مأساة اغتيال الخليفة عثمان إبداعيًا

طلعت رضوان
2017 / 2 / 17

مأساة اغتيال الخليفة عثمان إبداعيـًـا
طلعت رضوان
رغم أنّ رواية إبراهيم عيسى (رحلة الدم- دارالكرمة للنشر2016) تدورأحداثها عن مقتل الخليفة عثمان، فقد بدأتْ بشخصية عبدالرحمن بن ملجم الذى قتل على ابن أبى طالب، وأنهاها بموقف ابن ملجم (بعد اغتيال عثمان) بأنّ عليـًـا هومن سيـُـنقذ الدين من درن ظلم عثمان وسيحكم بما أنزل الله. وعندما اقترب من على قال له: أيها الإمام العادل والبدرالتمام)) (ص707) فإذا كان هذا هوموقف ابن ملجم عقب اغتيال عثمان، فلماذا تغيـّـرموقفه وقتل ابن أبى طالب؟ وكانت حجته أنّ عليـًـا لم يكن يـُـطبق شرع الله، واتهامه بالكفر(من ص9- 15)
وأعتقد أنّ ربط نهاية الرواية ببدايتها عملا إبداعيًـا لكشف (دراما) والأدق (تراجيديا) التعصب الدينى الذى امتزج بأهواء السياسة وأغراضها غيرالإنسانية، منذ مشهد اغتيال عثمان وماتلاه من أحداث. وبينما ابن ملجم لم تكن له أية أطماع دنيوية أوسياسية، بل كان شديد (الزهد) إلاّ أنه كان شديد التعصب، لدرجة تكفيركل مختلف معه حتى من بين المسلمين المُـوحـدّين مثله.
ابن ملجم شخصية ذات أهمية، فقد كتب سورة البقرة وآل عمران والنساء وحفظ القرآن كله. وكانت مهمته فى مصر(تلاوة القرآن) وعندما عرض عليه ابن عديس جارية لمؤانسته رفض ((ليكون ليل القتال فى سبيل الله تهدجـًـا وترتيلا لله. وقال ألايكفى التوق إلى حورالعين دفعـًـا للشهادة..إلخ وعندما حدث خلاف بين الزبيربن العوام وشخص يمنى قال له الزبير((من أنت يا ذبابة من ذباب اليمن لتحدثنى؟)) فكان تعليق ابن ملجم ((هل نحن فى جيش ابن العاص أم جيش الله يازبير)) وعندما كان عمروبن العاص يـُـوزع الجوارى والسبايا على جنوده، فإنّ ابن ملجم اندهش ((وقد ضاق بانشغالهم عن القرآن فى خيامهم ومعسكراتهم مع نسائهم وجواريهم)) وعندما وقع ابن العاص أسيرًا فى يد الرومان ثم أفرجوا عنه مع آخرين اندهش ابن ملجم ((من وفاء الروم بعهدهم وقال لنفسه: أهؤلاء الكفاريملكون هذا الوفاء بعهدهم فأفرجوا عن أسراهم؟)) وعندما لاحظ أنّ قادة الجيش العربى يتجاهلونه قال ((لقد اكتفيتُ بدورالمعلم الذى لايعيره أحد اهتمامًـا، فليس لى الآن سوى السيف ككل الرجال))
وابن ملجم شخصية ينطبق عليها تعبير(أصولى من الزمن القديم) فهوعندما رأى (الأقباط) يشاركون فى بناء أول مسجد بمصر((رفع عقيرته غاضبـًـا)) فردّ عليه آخر((لقد رأينا فى الأقباط بنائين شيدوا القلاع والحصون، فلم لانستعين بهم فى البناء؟)) فصاح ابن ملجم بغضب (كيف نأتى بكفارليبنوا لنا بيتــًـا من بيوت يـُـذكرفيها اسم الله وتسجد على أرضها جباه المسلمين؟) وأعتقد أنّ هذا المشهد غاية فى الأهمية عند ترجمة كتب التاريخ الجافة إلى الإبداع، وهوماوُفق فيه إبراهيم عيسى فى كل أحداث الرواية. ومن أمثلة ذلك موقف ابن ملجم الذى سمع العرب وهم يتبارزون بمناقشات حادة حول الأموال والأنعام والغنائم والنعم الدنيوية، فشعربالصدمة وأدرك أنهم ماعادوا مجاهدين فى سبيل الله، بل جباة للضرائب والخراج.
وعندما اشتـدّتْ الخصومة بين الوالى وبعض المُـعارضين لحكمه والمُـعترضين على خلافة عثمان، فإنّ ابن ملجم ((أراد أنْ يوقظ هذه القلوب الغافلة المترعة فى ترف العطايا ووارف الظل، فكانوا لايقيمون لإلحاحه وزنــًـا فينخسهم ويـُـنغص عليهم كلما رآهم فى تسلية..إلخ)) وعن موقف والى مصرالذى عينه عثمان، وموقف المُـعارضين لعثمان وللوالى، كان رأى ابن ملجم (إذا كان (الوالى) يحارب فى سبيل الله فلماذا نحاربه؟ وإذا كان يحارب فى سبيل عثمان فلماذا نمضى فى النفاق معه؟ أخبرونى يا صحابة النبى، يامن نمتم فى حجرأبى بكروعلى) ابن ملجم هنا هو(الصوت المُـنفرد) لأنه رفض المشى وراء مهاجمى عثمان، وركــّـزعلى أنّ القتال يكون (فى سبيل الله) وهومايتسق مع أصوليته. لذلك كان الرد عليه ((لاتشغلنا بضيق رأسك يا قارىء القرآن)) وقال آخر: كن معنا يامرادى (لقب ابن ملجم) أوكن مع ابن أبى سرح (والى مصر) فكان رده عليهما ((وهل أخوض حربـًـا معكم وبيننا قبط كفرة، يرفعون نفس سيوفنا بل ويقودون سفنــًـا نجهل بحرها ومخرها))
وكان ابن ملجم يعتبروالى مصرمن المرتدين عن الإسلام، فلايستطيع اطاعة أميرمرتد. وتساءل: الوالى اختاره عمربن الخطاب أميرخزانة، فهل ابن الخطاب يختارمرتدًا؟ وعندما قال له ابن عديس: أنت محشورهنا فى الفسطاط بل فى الجامع بل فى المصحف، ولاتعرف عن الدنيا إلاّدنياك. ردّ: اللهم احشرنى فى المصحف إلى يوم مبعثى. لذلك كان من المهم (أثناء تراجيديا اغتيال عثمان) أنْ يقول ابن ملجم ((كيف يسكت على بن إبى طالب على ظلم خليفة تعسّـف وتجبر؟ أهوضعف أم تواطؤ؟)) وهكذا مهـّـد الكاتب لما فعله ابن ملجم عندما قتل عليـًـا. وعندما أعجب البعض بموقف على ومساندته لصاحبه عثمان، رد ابن ملجم ((ليس للكافرصاحب.. ويحق على ابن إبى طالب أنْ ينصردين الله لا أنْ ينصرصديقه)) وبذلك تكون صورة ابن ملجم قد اكتملتْ عندما وافق على قتل الإمام على.
وأعتقد أنّ السؤال المهم الذى تطرحه الرواية، ولم يقله المؤرخون هو: هل (الثورة) ضد عثمان كانت فى سبيل الله ومن أجل الدين، أم لأغراض أخرى؟ أجاب عن هذا السؤال ابن أبى حذيفة الذى قال: سأبقى فى الفسطاط مع رجالى وأضع سيفى على كرسى عبدالله بن أبى سرح (الوالى) فمصرلنا شاء عثمان أوأبى. وهكذا فإنّ المُـبدع (يستنطق) كتب التراث، ويـُـبرز(مثل كاميرة السينما) ماسكت عنه المؤرخون.
وعمروبن العاص لم يغفرلعثمان أنه عزله عن ولاية مصر، فأراد أنْ يؤجـّـج نارالتمرد، فعمد إلى تحريض عثمان ضد المعارضين فقال له: أرى أنك لنتَ لولاتك وتراخيتَ عنهم وزدتهم غنى فى المال. كتم عثمان غضبه وقال له: يا ابن النابغة إنما هوعهدك دائمًـا، إذا وليتكَ كنتُ الخليفة العادل، وإنْ نحيتكَ فأنا الليـّـن مع أمرائى. وهكذا بصياغة إبداعية يمتزج مشهد التمهيد لقتل عثمان، بالخلافات السياسية، وتجسيد مافى صدورشخصيات ذلك الحدث الدموى الذى ارتكبه مسلمون موحـّـدون ضد خليفة مسلم موحـّـد.
وأعتقد أنّ أهم محورتطرحه الرواية هو: إذا كان عثمان ارتكب الكثيرمن الأخطاء القاتلة، باعتراف المؤرخين العرب والمسلمين، ومنها العفوعن الأشخاص الذى لعنهم النبى، مثل ابن أبى معيط فرفعه عثمان لأعلى مرتبة، وتميـّـزأقاربه إلخ، فهل ذلك يُـبرّرماحدث لدرجة منعه من الخروج من بيته ومنعه من الخروج للصلاة فى المسجد؟ ودورمروان فى إشعال الناربتحريض عثمان كى لايلبى طلبات المتمردين؟ وعندما دافعتْ نائلة عن زوجها عثمان وهاجمتْ مروان، فإنّ الأخيرقال لها ((ما أنت وذاك يا امرأة؟ والله لقد أسلم أبوك سعيًـا للمال)) فردّتْ عليه ((وأنتَ أبوك الطريد. وسيرته يعرفها عوام المسلمين)) وقالت لزوجها ((لقد سمعتُ قول على ونصحه لك بأنْ تخلع ولاتك وتستغنى عن مروان، ولكنك أطعتَ مروان وهويقودك حيث شاء فيودى بنا إلى رزية وراء رزية)) فلما سألها عثمان: ماذا أصنع يا نائلة؟ قالت ((تتبع سنة صاحبيك قبلك (أبوبكروعمر) وتعمل بنصيحة على. فإنكَ إنْ أطعتَ مروان قتلك))
تفاقمتْ الأزمة أكثربعد أنْ منع محاصروعثمان دخول الماء والطعام، لدرجة أنّ الطفلة (مريم) بنت عثمان من نائلة كانت تصرخ ((شربة ماء يا أماه)) فإذا بعلى يزيح طلحه من طريقه ويصرخ فى الوجوه القاسية ((ويحكم ياغلاظ القلوب. مارأينا هذا فى جاهلية ولا إسلام.. أتمنعون صاحب رسول الله وصهره شربة ماء؟))
ورغم شدة الحصارفإنّ عثمان تمسّـك بالخلافة حيث قال جملته الشهيرة ((والله لا أخلع قميصًـا ألبسنيه الله)) فردّ عليه (الأشتر) بل ألبسه لك عبدالرحمن بن عوف (الذى استبعد على بعد وفاة عمر) وقال الأشتر: احقن دمهم ودمك ياعثمان فردّ عثمان ((والله لوصلبونى ما أخلع نفسى يا أشتر)) (642، 643)
وصل الأمرلدرجة قذف بيت عثمان بكرات من النار، وعندما اقتحم محمد ابن أبى بكرالبيت أمسك بلحية عثمان وقال له: هل نفعك اليوم معاوية ومروان يانعثل؟ قال عثمان: ياقلبى على أبى بكرحين يعرف ماذا فعل ابنه بأخيه؟ (أى عثمان فى تشبيه مجازى) فردّ ابن أبى بكر: أخزاك الله يا نعثل. لورآك أبى تعمل هذه الأعمال لأنكرها عليك. ثم استلّ خنجرًا مسنونـًـا مُـدببـًـا من حزامه ووضعه أمام عينىْ عثمان. يريد أنْ يرى ذعره، فرأى وجه أبيه ومعه عثمان يقتربان من باب المسجد، وعثمان يُقدم تمرًا لمحمد الطفل. هذا المشهد لايكتبه إلاّ مبدع وعى أهمية توظيف التاريخ لخدمة الدراما، خاصة وقد ارتعشتْ يد محمد بعد أنْ تذكرمشهد طفولته وعثمان يعطيه بلحة، فوقع الخنجرمن يد ابن أبى بكر، وخرج مسرعـًـا ليهرب من هذا الموقف.
دخل شخص اسمه (جبلة) وقتل عثمان وهويهتف ((هى لله. هى لله)) واستمرّيطعن صدرعثمان حتى تتكسرعظامه. وكان معه شخص اسمه (كنانة) الذى خرج يـُـبشـّـرمن معه وهويصيح بفرح ((قتلنا الكافر.. قتلنا نعثل ابن اليهودية)) وعندما أراد شخص اسمه (سودان) قطع رأس عثمان ارتمتْ نائلة على جسد زوجها، فنزل السيف على كتفها.
فى الصفحات الأخيرة تفاصيل القسوة مثل التمثيل بالجثة، وسرقة بيت المال وهم يهتفون ((الحمد لله. نصرعبده وأعزجنده)) وكيف بقيتْ جثة عثمان ثلاث ليالٍ وزوجته تستغيث لتغسيله ودفنه. ولم يـُـنقذ الموقف إلا(نعثل شبيه عثمان) ورفض المتمردون دفنه فى مقابرالمسلمين، فدُفن فى مقابراليهود. وفى الصفحات الأخيرة التمهيد للمرحلة اللاحقة: من يكون خليفة المسلمين ومشاهدها الدموية. وبينما بدأ المبدع الصفحة الأولى بمشهد اغتيال على بيد ابن ملجم، كانت الصفحة الأخيرة (بعد اغتيال عثمان) وابن ملجم يتقدم نحوعلى ليبايعه ويقول ((يا أميرالمؤمنين. ارم بنا حيث شئتَ لترى منا مايسرك)) (ص708)
***