الحركة الطلابية المغربية : تشخيص حالة

التيتي الحبيب
2017 / 2 / 17

منذ مطلع سنوات الاستقلال الشكلي لعبت الجامعة المغربية دورا سياسيا وثقافيا متعارضا مع النظام وكانت مشتلا لتكوين نخب مثقفة وسياسية وكان لها دورا مركزيا في تقوية صفوف الاحزاب الوطنية المعارضة.
مع مطلع الستينات توسع هذا التأثير الى التعليم الثانوي بفعل التحاق ابناء الكادحين الواسع وبفعل تواجد اساتذة فرنسيين اغلبهم من الاوساط اليسارية الفرنسية التحقوا بالمغرب في اطار الخدمة المدنية، وبفعل تواجد اساتذة عرب من سوريا و العراق و اخيرا بفعل التحاق اساتذة مغاربة خريجي المدرسة العليا للأساتذة.
اصبح الوسط التعليمي بمرافقه التعليم الثانوي و الجامعي حاضنة انتاج المعرفة و الفكر اليساري، انها علبة تقوية وتضخيم للفكر اليساري (caisse de résonnance ) و مصدر بثه وانتشاره في المجتمع. بذلك اصبحت الجامعة تنتج المثقف العضوي وباتت مصدرا لطرح السؤال الوجودي حول حقيقة الاستقلال وطبيعة الدولة والنظام القائمين وموقع وفعل الاحزاب السياسية والنقابات. من هذا الموقع ونتيجة هذا التفاعل انطلقت دينامية اجتماعية كان لخريجي الجامعات و طلبتها دور محوري في بروز تعبيرات ثقافية وسياسية شكلت اليسار الجديد في نهاية الستينات وبداية سبعينيات القرن الماضي.
لم تتأخر ردة فعل النظام فكانت شاملة سميت بالأرض المحروقة و تجفيف منابع الفكر اليساري.بدأت بالتقليص من ميزانية التعليم وكف الاستثمارات العمومية في البنية التحتية تبعها تغيير المضامين في مقررات المواد والتخلي عن تدريس الفلسفة وإغلاق معهد السوسيولوجيا.واستقبال قطعان الاخوان المسلمين الهاربة من متابعات جمال عبد الناصر على اثر جريمة محاولة اغتياله. اطلاق اليد لتأسيس الجمعيات و المنتديات التابعة للفكر الوهابي وتشجيع الندوات والمحاضرات التي يقوم بها دعاة الفكر الاسلامي الظلامي من مهدي بنعبود والمكي الناصري وغيرهما..الى حظر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب واعتقال المئات من الطلبة والتلاميذ اليساريين و تشجيع اعضاء الشبيبة الاسلامية على الالتحاق بالجامعات و على تنظيم وتاطير الطلبة تحت رعاية اساتذة و عمادات ذات مرجعية اسلامية رجعية تولت استكمال ما بدأته الاجهزة القمعية من اجتثاث اليسار من الجامعات والمدارس العليا. بعد الاكتساح التام والشامل من طرف تيارات الاسلام السياسي والتي كانت خاضعة ومتحكم فيها من طرف النظام بدأت بوادر التململ والانفلات وسط هذه التيارات في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي بعد نجاح ثورة الخميني بإيران و انهزام نظام مجيب الله في افغانستان، وبعد التشجيع و السند المباشر الذي قدمته الولايات المتحدة لبعض هذه التيارات في الداخل و خاصة في الخارج.استشعر النظام هذا التململ فاستبق الاحداث على واجهتين الاولى فتح مفاوضات مباشرة مع طرف من الشبيبة الاسلامية عبر قناة بنكيران وأصحابه وجرها للعلنية والعمل القانوني و واجهة اخرى تسليط القمع بالاعتقالات والمتابعات في حق مجموعة ثانية ومنهم من حكم عليهم بالإعدام و السجن المؤبد وغيره.
بذلك يكون النظام قد استكمل حلقة الاستيلاء على التعليم وعلى مرافقه في الثانوي و الجامعي. وأصبحت الجامعة اساسا تلعب دورا مختلفا عما كانت تلعبه لما كانت نسبيا مستقلة وتحت تأثير اليسار القوي بارتباطاته مع الحركة الجماهيرية.وأولى هذه الادوار تم عزل الجامعة عن الحركة الجماهيرية وحرمانها من ان تستمر في لعب دور caisse de résonnance و لم يعد لمعارك الجماهير اي صدى داخل الحركة الطلابية بل لم تعد هناك اية حركة طلابية تستحق هذا الاسم.و للوصول الى هذه النتيجة عمل النظام على اضعاف اي صوت يساري و سلط القمع الاسود على التنظيمات الطلابية الجنينية و حرمها من مناضليها القدماء و من خبرتهم التي اكتسبوها. كما عمل النظام عبر التدخل المباشر وعبر بث عيونه وأعوانه داخل المدرجات وساحات الجامعات على تفجير التنظيمات وبث الفرقة والتشرذم بينها و تأجيج روح العداء فيما بينها ونفسها في ما بينها وبين مختلف التيارات المتواجدة.
ونتيجة نفخ التناقضات في صفوف الحركة الطلابية طفت على السطح ظاهرة العنف المنظم اسفر عن سقوط قتلى من كل الاطراف والتيارات. وكلما سقط قتيل من هذا الطرف او ذاك تأججت الصراعات لتزيد من التوتر وتحصد قتلى جدد. انه مأزق خطير دفعت له الحركة الطلابية دفعا قويا.فالجامعة اليوم باتت مصدرا لإنتاج القتلى والمعطوبين ضحايا نوع من حرب اهلية في نطاق ضيق متحكم في مخرجاته.
من نتائج هذه الوضعية ان هؤلاء الطلبة الشباب المنخرطين في تلك الحروب اصبحوا يحملون في ذواتهم وفي وعيهم ولاوعيهم اثار ما عايشوه وما مارسوه وما مورس عليهم من عنف.انهم هم نخب اليوم والغد.واليهم ستعود مسؤولية تسيير الحياة الثقافية والسياسية سواء عبر الجمعيات او الاحزاب.لذلك نراهم اليوم ينقسمون بشكل خطير وهو رجع الصدى لتجاربهم المريرة وسط الجامعة لن يستطيعوا الفكاك من ماضيهم وكيف يمكن ذلك وبينهم وبين الاخرين قتلى وجثث تملأ المكان والذاكرة.اننا اليوم امام مطالبات صريحة بالثأر من طرف الجميع:اليسار له شهدائه وضحاياه عند الاسلاميين وعند الامازيغيين والاسلاميين لهم ضحاياهم وشهدائهم عند اليساريين و الامازيغيين و الامازيغيين لهم هم ايضا ضحاياهم وشهدائهم عند اليساريين و الاسلاميين.اصبح الكل رهينة واقع مأزوم بالجامعة. ليس لأي طرف حتى امكانية التفكير في ما هو ابعد من كيفية تصفية الحساب مع العدو المباشر الذي هو احد هذه الاطراف المتورطة في دمه.
لو تمعنا بعض الشيء في تاريخ المغرب القريب لوجدنا نفس الوضع حين كانت القبائل تستعدي بعضها البعض وفي كثير من حالات تلك المعارك كشف الباحثون عن وجود ايادي السلطة المركزية او ايادي السلطات الاستعمارية في فترة الاستعمار المباشر.قامت حروب وعداءات بين مكونات النسيج المجتمعي وتمت الدعوة الناجحة باللجوء الى حماية السلطة المركزية التي خضع لها الجميع باعتبارها ضامنة السلام والوحدة والأمن.انها نفس السياسة المطبقة مع نخبنا الجديدة خريجة الجامعات والمدارس العليا فهي نخب متطاحنة فيما بينها ولا يهمها من يجر الخيوط ولماذا.
اعتقد انه حان الوقت ان لم يكن قد فات، من اجل اعادة تشخيص الوضعية واستخلاص ما يتوجب من اجل الخروج من ورطة ومصيدة تاريخية.فمن اجل مستقبل وطننا ومن اجل تحرر شعبنا لا محيد عن الدرس والتمحيص واستخلاص ما يجب، كيفية الخروج من هذه الازمة وبأية شروط، فذلك من شأن المعنيين المباشرين لأنهم هم من سيبني القناعات الجديدة وهم من سيطلق المبادرات البديلة والجريئة.ان خطابي موجه للجميع وبدون استثناء رغم غيرتي الكبيرة على اليسار والذي ارغب في استعادة مكانته الرفيعة في الجامعة وفي الحركة الطلابية وكلما تعافى و تقوى كلما تعافت التيارات الاخرى و حصلت فيها الدينامية المرجوة لخدمة الحركة الطلابية ونضال شعبنا.
16/02/2017