشوم بالأمارات المقطوعة. لكن، هل يمكن أن نعتبر ما يقوم به الإنسان في جل أحوال صراعه تنافسا على ساعة ‏البقاء.؟
‏ أجل، إن الشعور بها حين تتقلص بين الأعين الساهمة، وتنكمش وقدتها في الأبدان الشاحبة، ولا يشهد عليها مقام ‏كان في زمن مريحا، ولا ‏يشفع معها مرام كان في عهد مليحا، لا تكون إلا لحظة متلاشية بين ذكريات متناثرة، ‏وحكايات متباينة. وربما من شدة الاختيار لثنائية ‏الخير والشر المتمردة في أعماقنا، والمتجبر حكمها علينا في ‏صناعة المسافة بين الفكرة، وعينها، لا نخالها إلا محبوبة لمن تعددت الأشكال بين عينيه الزائغتين، وتنوعت سبل ‏الضياع بين حدي بعديه المادي، والمعنوي، فلم ير إلا إغماض العين سبيلا إلى الحرية، وإزهاق الروح فداء من ‏العبودية، أو ‏مكروهة لمن لثم عنق الزجاجة، وحسب ما يجرعه من سكرتها تضحية، وخلاصا. لكنها ولو ‏تعددت الألسن في تحبير الألفاظ الدالة على ‏حقيقتها بلا مجاز، ولا تورية، لا تبرح عين من كان قدره أن يغدو ‏رفيعا، أو من دفعته الأسباب إلى أن يصير وضيعا، لأنها أجلى الحقائق التي ‏يؤكدها الملموس قبل المعقول، أو ‏المنقول، إذ هي المدينة التي نبنيها لمن كسر الدهر منه العظام الهشيشة، فلم يجد إلا هابط التراب مثوى، ‏ومأوى. ‏وهذه وإن لم تشهد ما يروج حيالها من عراك الأسواق، وصراع الشوارع، ونزاع المعارف، فإنها خاتمة تنتهي إليها ‏الأجزاء المنفصلة ‏عن المدينة المغالية بعنفوانها، ونشاطها، وأريحيتها. ‏
ومن هنا تصير حقيقة لا يتودد إليها الشك، أو الإنكار، لأنها صيرورة الثبات، والتغير. ‏وما هو ثابت فيها، هو ‏الناموس الذي يدبر الأمر بالمشيئة، وما هو متغير فيها، هو الإنسان الذي يجول على بساطها زمنا قصيرا، ثم ‏يحول، ويدول، إذ ‏نظامه التغير، ومنه يكتسب ديمومته، واستمراره . وذلك ما يحير سبيلنا الذي نتعادى فيه ‏بالطمع، ونتصافح فيه بالزهد، ويربك سير كثير من قصودنا ‏التي نألفها إن استكانت، وننكرها إن نفرت، لأننا ‏ندرك صدق هذه النهاية التي تفتقر إليها مكونات أجسادنا، لكي تنسلخ عما يقلقها من ألم، ‏وأحزان. فهي حين ‏تفقد قوتها التي تستند إليها في بناء مصيرها المرغوب عندها، تصير عالة على غيرها، وتنهار قواها لجرح الفقد، ‏والحرمان.‏وإذ ذاك لا تحتاج إلى تقرير مصيرها بين غموض رأي المشاة على حدث الفناء، فتحس بأنها ما زالت ‏ممتزجة ببصيص أمل فيما يثري، أو يغري، بل ينتهي عشقها للحظة بما ينقض عليها كالنسر الجارح، لكي يختصر ‏الطريق بما يزرعه في الجسد من سم زعاف، وكأنها ما كونتها الأرض إلا لتبتلعها، وما غذتها إلا لتدفنها، وأعظم ‏شيء فيها، هو ما تبتليها به، فلا تجد فيه روْحا، ولا هي قادرة على أن تعتصر منه رُوحا يمشي بها عند حدائق ‏الأمنيات.‏
‏ وهنا يرد على ذهني سؤال أوجه به نوبة انتظاري لهذه الوقفة الخاشعة، وكثيرا ما تكون لحظة خانعة، لأننا لا نملك ‏في مواجهتها ذلك الخيار ‏الذي يبهرنا بالبسمة عند رؤية محسوس المصير المشترك، ولو ملكه أحد منا بالملك الوافر، ‏لما انتهى صوته بين الديار التي نعته بالبكاء، ‏وذكرته بالنسيان، فأقول: كيف يكون الإنسان واثقا من هذه الحقيقة ‏التي تفجعه انتظارا، ومقابلة، وهو لا يبالي أين وقعت يده، ولا يدري على ‏أي سبيل مشت رجله.؟ ربما يكاد ‏النظر يقع إجماعا على ارتباط المعرفة الباطنية بالسلوك الظاهري، لأن رشح العمق على السطح الخارجي لبيت ‏الذات المسكونة بوجع السنين، هو ‏الذي يؤكد حكمنا على الأفعال بالصلاح، أو الفساد، ويسمح لنا بأن ننعت ‏النيات بوصف الخبث، والوداعة، إذ لا يرد الفعل من الدائرة البشرية ‏جهلا إلا باختلاف المراتب، لأن ما نعتبره ‏خروجا عن كلية العلم التي تميز بين مداري الجمال، والقبح، هو حكم منظور إليه بنظر محدد، وهو ‏ذلك الذي قعد ‏القواعد، وأصلها، ثم اكتفى بها، وجعلها معيارا للقياس في الأقوال، والأفعال، وظن أن ما انتهى إليه من جهد ‏فكري، هو النهاية في تحصيل ‏المعلوم غير المتناهي. وإذا تعددت سبل الأنظار التي تمتزج في الرؤية، وتختلف في ‏صورة المُدرَك، كان ما يفعله الإنسان محدودا بعلمه، ‏وموصوفا بقدرته، وهو ما ضعف في التجربة، ولان في ‏الخبرة، ونكص عن طي المسافة بين الذات وحقيقتها الوصفية، أو بين الفعل وأسبابه، ‏وشروطه، وغاياته، لأن ما ‏يحدث من سائر العقلاء على اختلاف أدوار الحياة الذي ننشد فيها حقيقة معينة، هو المسؤولية التي تناط إلى ‏‏التكليف بحدود المعرفة، وإلا، عددنا كل عاقل ناقص الأهلية بعدم دركه للمنطق المحدد، والمختلف، إلا إذا وطد ‏معلومه بالمعرفة ‏الإصطلاحية، وصار محكوما عليه بأنه الأكمل، والمناسب. وحينئذ سيتسم بفعل العقل الأكبر، ‏وهو الحاكم على الأشياء بالقبول، أو الرفض، ‏لأنه سلك مسلكا واحدا في اكتسابها، وحسب ما عداها زيغا، ‏وضلالا. ‏
وذلك مما لحنت فيه صولة العلم حين جعلت العقل أداة، وقالت بالجهل في أماكن لا يكون عدم معرفة جزئياتها ‏سبة، وشنارا، لأنه رأى ‏الرأي غير مستقيم إلا حين يتجاوز سقف العقل المحدود أثر رأيه، وينبطح لما يحكمه من ‏ضرورات تعدله، وتصوبه. وهو ما حصل عليه ‏الاصطلاح، وسمي علما مطلوبا لذاته. ومن هنا، يكون ظاهر ‏الذات، هو الحقيقة التي يعيشها الإنسان في مستواه الفكري، لأن ما ينزف ‏على الخارج، ليس إلا تجليا لما اختزن في ‏الذات، واستحال مع تعدد المواقف محددا للصيرورة، إذ لو استقام هذا الذاتي والعرضي في عقل ‏الكيان المملوك ‏للأهواء التي توارثتاها رغبا، أو رهبا، لكان العزوف واردا في كثير من الأعراض التي تبددنا بين قاتل يفتك بغريمه، ‏أو باك ‏يذرف الدموع على ظلمه في طريقه، بل الإطلاع على موارد الاتفاق، والاختلاف، هو المهيع الأصلح لتبليغ ‏رسالة السلم، والسلام، ‏والمسلك الذي يزرع فينا قيم الاستقامة، والاعتدال. لكن أصررنا على أن نرفع سقف ‏بيوتنا بجماجم البشر المخذولين، وأحببنا أن نعيش ‏متصارعين كما هو مكنون الاختيار فينا سلفا، ورغبنا في أن ‏نفارق الحياة التي تنغص فيها المرام، وتلبد معها المقام، ولم نسعد فيها بشيء بحت أصواتنا من أجله، ولم نجده إلا ‏حين فارقناه، ‏وودعنا أكنانه التي أغرتنا بوجوده المجهول، لأننا غدونا نتنافس بقتل الذات في نوال الأعراض التي تقيم ‏أودنا، وتنهي وجعنا، وتحررنا من ‏أضرار يتفاقم بؤسها، ويتهدل بدنها، وكأننا نسينا تلك الموعظة الأولى التي ‏كانت صلتنا بروح الأشياء المحفزة لإدراكنا، وسلوكنا، أو ضيعنا ‏سر تلك الكلمة التي خلدتها التواريخ بين النصوص ‏المقدسة في الزمان، والمكان، وهي توحي إلينا بصدق نية البشر في صياغة معنى الفضيلة، ‏وإخلاص جهد الأفعال ‏في صناعة حياة متنائية عن الألم، والحزن. ‏
وحقا، كان لزاما على الذين ينتصرون لطهارة السماء أن لا يسوغوا جرائمهم في الأرض باسم الإله، لأنهم صوروه ‏بمظاهر لا تتناسب مع عظمة ‏رحمته، وشفقته، ولا تتوافق مع معناه في حياة الإنسان الذي اقتضى أمر وجوده أن ‏يهبط إلى عالم قابل للفساد، والتغير. فلا غرابة إذا ‏تآكل مفهوم التصديق في الإيمان، وارتحل فئام عراض بين ‏الثقافات، والأديان، والحضارات، وانسلخ قوم من عهد التاريخ الذي أقمنا به عماد ‏علاقتنا بالأرض، والسماء، ‏فلم يصر لصوت الإله في صراع الوجود أي معنى. إذ الدين ما وجد أساس أصله إلا لصيانة الإنسان، وحمايته، ‏‏ووقايته، وإذا غدا سيفا بتارا يقطع الأوداج بمقتضى الولاية على أمر السماء، وواصله المال الموصول المنن برضوخ ‏العبودية، استحال كلمة ‏غليظة، وأقوالا شديدة، لا تدرك في سياقاتها المرسومة مفاهيم العطف، والحنان. وما ‏أحوج إنسان اليوم إلى جيوش من العواطف السليمة، وبحار من المشاعر ‏الجميلة، لعله يحس بأن في هذا الكون مهدا ‏له، أو كنا يطيق جرم ذاته، ويحمل معه همومه في تدبير المحال، وتصريف الممكن. ‏
وحين فقد هذا العطاء النبيل في الاستثمار الإنساني، لا نستهجن من شاب تهاوى بين الدروب، وتوارى بين ‏الأمداء، فلم يجد بين عينيه إلا ‏متاريس تشل حركته، وتعطل سيره، أو تناهى به السؤال الحرج إلى الإنكار لكل ‏حقيقة تبدو دثارا لمن رفعها للاستهلاك، وتدانى به الألم إلى ‏سم خياط، يداري فيه موته بخوف، ونكد، لأنه ‏تشرب في تربيته أن ما سيمتلك عقلَه من عقائد، هي مصدر الحب، والخير، والجمال، ثم ‏رأى وجوها عابسة ‏تحكي عن العشق وهي مشنوءة، وآفاقا حالكة يُوعَد بأنها مفتوحة وهي مغلقة، لا تذكر بذلك المطلق إلا إذا ‏صورته بلغة ‏قلبها المتوحش، وعقلها المتغول. فهل يعيب الشاب أن يتساءل، وهو يحاكم الأقوال بمنطقها، ويعارض ‏الحقائق بوضعها، وحين لم يستقم الميزان ‏في خزان مفاهيمه، ولم يدل الحديث فيه على القديم، وتنافى فيه الجوهر، ‏والعرض، قال بالرفض، والنبذ، ثم امتطى صهوة التبديد، والتمزيق، ‏وكأنه ما رأى ذاته النحيفة إلا أسيرة لثقافة ‏الأبوين، ورهينة لنظم المجتمع، فهو يريد أن يحس بشيء من السعادة في كون ضج بالخراب، وعالم ‏يغرد بالفوضى، ‏لكنه سمع صوتا متهالكا، ونفسا متآكلا، لا يجيبه على شكه، لكي يعود إلى منبت يقينه، ولا يرغب في أن يضع ‏حبله على ‏غاربه، لكي يقود سفينته بزمام يتحكم في أصله، وفرعه، فإن وجد شيئا مما شمر له الساعد، وذلل ‏من أجله الصعاب، فقد ربح بجهده الذي استكان لغايته، وظفر بمنيته بين غابات الأحلام، وإن لم ‏يظفر بشيء مما ‏هو منتحب في عمقه، ومنتحر في واقعه، فحسبه أنه تنقل بين الديار من غير أن يشم عطر ساكينها، ووصل إلى ‏السراب الذي ‏خاله شربا سلسبيلا، فإذا هو زقوم يقطع أوصاله، ويهدم روحه. وإذا كان هذا حال متغرب بين ‏دور خالها يقينا مترعا بالتصديق، فإذا هي غامرة بالحيرة، والوحشة، فهو حال من التوى على عطفه، وانزوى ‏إلى ‏زاوية مظلمة في عقله، ثم كفر مجتمعه، وسدد رميته نحو نحره، وبدد كل صلة تربطه به، وهو لا يرتجي إلا أن ‏يرى خليفته يركب فيلا أسيويا، ‏يهدم به ما تفتق عن العدد من حروف العلوم، والصناعات.‏
‏ تلك هي الفوضى التي أدى إليها هذا الخطاب المتشنج، والمسار الذي أنجزه بغلوه، وتطرفه، وهو يسيء إلى ‏الإنسان أكثر مما يحسن إليه، ‏ويضمر حقدا دفينا للمدنية، والحضارة، وكأنه أنس لطف الحياة في تخلف الديار، ‏وانحياشها إلى ما يشفي به غيرها الغلة، والوجفة، لأن هذا ‏الخطاب المُشرَّب بحب الاستئثار، والاستيلاء، ولو ‏أمر الإنسان بالقناعة، وصورها على أنها منتهى الزهادة، ونهاه عن الطمع، واعتبره ‏مورد الهلع، فهو لا يداري إلا ‏شيئا يعيش في منكوب ذاته، ويسبح في لجة اغتراره، واجتراره، وقد عبر عنه بكسب ما زهَّد فيه غيره، ونيل ‏‏سعادته بما بدده من أحزان خطواته، لأنه أيقن بأن لغة العالم صامتة إلا إذا أنطقها المال، وحركة الحياة لا تقوى إلا ‏بارتقاء درج الوجاهة، ‏والتوجيه.‏
‏ أجل، إن العلم كان رياشا حين سيقت الحضارة بما قيض لها من معارف، وعلوم، والمال كان كمالا حين انتهى ‏وجوده إلى بناء الإنسان، ‏وخدمته، ودرأ كل ما يقطع سبب الهناءة في حياته، ولكن حين غدا المترف يتحول من ‏حديقة إلى بستان، ومنها إلى نهر متدفق بالخرير، ثم إلى لحن دوي ‏على ضفاف واد رقراق، تزقزق عليه العصافير ‏الناغمة،ثم إلى راقصة سمراء تترنح على يخت مرمري، تميس عليه أشعة النجوم البراقة، فإن ‏لغة العلم المغني ‏بأمجاده، والمدوي بأصدائه، لن تكون حجابا عن سبك هذه المتعة واللذة في عقد الحياة الناعمة، لأنها في بروز ‏وجهها فاتنة، وخادعة، وأي شيء ‏لا يطيق أن ينفي غيره بذاته، فالاحتياج فيه أولى بالاعتبار، لأن ما يتقوم ‏بذاته، لا يكون تابعا لغيره إلا في باب الصلات. ومن هنا، كان ‏هذا المتهافت على رميم المعاني معول هدم، ومدس ‏خراب، وهو لا يستطيع إلا صوغ كلام يخاله حصنا حصينا، ويراه ثغرا منيعا، ولكنه في ‏كساد حظه، وبوار ‏داره، لم يحرز وميض هذا الفاتن لعقله، والمرتحل بين تواريخ الأمم، والشعوب، بل لا يراه في شح اليد إلا غصة في ‏حلقه، ‏ولا يلمسه من كمد الوجع إلا حجابا لسيره. ولذا، سرعان ما يحاول أن يتخلص منه برفض كل بريق لا ‏يعانق وجعه في عقله، ما دام لم يجد ‏طريقا معبدا لبلوغه، والتطلف معه. وهذا شبيه بذلك الذي رفض القديم ‏المحصول له بتقليد ما نشأ عليه، لأنه رأى مصطلح العلم الموسوم ‏بأكمل الأوصاف اللائقة، لم يدفع ثمن وجوب ‏الاهتداء به، وهو ما يقدمه من هدية لحماية الإنسان من الابتذال، والرقاعة.‏
‏ شيء من المنطق في هذا الكلام الذي يحكم على الأشياء بغاياتها، ويقيس الأشباه على النظائر، ويبحث عن ‏تسويغ البرهان العقلي القائم ‏عنده على تنافي المقدمات للنتائج، ولكن، هل يكفي الرفض، ثم الرجوع إلى بدائية ‏الاختيار في الميولات، والرغبات.؟ لعل اشتعال نيران ‏الذات بشهواتها، ولذاتها، لا تطفئها جبال مركبة من ثلوج ‏الأفكار، لأن ما تحتمي جمرته بالملموس، لا تحدث فيه منغصات الحيرة برودة ‏الأوصال، إذ ما تتقوم به الذات في ‏التكليف الكوني، والشرعي، هو مصارعة النقائض التي تهدم رفيع القيم، لكي يصير الكون غابة للقوي ‏على نيل ‏معشوقه، ومحبوبه. ومن هنا يحدث هذا الصراع المستوعب لكل الأفكار المتسمة بالخصائص النفسية المقوضة ‏بنواميس التنظيمات ‏الاجتماعية، وهو مجموع كل الاحتمالات والافتراضات التي يدبر الإنسان شأن التفريق بينها، ‏لئلا ينتهي به خيط الحياة إلى خلل، خطل. ‏وذلك كما يحدث عند الرافض الذي أوغل في كره ذاته المجتمعية، فإنه ‏يقع من كل المنتسبين إلى أمهم الأرض، وهم يرونها أحيانا طيعة، ‏وأحيانا عصية، فيحسون بالشقاء بين الديار التي ‏أفقرها الأمل الخاسر، وأضناها الحظ العاثر، ويشعرون بموت تتباطأ به سلسلة الأنفاس ‏بين فضاء الحياة الرحيب. ‏
ولذا، يغدو هذا وقوع الصراع ضروريا في لحن الطبيعة، وسبك الحقيقة، وتأثرُ الناس به فرضا لازما لتمام الحال ‏برسم المقام الراحل بين الأزمنة، ‏والأمكنة، لأنه هو الذي يحدد سير الرافض لما تهمس به الحياة في أذن الولهان، ‏ووجهة ذلك العاشق الذي قبل الفداء بمهجته، لكي ينال من ‏خمرتها سكرة تفتت غوله، وعشطه. وإذا كان هذا ‏حقا طبعيا تمنحه إيانا حقيقة وجودنا على هذا البساط المزركش، فإن غدونا ورواحنا على ‏سجادته، ستنطبع فيه ‏كل ألوان حقيقتنا، ونقوش عقيدتنا، وسواء قبلنا باحتمال وقوع الخطأ في عقل من رفض الحياة هروبا منها، أو في ‏جهد ‏من غمس ذاته فيها، لكي يكسب سويعة يعيشها بلا حرج، ولا قيد، أو رفضنا حدوث ذلك فيما نهديه ‏حشاشة أرواحنا، أو أنكرنا وصفه بما شاب ‏زمنُنا من أجل نفيه، ورده، فإن جهة القصد عندنا في تمام المشية، ‏هو ما نراه بريئا في صورتنا الطفولية، إذ هي ما نجري إلى بلوغ طيفه، ‏ولونه، ولولاها، لقبل كل واحد ما هو ‏جاثم عليه من عز، أو هوان، ولرفض كل هاجس يقلقه بالشكوك، والندامة. وإذ ذاك تصير عقيدة ‏التفويض ‏الجبري سلما لتسويغ الهزيمة، وتليين النكسة. ‏
وهكذا، فإن الأفعال ما هي إلا أفكار توقع حركة مشيها على الأرض، وأحلام وأوهام وحقائق تتصارع على الخلد، ‏وإذا ساعفتها سمة النفس المليحة، وحضن التربية المجيدة، كان أثرها ‏مساويا لما تطلبه كل الأفكار القويمة، وإذا ‏تشظت الذات بنيرانها، أو عصفت بها رياحها، وكان دفء المكان سخونة في النفس، وحزونة في ‏العقل، غدا ما ‏تقوم به دليلا على اختلال الميزان في كسب النسب، والعلل. ولذا كان الكاره، أو المحب، لا يضع روح فكره في ‏شيء، إلا ‏وهو مجبر على مواطأته، ومغازلته، إذ هو مطلوبه الذي لا يفجر في غوره إلا ما انطوى عليه عمقه، ‏وكان برهانا عنده، لا يقبل المتابعة له ‏بالنقض، أو الرفض، لأن الرفض قبول للفكرة ببعدها الثاني، إذ لا يتوافر له ‏مهد لولادته، إلا إذا شهد له ضده بصحة نسبه. ومن هنا، ‏فإن منطق الرفض، هو منطق القبول، إلا أن في كل ‏واحد منهما صفة، وهي المرغوبة لمن دبر الحيل، وسوغ الخداع، أو لمن أسكت ‏ضجيجه، وأرغم خواطره على ‏الصمت، والنسيان. ‏
لو كان الإنكار مثمرا لشيء يقضي بحكمه على عقولنا، وينهي حقيقة اغتيالنا بالعمر القصير، لأوجبنا على أنفسنا ‏أن نحترم من قفز إلى الأمام في معلوم الأحداث، ثم استبرأ لنا خبر ‏المجهول، وجاءنا بما يداوي أمراضنا، ويغسل ‏أدراننا. لكن ذلك لم يحدث في مقصور الزمان، ومحصور المكان، بل استحال الرفض إلى ‏عتاب لذيذ، وأحيانا إلى ‏خطاب شديد، لأنه غدا مع فجاءة الأحداث مرمى نظر من أراده أن يكون سبيلا لمنتهى الجموع. لكن أليس في هذا ‏‏ما هو كائن في غيره من دعوى الكمال.؟ إن صياغة السؤال عند البحث عن شعيرة التعقل بين الموارد، هو الربح ‏الذي نغنمه حين ندرك قيمة ‏رهاننا في كسب الحقيقة، فهل وجدنا لها بين خصوبة الأفكار بالآمال، والآلام، فنكون ‏فرادى في تقرير المصير، ووحدانا في اقتضاب الطريق ‏إلى الساعة الخالدة.؟ أم وجدنا لغيرها بالذات، فنتحول إلى ‏آلات بكماء، وهياكل عجماء، يملأ فراغ قوالبها ما صدح به المجتمع من مشاححة ‏مصالحه، ومنافعه.؟
‏ لم يكن هذا مرادا لي حين فكرت في كيفية تسويغ الازدواجية، بل الذي أحفد إليه عند إطلاق المعنى المهموس في ‏عمقي، هو إلصاق تهمة ‏وافرة بتلك العقول التي عبدت الطريق، ولكنها لم تضع عليه الصوى، والعلامات، لكي ‏يخطو السالك بخطواته بين المنعرجات بأمن، وأمان، ‏بل من شدة الذهول أن الهتاف الذي رفع عند بدايات الطرق ‏التي تمتص الأنفاس، قد تحول إلى صدى يفجع السائر إلى نهايته، فلم يدر ‏في جلبة الأحراش الغضة بلغط المتساومين، ‏هل هي صوت المتشاجرين حول البداية.؟ أم هو صدى المنتحرين في النهاية.؟ لعل جهر كثير ‏من الأبواق في ‏أوطاننا الإسلامية بالحقيقة الكاملة، هو السبب في قطع العلاقة بين الإنسان، ومعاني الأشياء، لأن ماهية معنى ‏الكلام الذي يفصح عن المقصود، ‏ليست في كثرته التي تذبل ملامحه بالعياء، بل في شدة الحرص على نفاذه إلى ‏الحقيقة، وحدة نظره في بلوغ النهاية. وهنا يكون العويل الذي ‏يضح به الركب السائرون نحو حمى الأمان، هو الألم ‏الذي يدنينا إلى تابوت الانكسار، والهزيمة، لأن فن الكلام الذي يقدس الرمز في ‏درجة من درجات عمقه، لا يتقنه ‏إلا من يفجر من صوته رغبة الاستماع إلى نصه، وفصه. وإلا، فما فائدة كثير مما يحبر، أو مما يقال.؟ لو ‏انتهينا ‏إلى إحقاق هذه التهمة، واستيفائها بالعين المرادة، فإننا سنعرف كيف يسوغ الجهادي أسباب الوأد للإنسان الحر ‏الأفعال، والأقوال، ‏ما دام ضرره لاحقا به، ولا يتأتى منه انحراف في الطريق المشترك، وكيف يحسِّن عقل الآخر ‏أمر الخروج من دائرة الأديان، لكي يرمق ‏الحقيقة فيما يبرق من حراب الصناعة، ويرعد من أعلام الحضارة.‏