الماركسية و-تشريح العقل الرعوى--4-

محمود محمد ياسين
2017 / 2 / 20

تمخض العقل اللارعوى عبر نقد العقل الرعوى عن أن " مشكلتنا" فى السودان هى ” مشكلة "سياسات"policies، وليست مشكلة "سياسة"politics حيث جاء فى أطروحة "تشريح العقل الرعوى" :” نحن نعتقد أن السياسة سوف تحل مشاكلنا، فننخرط بكثرة في الناشطية السياسية، ونهمل التفكير، ونغرق في النزاع غير المنتج.“

ولماذا تُعرض مسألة السياسة والتفكير وكأن أحدهما يستبعد الآخر (mutually exclusive)؟ كما أن المشكلة ليس فى كثرة العمل السياسى بل فى شحه كاداة لرفع وعى الناس فيما يتعلق بتنويرهم بحقيقة مشاكل مجتمعهم والشروط الموضوعية لتغييره. وعبارة النزاع الغير منتج عبارة ملتبسة؛ فلا يوجد حدث فى التاريخ لا تكون وراءه ضرورة محددة.

وإنطلاقاً من قناعة نقد العقل الرعوى بأن المشكلة فى السودان ليست سياسية فهو يذيع حلاً لها غير سياسى (apolitical)
حيث جاء فى الأطروحة المذكورة إن ”..السودان ..... تتحكم في مجريات أموره بنية العقل الرعوي. فالدولة الحديثة في السودان، لم تقم بعد. وهي لن تقوم إلا بعد أن ننجح في تفكيك وإزالة بنية العقل الرعوي التي لا تزال ممسكة لدينا بخناق كل شيء“، وإن ” ...الأمم لا تهبط في صورة موائد تنزل من السماء، وإنما تُبنى لبنةً، لبنة، بالفكر الحر، وبرسم السياسات الصحيحة، وإتباعها بالتطبيق الحرفي اليقظ، وحراستها من ارتدادات الرعوية. والشعوب تتعلم، حين تجد أمامها قادةً معلِّمين ملهمين؛ مثال: غاندي، ونهرو، ومانديلا، ومهاتير، وغيرهم.نحن بحاجة إلى انقلاب فكري، تتبعه ثورة ثقافية، ولسنا بحاجة لتجريب المجرّب، مرة أخرى.“

وهكذا فالتغيير يتوقف على مجيء قادة مربين حكماء يكونوا يقظين لمنع حدوث النكسات الرعوية. وإن ظهور مثل هؤلاء القادة كفيل بإلهام الجماهير للتخلى عن رعويتها التى تمارسها فى هدم الدولة، فبالنسبة لأطروحة "تشريح العقل الرعوى" فإن الخراب الذى يصنعه الجمهور المحكوم لا ” يملك إلا أن يصنعه، بحكم ثقافته.“

ثم ما هو المقصود بأن ” ..الدولة الحديثة في السودان، لم تقم بعد“، الحداثة تعرض هنا كمفهوم مجرد، فالفتك بالشعب فى الحداثة قد يكون أشد دموية من غيرها.

إن فكرة أن الأزمة ليست سياسية جاءت فى الأطروحة تحت النظر وكأنها مقطوعة من شجرة، فليس هناك ما يدعم إستخلاص تلك النتيجة من عرض المؤلف لتاريخ السودان على أساس أن أحداثه يحركها العقل الرعوى. الملاحظة الثانية هى الموقف المعادى للجماهير (المحكومين) وهى نتيجة منطقية إنتهت اليها الأطروحة لإعتمادها مصطلح العقل الرعوى حيث أصبح تحليل الأحداث المبنى عليه ميتافيزيقياً عاجزاًً عن إدراك كُنه تناقضات المجتمع. إن دافع الحركات الجماهيرية لا يمكن أن يفهم الا فى إطار هذه التناقضات الحقيقية وليس على التجريد المنفصل عن الواقع.

إن الجدل حول جدوى السياسة يقترب كثيراً من مناقشة البديهيات، ومثل هذه المناقشة هى من أصعب الاشياء فى الدنيا. لكن جدوى السياسة وإثبات أن حل ازمة البلاد لن يكون الا سياسياً تؤكده جلياً طبيعة المهمة الأساسية للتغيير وهى القضاء على حالة التبعية التى تفرِض على البلاد إستمرارية حالة الإقتصاد الزراعى. فإستراتيجياً التغيير يعنى الإنتقال من نمط إنتاج الى آخر: من حالة الإقتصاد الزراعى الى حالة الإقتصاد الذى يتحرر فيه القرار السيادى من التأثيرات الخارجية والقضاء على علاقات الإنتاج الشبه إقطاعية بتغيير نظام ملكية الأرض، وبالتالى توسيع دائرة الإنتاج والقضاء على الانتاج الصغير المغلق بتحويل قوى الانتاج المتخلفة الى قوى انتاج متقدمة. وتغيير نمط الإنتاج مسالة موضوعية تمليها الضرورة التى خلقتها العلاقات القديمة التى صارت عائقاً أمام التقدم. وهكذا فإن المدخل لإحداث التغيير هو وعى هذه الضرورة وليس وعى العقل اللارعوى. الحرية هى وعى الضرورة.

وهكذا فإن تحرير القرار الوطنى وتغيير علاقات الارض أمران صعبان لا يمكن حلهما بالإجراءت القانونية أو بالمواعظ بل بالعمل السياسى، وهو بطبيعته عمل معقد ما يفرض تعدد أشكاله.

كذلك يتمادى مؤلف أطروحة "تشريح العقل الرعوى" فى نقد الجمهور، كما ورد سابقاً، وهذه المرة يصف (مسيئا كالعادةً) المعارضين للنظام الحاكم بأنهم لا يعرفون شيئاً لأنهم لا يفهمون أن الشعب مثله مثل الحاكمين مصاب "بعاهة" العقل الرعوى!! فهو يكتب: ” من يفكرون في أن كل العلة إنما تكمن في الحكومة، لا غير، لا يعرفون شيئا؛ لا في علم السياسة، ولا في علم الاجتماع. فهم مندفعون، ولا يختلفون في اندفاعهم، من هؤلاء الرعاة الذين حكمونا منذ ما يقارب الثلاثين عامًا، فـأحالوا كل شيءٍ إلى رماد.“

لكن لماذا يحتج المؤلف على عدم إلمام المعارضين بالسياسة التى لا يُعوَّل عليها كما ذكر؟ وكيف يكون هو أدرى بعلم السياسة، كما ألمح فى المقتطف، وهو الذى يعتقد بان ازمة البلاد ليست سياسية؟ وأليس وصف الناس فى سياق النشاط السياسى بالجهل هو الرسوب فى أول دروس علم السياسة؟ كما أن وصم المؤلف للمعارضين بالجهل فى علم الإجتماع، يرتد عليه على ضوء إعتماده على مصطلح غائم، اُختير عشوائياً، فى مقاربة تحليل موضوع أطروحته وعدم إدراكه لابسط قواعد تصميم البيانات الخاصة بدراسة الظواهر الإجتماعية.

نواصل فى الحلقة الخامسة