الفلانتين واجيال الهزيمة

ميلاد سليمان
2017 / 2 / 19

الفلانطين.. وأجيال الهزيمة

عقب نكسة يونيو 1967، وإتباعها بهزائم سياسية واقتصادية متكررة، كانت هناك تساؤلات متكررة في معظم الأوساط الفكرية والاجتماعية عن "إحنا ليه إنهزمنا.. وليه خسرنا الحرب!؟"، وجاءت الإجابة على فم أحد مشاهير الشيوخ الذي هلل بالهزيمة معتبرًا "إن الله لا يَنصر الدولة الكافرة البعيدة عن تعاليمه والمتحالفة مع الشيوعيين الملاحدة". وتم البحث عن مثال/ نموذج يُطبق الدين وناجح إجتماعيًا وسياسيًا (هكذا!!)، فظهرت الدول النفطية لتقوم بهذا الدور، والتي سافر إليها معظم المصريين للحصول على الأموال وتجاوز صدمة الهزيمة طامحين في بداية جديدة، ونظرًا لإنبهارهم بشكل الحياة المختلفة هناك، تم في عقولهم – بوعي أو بدون وعي- الربط بين نجاح هذه الدول اقتصاديًا وطريقة تدينها وإقامة شعائرها وحدودها وحتى نظامها الأخلاقي الصحراوي المغلق، فعادوا إلى مصر من جديد، وفي عقولهم هذا "المثال" الذي يريدون تطبيقه إختياريًا أو اجباريا.
ولأن معظم العائدين من الخليج من أبناء الطبقة الوسطى والطبقة الوسطى العليا، تم انتشار هذه السلوكيات بينهم بشكل ملحوظ، فانتشر الجلباب الخليجي والعطر الخليجي وألبان الإبل في الأسواق، وكثرت حالات الإقصاء للآخر المختلف عرقيًا ودينيًا وطائفيًا، وحالات الاعتداء الجنسي والعنف ضد الأطفال والمرأة، انتفاء مبدأ الخصوصية واصبح من حق اي شخص ان يتدخل في حياة الآخرين، وارتفعت حناجر شيوخ الوهابية في المساجد التي إنتشرت بوضوح في أكثر الأحياء فقرًا وتدهورًا، وأصبح الوجه عورة والصوت عورة والضحكة بصوت عورة، والحجاب والنقاب عفة وحشمة للبنت المسلمة – بغض النظر عن مصدرهما الديني من عدمه- وتم بلورة القيم الأبوية الريفية المُحافظة ومزجها بقيم التدين الرجعية المحافظة الي أرادوا بها تحقيق إنشاء جيل "الصحوة الإسلامية" لمحاربة النظام الفكري الشيوعي وتغيير المُنكر الإجتماعي باليد ليكون أقوى الإيمان.
وبعد خلخلة بنيّة المجتمع لتكون للرجوع بها قرون إلى الخلف، وبعد تجاربفردية هنا وهناك لتطبيق النظام الجديد القديم في آن واحد، إذ فوجيء الناس بفقدان لذة الحياة وانسرابها من بين إيديهم، واصبحوا مجرد عرائس ماريونت في يد غيرهم – المُمّوِل النفطي- يحركهم كما يشاء، بدأت الإزدواجية في الظهور والطفو على السطح بشكل فج، فظهرت في الأمثال الشعبية بإعتبارها خلاصة خبرات الطبقات الوسطى والمنتجة لها والمغذية لثقافتها، والتي تم تغليفها بإطار ديني وشرعي أحيانًا، فتجد مثلا عبارة "ساعة لقلبك.. وساعة لربك" للرد على أي موقف فيه تجاوز أخلاقي، و"متقلقش.. ربك ستار حليم" في التجاوزات القانونية والأمنية، وغيرها الكثير من العبارات/ الأمثال التي تدل على حجم الكارثة التي نعيشها.
وطالما كانت السينما هي نبض الناس، والمعبر عن أحوالهم في العديد من القضايا، سلبًا وإيجابًا، فوجئنا بظهور "تيار الفنانات التائبات" وهم الفنانات الاتي اكتشفن فجأة ان التمثيل حرام، والظهور بشعرها على الشاشة تحريض على فسق، فاعتزل بعضهنّ واعلن توبة نصوح عن كل ما سبق فعله بجهالة، والبعض استمر في التمثيل بالحجاب أو الاكتفاء بعمل برامج دينية دعوية. وثم ظهرت موجة "السينما النظيفة" أي تلك السينما التي تقدم أفلام أخلاقية مثالية حالمة بدون أي لحظات حب خارج منظومة الزواج، او حب بين أديان مختلفة، او قبلات أو أحضان او نساء شعرهنّ مكشوف، وتكتفي بالوعظ التربوي المدرسي على طريقة "إغسل يديك قبل الأكل وبعده".
وحينما يأتي عيد الحب، تظهر كل هذه العُقد المتراكمة دفعة واحدة، في انتشار حالة الخوف والحقد والتربُص المُغطى بالكبت -المُعلن والمُضمر- تجاه أي لحظة حب بين شاب وفتاة، والسخرية اللاذعة والانتقاد والهجوم الذي قد يصل إلى التحرش اللفظي والاعتداء باليد حين رؤية شاب يحمل بوكيه ورد او فتاة تحمل دبدوب أحمر، ويرى الأغلبية حينها ان من حقهم أن يتدخلوا في حياة غيرهم دون أي تردد، وحينما تمنعهم او تعترض فأنت المخطيء المٌقصر رافض الإصلاح والتقويم.
ثقافتنا المكتوبة، ثقافة النص الديني، والنص حمّال أوجه، وثقافتنا المسموعة تحريض على المنابر، وإشاعات في المنازل تنتشر اسرع من الحقائق، بينما ثقافتنا البصرية اعتادت رؤية القبح وتقبلّته وارتضته ليكون هو الأصل وأي تغيير سيكون مؤقت مرفوض، لم يعد أمامنا سوى أن نعيش حياتنا الحقيقية في الخفاء، بينما نُظهر للناس ما يريدون أن يروه فينا.