مذبحة الروبوتات

السيد نصر الدين السيد
2017 / 2 / 17

المشهد الأول
استيقظ سكان المدينة الساحلية صبيحة أحد أيام الشتاء المشمسة على صوت انفجار هائل. وتناقلت صفحات الفيسبوك الاخبار عن موقع الانفجار الذي استهدف معمل تحوتي للروبوتات المتقدمة (*) التابع للجامعة بسيارة مفخخة انفجرت امام مدخله فدمرته تماما.
ويشتهر معمل تحوتي، الذي تزين مدخله جدارية تصور الإله المصري القديم خنوم وهو يشكل البشر من طمي النيل على عجلة الفخراني، يشتهر بأبحاثه في مجال الروبوتات المستقلة التي تعتمد على نفسها ولا تحتاج لمن يوجهها. كما تحظي منتجاته، التي تأخذ هيئة إنسانية او حيوانية، بقبول واسع نظرا لكفاءتها في أداء ما يوكل اليها من اعمال. فهناك على سبيل المثال هناك الروبوت من طراز "أنوبيس"، الذي يأخذ هيئة كلاب البوكسر، ويقوم بمهام الحراسة. اما الروبوت من طراز "شبيك لبيك" فهو على هيئة امرأة باسمة وهو مخصص للأعمال المنزلية. وشراء ما يحتاجه المنزل من أشياء هو الوظيفة الرئيسية للروبوتات من طراز "أطلب تلاقي" التي تأخذ شكل شاب وسيم.
المشهد الثاني
لم يكن معمل تحوتي للروبوتات المتقدمة بالمؤسسة العادية بل كان رمزا قوميا وانجازا تفتخر به الأمة. فلقد أصبحت الروبوتات التي ينتجها وبالذات من طراز "الأسطى"، بقدراته المتنوعة من قبيل تجميع الأجزاء واجراء اللحامات وتنفيذ اختبارات الجودة، تعبئة ...، مكون لا تستغني عنه أي منشأة صناعية. وتجاوز اسهامه في ميزانية الدولة اضعاف اسهام قناة السويس والسياحة مجتمعة. لذا أثارت واقعة تدميره الرأي العام فازدحمت شاشات التليفزيون بلقاءات مع خبراء الامن والاستراتيجية وعقدت عشرات الاجتماعات والندوات لمناقشة ابعاد ما حدث، وكان السؤال الذي حاول الجميع الإجابة عليه هو "من فعلها؟" و"لماذا؟"
وتباينت الإجابات فالبعض يري انها من فعل القوى الشيعية في المنطقة خوفا من تزايد قوة دولة سنية وتعاظم نفوذها في الإقليم. والبعض الآخر يجزم ان من وراء هذه الحادثة هو الكيان الصهيوني الذي يسعى دوما لإضعاف جيرانه وجيران جيرانه حتى يضمن لنفسه البقاء. وهناك من يري انه التحالف اليورو-أمريكي الذي سعى ولا يزال يسعى لتطويع دول المنطقة بكل الطرق حتى يتمكن من استغلال ثرواتها الطبيعية.
وترتفع درجة حرارة الحوارات بين أنصار كل فريق لتدخل مرحلة جديدة يغيب فيها الهدف الأصلي عن بؤرة الاهتمام. مرحلة جديدة يتحول فيها الحوار الى سجال ليس همه التوصل الى الحقيقة بل همه الوحيد هو "هدم أفكار الطرف الآخر، ولابديل عن ذلك، ودون ذلك الحرب والخصومة والقتال" (فرحات, 1997) ص. 8).
ولا أدري لماذا يذكرني هذا المشهد بمشهد حدث منذ حوالي 560 سنة. ففي 29 مايو سنة 1454 انهارت دفاعات مدينة القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، ودخلتها جيوش العثمانيين بقيادة السلطان مُحمَّد الثاني. وبينما كانت قنابل مدافع العثمانيين تدك اسوار المدينة، كان مجلس شيوخ المدينة منهمكا مناقشة قضايا من قبيل ما هو جنس الملائكة (أهم من الذكور أم من الإناث)، وما هو حجم إبليس (هل هو كبير بحيث لا يسعه أي مكان، أم صغير بحيث يمكنه العبور من ثقب إبرة)، وكم عدد الملائكة اللذين يمكنهم الوقوف على رأس دبوس؟
المشهد الثالث
ومرة أخري يفاجأ سكان المدينة في أحد أيام الربيع بهدير عربات دفع رباعي تجوب شوارعها ويعتليها رجال ملثمين ممسكين في أيديهم بأعلام سوداء يلوحون بها وهم يهللون ويكبرون. ولم يكن يعلو على تهليلاتهم إلا اغنية "صليلُ الصوارم نشيدُ الأباة "...؟ ... ومن فترة لأخري ينبعث من مكبرات الصوت المثبتة على عرباتهم صوت صارم ينبه سكان المدينة ممن يمتلكون روبوتات بضرورة تسليمها للسلطات وان من يخالف هذا الامر سيتم ذبحه على الملأ في ميدان وسط البلد.
وعلى الرغم من إخفاء الرجال لوجوههم خلف اللثام فإن السكان تعرفوا على شخصياتهم من أصواتهم. فهذا هو صوت جار وهذا هو صوت زميل عمل اما هذا فصوت صاحب مقهى شهير ...
ويشكل الحكام الجدد فريقا لجمع كافة الروبوتات المستخدمة في المصانع والمزارع. وتنجح المهمة وتتجاوز الحصيلة عشرات الآلاف من الروبوتات وتوقف آلاف من المنشآت عن العمل لاعتمادها شبه الكامل على الروبوتات.
وتتواتر الأنباء عن القبض على كافة العاملين في معمل تحوتي من علماء واداريين وتقديمهم للمحاكمة العاجلةـ وتشكل المحكمة الشرعية العليا دائرة خاصة لمحاكمتهم. وتعقد الدائرة جلستها وتستهل اعمالها بسؤال كبير باحثين معمل تحوتي قضاة المحكمة عن سبب القبض عليهم وهنا وقف ممثل الاتهام قائلا انها تهمة "المضاهاة"، انها محاولة العاملين في المعمل التشبه بخلق الله والمضاهاة لصنعه جل وعلا، ثم نظر لكبير الباحثين قائلا: ألم تسمع بالأحاديث التالية: " أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله"، "إن أصحاب هذه الصور يُعذّبون... يقال لهم: أحيوا ما خلقتم"، "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي... فليخلقوا حبة، أو فليخلقوا شعيرة"، "من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ".
ولم يتطلب اصدار الاحكام وقتا فالتهمة ثابتة والأدلة هي آلاف الروبوتات شبيهة الانسان والحيوان من طرز "شبيك لبيك" و"أطلب تلاقي" و "الأسطى" و"أنوبيس". ويأمر القاضي الجهات المسؤولة بتجهيز ميدان وسط البلد لتنفيذ الاحكام وذلك بتقسيمه الى قسمين الأول يخصص لحرق ألاف الروبوتات المصادرة، اما القسم الثاني فيخصص لإعدام طاقم معمل تحوتي ذبحا حتى الموت.
---
(*) الروبوت Robot (الكائن/الانسان الآلي) هو آلة قادرة على التعرف على البيئة التي توجد فيها ومن ثم على الحركة فيها وتنفيذ المهام الموكلة اليها. وهناك الروبوتات "التابعة" التي يتم توجيهها عن بعد والروبوتات "المستقلة" القادرة على التصرف بنفسها دون الحاجة لأي توجيه خارجي.
المراجع
فرحات, م. ن. 1997. البحث عن العقل: حوار مع فكر الحاكمية والنقل. القاهرة: دار الهلال.