الى الفلسطيني القادر على التفكير

محمود فنون
2017 / 2 / 19

هل هناك حاجة لطرح مبادرات فلسطينية؟ وذلك بعد تصريحات ترامب.
هل هناك حاجة لطرح برنامج هو عبارة عن مبادرة جدبدة ؟
فلسطين بحاجة إلى تحرير وليس لمبادرات تخدم إسرائيل
كل المبادرات ظهرت أثناء طغيان المد الرجعي العربي وليس زمن الناصرية والمد التقدمي .
قبل عام 1973م أي قبل ان تطرح الديموقراطية مشروعا للتسوية يعلن أن الهدف النهائي هو الضفة والقطاع والتنزل لإسرائيل ب 78% من اراضي فلسطين ، قبل ذلك لم يكن العقل الفلسطيني المناضل مشغولا بأية مشاريع بل لم يكن مشغولا بإرضاء إسرائيل وامريكا ، وكان يرفض أية طروحات أو مبادرات للتسوية من أي جهة كانت، ولم تكن لديه أسئلة من نوع استرضاء الرأي العام الغربي ، أو كيف نطرح طرحا منطقيا وعقلانيا ، أي كيف نطرح ما يتساوق مع النظام العربي الرسمي وترضى عنه امريكا ، ويسَهل للقيادة دخول نادي النظم العربية الرجعية .لم يكن هذا في البال.
كانت الدول العربية التقدمية هي حاضنة الثورة الفلسطينية ممثلة بمصر الناصرية والجزائر وسوريا والعراق واللتان فيما بعد أصبحتا بعثيتين وليبيا واليمن الجنوبي . وكانت المنظمات الفلسطينية كلها في هذا الإصطفاف .

كانت هذه الدول تمثل القوى السائدة في النظام العربي الرسمي وكانت تفرض إرادتها على الأغلب . وكانت هذه الدول مجتمعة معادية للإستعمار الغربي والنظام الإمبريالي الغربي ، وتقف في مواجهة النظم العربية الرجعية .
إرتباطا بذلك كانت قرارات الفصائل كل على حدة ومواقفها مجتمعة والتي تعبر عنها من خلال بياناتها الخاصة والعامة منسجمة مع هذه الروحية. إنها رأس الحربة المقبولة والمرغوبة والمدعومة من هذا الإصطفاف .

بعد انقلاب السادات الرجعي على الناصرية عام 1971م وارتهانه إلى الغرب والدول العربية الرجعية ، وبعد ان انتقل صراحة إلى نادي الرجعيات العربية مستفيدا من نتائج عبور السويس ، تعزز دور الحكومات العربية الرجعية مؤيدة من نظام السادات وتقلصت درجة العداء ، علما ان النظام السعودي وتزامنا مع عبور السويس في اكتوبر 1973م قد تزعم بشخص الملك فيصل موقف قطع النفط ووقف تصديره للغرب كما ساد صراحة في الراي العام العربي والدولي .
وفي ذات الوقت خسرت بقية الدول العربية التقدمية وزن مصر وتزعمها للحالة العربية كما كان الحال زمن الرئيس جمال عبد الناصر .
إن هذه محطة نوعية حصلت فيها انعطافة هائلة أثرت ولا تزال تؤثر على مسار الأمة العربية ومواقفها السياسية وعلىى شعاراتها التي كانت تصبغها بشكل بارز فكرة الوحدة العربية والإشتراكية والسعي الحثيث للحداثة والتقدم على الصعد الإجتماعية والإقتصادية والثقافة و ويحدوها الأمل بالمستقبل والطموح بالتحرر والإنعتاق .
هذا غرسته الناصرية وكان غرسها عاملا مساعدا للأحزاب القومية العربية مثل حركة القوميين العرب والبعث والقوى ذات الميول اليسارية كالأحزاب الشيوعية في مختلف البلدان . هذه القوى التي كانت تدشن للنضال من أجل التخلص من الإستعمار وإرثه والإنتقال إلى رحاب الوحدة الحرية في مستوياتها المختلفة، حيث جاءت الناصرية وتزعمت صنع انعطافة نوعية نحو حياة جديدة للأمة العربية جعلت مناخ التقدم مناخا مواتيا لمرحلة جديدة في حياة الأمة العربية .
في هذه المناخات التحررية ظهرت وتطورت الحركة الفلسطينية محتضنة من مصر وسوريا والجزائر أساسا ، ثم توالت الإنقلابات وصارت الحالة التقدمية التي تزعمتها الناصرية . وبالرغم من أن هذه الدول كانت تتناقض فيما بينها إل انها كانت قوة حازمة ومانعة أمام الرجعية العربية المحلية والرسمية .
وفلسطينيا : كان الموقف هو ما عبر عنه الميثاق القومي الفلسطيني والذي سمي لاحقا الميثاق الوطني الفلسطيني ، وكان الشعار هو تحريرر فلسطين وكانت فلسطين هي الأراضي التي أقام الإستعمار البريطاني عليها دولة إسرائيل التي اعلنت عام 1948م .
بعد الإنعطافة الرجعية إثر إنقلاب السادات عام 1971م والذي استثمر عبور السويس عام 1973 م لينقل ارتكازاته إلى جهة اليمين مصريا وعربيا ويفتح باب العلاقة والصداقة مع أمريكا التي كانت زعيمة القوى المعادية لمصر ، وبعد ان أصبحت السعودية ودول الخليج والرجعيات العربية لاعبا رئيسيا وموجها للسياسة العربية والمواقف المختلفة ، بعد هذا بدات المواقف والشعارات الفلسطينية تنحرف عن الأهداف الوطنية ويتم تزريق المواقف والشعارات والتنازلات وكأنها محمية بتاريخ الفصائل الكفاحي وكأن الناس لا تصدق بأن هذه تنازلات وانحرفات وبداية مسار تواطؤ جديد أوصل هذه المواقف إلى ما هي عليه اليوم .لقد انحط الحال نعم ولكن هذا ليس دافعا للتخلي عن الوطن .
تقول الروايات الشفوية بأن طرح السلطة الوطنية في دورة المجلس الوطني عام 1974م كان مرفوض من الشعبية ومن معها ممن شكلو الرفض ، بينما عليه ملاحظات من الديموقراطية وبعض أعضاء المجلس، وأن الديموقراطية طلبت إضافة عبارات على هذا الطرح كي تصوت مع فتح على الصيغة ، طلبت إضافة سلطة مقاتلة ، وقال عرفات : أضيفو مقاتلة ، مناضلة ، بالكفاح المسلح..
فجاءت الصيغة كما هي ادناه:
" 2-تناضل منظمة التحرير بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير الارض الفلسطينية واقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة( على)أي جزء من الارض الفلسطينية يتم تحريرها ،وهذا يستدعي احداث المزيد من التغيير في ميزان القوى لصالح شعبنا ونضاله"
وهكذا صوتت الفصائل المؤيدة (مع) وبرأيي هي مؤيدة مسبقا وقبل التعديل ورفضت الفصائل التي شكلت لاحقا جبهة الرفض.
إن هذا إنقلاب أسس للتراجع عن تحرير فلسطين ، وكان هذا مفهوما في المستويات السياسية الفلسطينية أنه تراجع وانحراف ،بينما تدبيجات القرارات بصيغ النضال كانت تدليسا على الجماهير الفلسطينية والتي كانت تعطي ثقتها للفصائل ولا تصدق انها تنحرف كما المريد للشيخ الصوفي وبدون مواقف نقدية سوى ما استثارته قوى الرفض وما تفاعل معه متنورون وطنيون .
إذن بدأت الديموقراطية بطرح النقاط العشرة عام 1973 م ولها قصب السبق وهي لا تزال تعتز بما فعلت ولم تكلف خاطرها مراجعة ما طرحته مع كل ما حصل بل أنها تتغذى على هذا الطرح كما لو كان ساهم في تحرير أي جزء من فلسطين . وتبعتها فتح بطرح مشروعها ، حيث طرح عرفات مطالبه في خطابه امام الأمم المتحدة عام 1974م " كما اتوجه اليكم بأن تمكنوا شعبنا من إقامة سلطته الوطنية المستقلة وتأسيس كيانه الوطني على أرضه " كان هذا في تشرين ثاني 1974م أي بعد الدورة الثانية عشرة التي تخلت فيها المنظمة عن 78% من اراضي فلسطين .
وهنا نؤكد أنه قبل مناخات الرجعية والإنقلابات الرجعية في المنطقة العربية والتي صبغت النظام العربي الرسمي ، قبل هذا لم تتقدم الحركة الفلسطينية بأية مبادرات ولا أفكار من شأنها أن تنتقص أي شيء من حقوق الشعب الفلسطيني في كامل وطنه فلسطين بحدودها الإنتدابية .
ولكن بعدها ساد هذا المناخ وأصبح المطلب الرسمي الفلسطيني هو حق تقرير المصير والعودة والدولة في الضفة والقطاع والذي تقلص إلى الحكم الذاتي المحدود والذي تقلص الآن إلى ما هو أدنى من أوسلو أو مجرد بقايا من أوسلو ويرتفع صوت قيادة السلطة مطالبا بالعودة إلى ما قبل عام 2002م أي قبل الإجتياحات التي ذهبت بمناطق السلطة .
أضيف أنه ما كان على الجانب العربي عموما والفلسطيني خصوصا التقدم بمبادرات أو تصورات للحل. المبادرات كانت ويجب أن تكون مهمة وسطاء يعبروا عن طروحات الجانب الإسرائيلي ودرجة استعداده للجلاء عن أراضي يحتلها وليس برامج التعبير عن التنازل الفلسطيني عن وطنه وعن حسن النية وتقدمات عميقة لإسرائيل .
وما دام هذا قد بدأ وتحول إلى نهج فقد تعددت المشاريع والمبادرات التي يقدمها فلسطينيون كما تعددت مبادرات الأنظمة العربية الرجعية والمستسلمة والمفرطة بحقوق الفلسطينيين دون ان تستجيب إسرائيل لشيء منها بل رفضتها جميعا ودون استثناء .
لقد أصبح الأمر وكأنه من واجب الفلسطينيين أن يتقدموا بمبادرات والتي لم تقبل منها إسرائيل مبادرة واحدة .
إن إسرائيل تستفيد من هذه المبادرات بمقدار ما هي تنازلات أساسية وعميقة من جهة وبمقدار ما هي مشاغلة وأستغراق زمن تحتاجه إسرائيل للمضي في مشروعها الإستيطاني لتهويد فلسطين كل فلسطين من جهة اخرى.
إن هذا مفهوم لطارحي المبادرات .
واليوم يتحفونا بإعلان مقتل مشروع الدولتين وبالتالي ميلاد مشروع الدولة الواحدة.
رفضت إسرائيل التنازل عن الضفة والقطاع فطرحوا عليها الدولة الواحدة " حملوه عنزة ... قال هاتوا الثانية فوقها "