العرب وإيران..مرة أخرى

سامح عسكر
2017 / 2 / 17

تحذير.. هذا المقال قد يكون صادم للبعض، لكن مع جرأته ووضوحه يقدم معلومات مؤكدة ووقائع مثبتة وتحاليل منطقية كلها تطرح تساؤلات حرجة.. لكنها ضرورية.

مقدمة

في البداية أوضح موقفي من إيران وأن نظامها الراديكالي مرفوض، فهي وإن تميز نظامها بالديموقراطية والعدالة وتوزيع للقوى لكن تبقى مواد الدستور الإيراني 2، 5، 12، 13 هي من أسوأ مواد الدستور في العالم، من حيث تقنينها المذهبي وبخس حقوق المتدينين من غير الأديان الإبراهيمية والزرادشتية، إضافة لعدم اعترافها بحقوق الفكر والاعتقاد الشخصي لللادينيين، هذا جعل من إيران دولة قمعية ضد الأفكار وشديدة العداء لحرية الرأي..

أما مفارقة تميز نظامها بالديموقراطية وهي أن شئون الحُكم هناك تُدار بطريقة هرمية من أسفل إلى أعلى، فالرئيس والمرشد نفسهم منتخبين شعبيا، الأول مباشرة باقتراع حر ، والثاني بطريقة غير مباشرة عبر انتخاب مجلس الخبراء الذي بدوره ينتخب المرشد، حتى أن السنة مشاركين في الانتخاب بكل حرية بمن فيهم انتخاب المرشد، وفي هذه الطريقة ضمان أن يكون رأي السلطة موافق لرأي الشعب في الغالب، وهي ميزة الديموقراطية بشكل عام..

وفي تقديري أن هذا التعارض بين نظامها الديموقراطي ودستورها المذهبي والإقصائي يعود لطبيعة الشعب الإيراني أواخر السبعينات، فقد سادت في إيران مشاعر (إحيائية دينية) كالتي سادت في مصر خلال نفس الفترة، وهي ظهور حركات إسلام سياسي كحركة الخوميني، ومثلما تأثرت حركات مصر بالصراع مع إسرائيل واتفاقية كامب ديفيد تأثرت حركة الخوميني بنفس الملمح، وبقي الموقف من إسرائيل والتطبيع معها أحد المحرمات في الثقافة الإيرانية إلى اليوم

أي هذا التعارض مردود في الثقافة الإيرانية (لرأي الشعب) فهم مطمئنين أن الغالبية مؤيدة لهذا الاتجاه طالما ظلت الثورة ناجحة، أو يثبت لديهم نبل أهدافها بعداء قوى الشر معها، وقد حدث ذلك بشن صدام حسين الحرب عليهم مطلع الثمانينات بالتحالف مع السعودية وأمريكا وإسرائيل، هذا عزز من اليقين الإيراني بتحالف قوى الشر عليهم..وسيطرت مشاعر (التقديس) للخوميني ولحركته، أي كانت حرب العراق وإيران هي المحطة الأولى لإنجاح الثورة الإيرانية وحصولها على تأييد الغالبية المطلقة..

هذا الجانب مهم جدا فهمه كي نستطلع ما هي هذه الدولة ولماذا انقلب الشرق الأوسط بعد صعودها، ولماذا يعاني العرب الآن من حرب عربية عربية نتيجة توهم الاستغناء عنها أو نشر مشاعر العداء لها، وهو تصرف مرفوض كونه يعرض حياة الملايين للخطر.

انتقادات عربية لإيران

لكل فعل رد فعل هكذا تعارف الفيزيائيون حتى دخل هذا المفهوم في السياسة، يؤمن العرب في الخليج أن سياسات إيران هي السبب، ففي مصر يتهموها أنها تدعم الإخوان المسلمين لأسلمة مصر على طريقة الخوميني، وفي السعودية يتهموها أنها تدعم الانقلاب الشيعي على الحكومة، وفي البحرين يتهموها بدعم التمرد الشيعي على سلطة آل خليفة، وفي السودان والمغرب اتهموها رسميا بنشر التشيع في بلادهم

لسنا في وارد الرد على تلك الاتهامات فحتى الرد لن يكون مقنع طالما دخل الدين في السياسة..ولكن يوجد سؤالين بسيطين..الأول: ما علاقة الإخوان (السنة) بإيران (الشيعية) ؟..هذا السؤال مطروح للمصريين ولماذا ربطوا بين الاثنين وما الاختلافات وما نتائج هذا الربط؟..أزعم أن الإجابة يمتلكها المثقفون الذين يجب أن يكون ردهم خالي من العواطف أو التأثر بالمحيط الجغرافي، وما تفسيرهم لمؤتمر الاستاد الإخواني وإعلانهم الحرب على سوريا وتحريضهم على قتل الشيعة ومنعهم من دخول مصر..

السؤال الثاني: ماذا لو أعطى الخليجيين حقوق الأقليات الطبيعية؟..يعني ماذا سيحدث لو نال الشيعي في البحرين والسعودية حقه كمواطن؟..وهل الأخبار عن تجنيس طائفي تقوم به حكومة البحرين صحيح؟..وهل تمييز واضطهاد حكومة المنامة للشيعة صحيح؟..وهل فعلا شيعة السعودية محرومين من التجنيد في الجيش والشرطة؟..وهل يوجد لهم مدير ولاية أو محافظة أو منطقة؟

الإجابة على هذين السؤالين ضرورية لأنها تنزع حجة إيران في التدخل أو التحقق في صحة الاتهام من عدمه، فليس من المنطق محاسبة ناقد الظلم والتغاضي عن الظلم نفسه أو حتى الاعتراف بحقوق المظلوم..هذا يعطي حجة أقوى للتدخل حتى من غير الإيرانيين، وكم هي الانتقادات السويدية والأوروبية والأمريكية والأممية لحكومة كلا البلدين في أوضاع حقوق الإنسان، فلماذا صمتوا عن انتقادات هذه الدول والجهات بينما فسروا نقد إيران أنه تدخل غير مشروع؟؟!

أستطيع فهم هذا النقد العربي في سياقه وأن إيران أخطأت فعلا بصدور بعض التصريحات العنجهية والغير مسئولة كتصريح أحدهم مثلا أن طهران سيطرت على عواصم 4 دول عربية، أو تصريح أحمدي نجاد في 2007 بأن إيران ستملأ الفراغ الأمريكي بعد رحيلها، ومعنى ذلك أن العراقيين خلصوا من احتلال أمريكي دخلوا في احتلال إيراني..هذا مفهوم عندي وله تفسير أن القيادة ما دامت تفكر بالدين أو تخلط بينه وبين السياسة ستخطئ، وهو ما وقع فيه قادة إيران بالفعل..

الحضور الإيراني في العراق مدان ، فهو حضور يخلط بين الدين والسياسة جزئيا، وقد استغل ظهور داعش للتمدد عن طريق استخدام عواطف الشيعة العراقيين المضطهدين من داعش والإرهابيين عموما، هذا الخلط الإيراني السئ أوقع العراقيين في معادلة صعبة وهو إما الولاء لعروبتهم الافتراضية، أو لمذهبهم ..أو لطريقة إيران في تفسير المذهب، ما زالت أصداء تلك المعادلة تتردد بانشقاق شيعي عراقي حول طريقة التعامل مع هذا الحضور الإيراني، أقربها مظاهرات الصدريين ضد التواجد الإيراني في العراق، مع أن تيار الصدر أقرب التيارات الشيعية قربا من ولاية الفقيه، ففي حين يقترب من مرجعيتي النجف وقم في رفض هذه الولاية إلا أنه يطبقها على الأرض بتنصيب مقتدى الصدر زعيما دينيا وسياسيا معا..وهي نفس الفكرة التي جالت بعقل الخوميني فور تأسيس إيران الحديثة.

قلت هو خلط جزئي لأن السياسة الإيرانية الخارجية لم يُلحظ منها الانتماء للمذهب بل للأيدلوجية، وهناك فرق، فالمذهب سيحملهم مثلا على مناصرة أذربيجان (الشيعة) ضد أرمينيا (المسيحية) في إقليم ناجورنو كراباخ، لكن العكس هو الذي حدث، إيران تنتصر للحق الأرمني في الإقليم، كذلك الولاء للمذهب لن يحملهم على دعم حركة حماس (السنية) بهذه الشجاعة وبتلك التضحيات التي دفعت أمريكا لوضع إيران على قائمة محور الشر مع سوريا والعراق سابقا..

كذلك من ضمن الانتقادات هو ما يصفه بعض العرب.."باضطهاد السنة"..وفي الهوامش فيديو يبحث في حقيقة ذلك من أفواه القوم أنفسهم..فلنترك أصحاب الشأن يتحدثون..

كذلك من ضمن الانتقادات هو محاولة (تفريس) عرب الأهواز، ومشكلة الأهواز هذه لم أجد لها معنى بعد نهاية حرب صدام حسين، فهي مشكلة ناتجة عن تمدد تيار البعث العربي المتطرف في العراق بدعاية سوداء عن مظلومية شعب الأهواز، لكن بعد نهاية الحرب واكتشاف أن أكثر إيراني قتل من الجيش العراقي كان هو العربي الأهوازي رأيت بما لا يدع مجالا للشك بأن عرب الأهواز هم إيرانيين قلبا وقالبا..والادعاء بمحاولة تفريسهم هو ادعاء كيدي مبني على معلومات مضللة..

لكن نرجع ونقول أن هذه الانتقادات لا تعني (العداء) فهي تسري في المحصلة وفق نظام سياسي دبلوماسي يمكن معالجته بالحوار، وطالما لم تحرك إيران جيشها يبقى الحل سهل وعلاجه أسرع..فالعرب يعانون من عقدة فكرية وهي الخلط بين (الخلاف والعداء) فكل مخالف في التراث العربي هو شرير، كونه ممثلا إما للكافر الديني أو المعارض السياسي، وهو خلط متوارث منذ العهد الأموي الذي أحياه المماليك والعثمانيين بعد ذلك

عن نفسي لا أطمئن لأي دعوة حشد واستعداء عربية ضد أحد، ففي البحث التاريخي شفاء والإطلاع على الرأي الآخر علاج مؤلم بالكي ،وقتها أعرف أن جذور هذا الحشد (وهمية) بإسقاط ماضي سحيق على حاضر متخلف..

لا سلام بدون إيران

للمرة المليون أقلها أن هذا البلد هو (قطب استراتيجي) للسلام في الشرق الأوسط، وللأمن القومي العربي والإسلامي، فهي ليست مجرد دولة، هذه أمة وشعب له امتداد ثقافي وديني وسياسي وأيدلوجي داخل المنطقة العربية، يتأثر هذا الامتداد بفكرة الصراع مع إيران سواء على مستوى إسرائيل أو العرب، ليست كتركيا مثلا فالأتراك انسحبوا من المحيط العربي والإسلامي منذ 100 عام ومحاولات أردوجان الآن للعودة لن تؤدي إلى شئ، فالوضع تغير والمسلمون في الحرب العالمية الأولى تغيروا جذريا عن مسلمي القرن الواحد والعشرين..

إيران دولة محورية كبيرة ، وقوتها ليست فقط جيو سياسيا بل ثقافيا، من ناحية كونها أقوى دولة في خط الممانعة لإسرائيل وأمريكا في المنطقة، وهي بذلك أصبحت كعبة لكل أعداء إسرائيل وأصدقاء لفلسطين من كل شعوب العالم ، ومن ناحية أخرى هي مركز لشعوب الجنس الآري الممتد من الهند والقوقاز إلى ألمانيا ودول البلقان.

كلمة إيران نفسها تعني.."أرض الآريين"..أو.."مملكة الآريين"..وفي نصوص الفيدا الهندية تدعي أن الهند هي مركز شعوب الجنس الآري ، وبحركة نزوح قبل 4000 عام استوطن الآريون بلاد فارس ، ومنها إلى أوروبا وصولا لألمانيا، وقد اشتهر هذا الجنس عندما أشعل النازيون الحرب العالمية الثانية تحت زعم نقاء الجنس الآري وسيادته على بقية الأجناس.

أي بعداوتك لإيران تكتسب عداوة ملايين العرب من اليسار أصحاب النزعة الاستقلالية عن أمريكا وإمبرياليتها..إضافة للآريين في المنطقة وهم شعوب ممتدة في دول التماس الإيراني كباكستان وأفغانستان، لاحظ توتر علاقة باكستان بالسعودية فور قطع بن سلمان لعلاقته بطهران وإشعاله حرب اليمن، هذا أشعل النزعة القومية الآرية لدى الباكستانيين مما دفع برئيس الوزراء وقتها .."نواز شريف"..لزيارة طهران وتصريحه الشهير بأن إيران بلده الثاني تلاه وزير الدفاع الباكستاني بأن أمن إيران من أمن باكستان.

الشعب الباكستاني حسب مركز بيو للأبحاث في واشنطن هو من أكثر شعوب العالم تأييدا لسياسات إيران بنسبة 76% من الشعب رغم أن غالبيتهم سنة، يليهم شعوب لبنان وتونس وروسيا، وأضيف بعد كارثة الربيع العربي أصبحت سوريا والعراق واليمن تنافس الشعب الباكستاني، هذا يعني امتداد إيراني في دول الجوار، وقد نجحت القيادة هناك في خلق هذا الطوق الجغرافي لصد طموحات الأعداء..بل وصلت بأذرعها لأبعد من ذلك وهي دول المغرب العربي، حيث وبزيارة روحاني للجزائر بعد أيام تكون قد اكتملت حالة (السلام والوفاق مع إيران) لأبعد نقطة ممكنة عن دول الطوق المذكورة..

هذا يحصر فكرة الصراع الديني بين السنة والشيعة داخل منطقة الخليج فقط، وتكون المجتمعات هناك في خطر إذا أصرت على فكرة العداء هذه عن طريق اتهام كل شيعي بالولاء لإيران، هذا يهدم البنية الاجتماعية والثقافية ويفكك العرب إلى مجموعات طائفية معزولة، بعكس الاعتقاد الشائع عند البعض أن الحشد ضد إيران سيخوّفها ويحد من نفوذها الإقليمي..هذا غير صحيح على الإطلاق.. وقد مارسه العرب في الخليج لسنوات طويلة ولم يجنوا منه سوى الخراب وتورط دول الخليج في حرب استنزاف خاسرة في اليمن إضافة لتهديد الطائفية الشيعية في السعودية والكويت وقطر والبحرين..

أي أن المتضرر من الحشد الطائفي والمذهبي هي دول الخليج نفسها وأي دولة عربية تشارك في هذه الحماقة، وقد أكّدت هذه المعلومة في دراسات سابقة وهي:

1- التقارب مع إيران ضرورة لتفادي أي فتنة مذهبية
2- تحديات العلاقات العربية الإيرانية
3- أضواء على تصريحات مفتي موريتانيا

خصائص السياسة الإيرانية

هذه الخصائص ليست مذهبية على مستوى الخارج، بل أيدلوجية موجهة ضد إسرائيل وحلفائها، وتتعامل بمنطق (الندية) مع أعدائها الافتراضيين كالولايات المتحدة الأمريكية، وهذا يعود لما قلنا أنه تأثرا بالنزعة الإحيائية في السبعينات، وما يؤكد أن تلك الخصائص ليست مذهبية هو برنامج الخوميني نفسه، حين أعلن أن الغرب يريد التفرقة بين السنة والشيعة، وأن الحرب الدينية بين المسلمين هي هدف استعماري، وأن المستعمر منذ قديم الأزل لم يجد أكثر من بث الفرقة بين الشعوب لاستغلال ثرواتهم وتحقيق مصالحهم..علاوة على الإعلام في الداخل يهيمن عليه خطاب (الوحدة الإسلامية) وهو شعور طاغي في إيران حتى من يزر هذا البلد يلاحظ كل شئ يتحدث عن تلك الوحدة.

إسرائيل فطنت لذلك وعلمت أن هدف إيران بحشد العرب تحت مزاعم (الوحدة الإسلامية) يعني تهديدا لوجودها، فعمل اللوبي الصهيوني في أمريكا على تشكيل وإنفاذ قرارات أمريكية تتعامل مع المسلمين حسب ولائهم المذهبي، وهي بذلك رفعت نفس السلاح الديني الإيراني واستغلت ما تراه أنه نقطة ضعف إيرانية، ورأت أن أفضل من ينفذ تلك القرارات الأمريكية هي أدواتها في المنطقة وحليفتها العربية الأولى (السعودية) فتم إنشاء القنوات وضخ المليارات في الإعلام بغرض تقسيم المسلمين إلى سنة وشيعة، واتهام كل من يؤيد سياسات إيران في المنطقة أنه شيعي، رغم أن هذا التقسيم كان غير موجود في السبعينات.

نجح اللوبي الصهيوني في ذلك، وظهر بوضوح في تصريحات مسئولي أمريكا بإشاعة وتكرار لفظ (سني وشيعي) عند مخاطبة المسلمين، وبحركة لا إرادية حمقاء من ملك الأردن قال بخطورة ما سماه (بالهلال الشيعي) نسبة إلى دول (سوريا والعراق ولبنان) أي بحماقة الرجل تسبب في نفور واعتزال 70% من دول الجوار عنه حتى بات مصير الأسرة الهاشمية معلق في أيدي أمراء الخليج لأول مرة منذ الثورة العربية الكبرى في العشرينات.

وقد وقعت مصر في هذا الفخ باتهام مبارك شيعة العراق بالولاء لإيران، هنا اكتملت الطبخة الأمريكية وأصبحت المنطقة جاهزة لفصل جديد من الصراعات والحروب أشد وأعنف من ذي قبل، وبالفعل تمت ترجمته بسرعة في الفتنة الطائفية العراقية عام 2006 مرورا بالحرب على سوريا 2011 ثم أخيراً العدوان على اليمن 2015 هنا تأكد كل ما وصل إليه الأمريكان بأن المجتمع العربي هش ، وأن فكرة الصراع العربي الإسرائيلي تلاشت من الوجود وتم استبدالها بفكرة أخرى وهي الصراع العربي الإيراني أو السني والشيعي التي نعيش أحداثها اليوم، وكأن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي أعلنته كونداليسا رايس لم يغب عن الوجود.

أشير أن الأقليات الدينية في إيران تعامل باحترام خصوصا أهل السنة واليهود والمسيحيين والزرادشتيين، وفي المصادر مجموعة فيديوهات تثبت ذلك من قناة روسيا اليوم ومحطات أخرى وباحثين متطوعين، لكن هذا لا يعني حقهم في الحكم..فهي طوائف وأقليات مهمشة سلطويا حسب دستور الدولة، وفي تقديري أن التسامح الإيراني معهم من باب ما أعلنوه بمشروع الوحدة الإسلامية، إذ يتطلب ذلك الإيمان بوحدة البشر، فالإعلام هناك يؤمن بمفهوم الوحدة بمعناه الإنساني وإن خصّه على مستوى الإسلام..

هذا جعل لإيران قوة مجتمعية وتماسك داخلي، فالطوائف هناك تعيش بسلام والتحريض على الكراهية الدينية هناك ممنوع وقبيح على مستوى الشعب..

الدول الديموقراطية لا تحارب بعضها

اخترت هذا العنوان لأؤكد أن الطريق لوفاق العرب مع إيران هو تحقيق الديموقراطية في كلا الطرفين، هذه نظرية كانت تسمى قديما (بالسلام الديموقراطي) وصاحبها الأديب والفيلسوف الأمريكي.."فرانسيس فوكوياما"..وأصبحت النظرية عقيدة بمرور الوقت عند شعوب الغرب بعد شيوع كتب فوكوياما إبان نهاية الحرب الباردة..والتي تنبأ فيها بشيوع وعولمة الديموقراطية الليبرالية حقبة من الزمن ينتهي بها التاريخ، ليس نهاية أبدية ولكن مرحلية..

مع أفكار فوكوياما ظهر صمويل هنتغتون بصراع الحضارات، وقال أن الحروب القادمة ستكون أيدلوجية ثقافية ، وهذا يمثل تعارضا مع نظريات فوكوياما الذي مال للاستقرار السياسي بعد انهيار الإتحاد السوفيتي، ولكن هنتغتون كان أكثر ذكاءً فالواقع الآن يشهد بصحة نظريته، وأن الحروب الثقافية الأيدلوجية تجتاح العالم الآن خصوصا في الشرق الأوسط، وأن السياسة لم تعد تشغل هذا الحيز الذي شغلته في القرن العشرين..

من مدخل الثقافة اخترت أن أوفق بين كلمتي (صراع الحضارات) و (السلام الديموقراطي) ففي تقديري أن هنتغتون بنى فكرته حول صراع الحضارات عن العداء الثقافي وليس مجرد التباين، وإلا أصبحت البشرية كالغابة الكل يأكل بعضه بعضا، فمجرد التباين يعني قتل الإنسان لأخيه بمجرد الاختلاف، بينما العداء يعني أن المشتركات أصبحت أقل من الاختلافات بما لا يشفع لفكرة السلام نفسها، هنا يجد الإنسان في حالة صراع حتمي لافتقاره الحس المشترك، الذي قد يكون موجود فعلا لكن لا يراه أو يتوقعه..

كالخليج الآن فالواقع يشهد أن المشتركات بين الخليجيين وبين الإيرانيين أكثر من الاختلافات، فالدين واحد والإله والنبي واحد، والقرآن يُتلى في البلدين بلغة واحدة، حتى الأدب يكاد يكون واحد والقصص العربي والفارسي متشابه إلى حد كبير، بل أجزم أن أكثر من 70% من القصص العربي أصله فارسي ككليلة ودمنة وألف ليلة وليلة وحكايات جحا..وغيرها، إضافة للمشترك الجغرافي المنطقتين متجاورتين، والبعد الاقتصادي المصلحة فيه أيضا واحدة، أما الاختلافات كالمذهب والقومية والعرق هذا لا يمثل شئ أمام كل المشتركات السابقة، فالروس مختلفين مع الصينيين دينيا وقوميا وعرقيا ولغويا ، ومع أنهم جيران.. رغم ذلك لم يسجل التاريخ أي حروب بينهم سوى نزاع حدودي قصير وغير مؤثر في القرن العشرين..

هنتغتون يفترض الصراع الثقافي بمعنى تدخل عوامل أيدلوجية كاللون والعرق والدين في إشعال الصراع، وهو ما يعني أن تلك العوامل غلبت لديه عن أي مشترك آخر -كالتي عرضناها بين العرب وإيران- هنا أفهم أن المشترك مطلوب عدم النظر إليه وإهماله أو تقبيحه إذا لزم الأمر لزوم خدمة ما لاحظه هنتغتون، وفي تقديري أن مدبري الصراع بين العرب وإيران الآن يؤسسون عملهم على ما لاحظه الرجل..

وهذا يعني أن أي مشترك ديني واقتصادي وجغرافي وثقافي بين العرب وإيران مطلوب إهماله وتقبيحه، وكيفية ذلك ستكون بإعلاء وشيوع النزعات محل الخلاف وإذاعتها في الإعلام، أي مطلوب وصف إيران بالفارسية واستعراض تاريخ الفرس وأطماعهم في المنطقة مثلا، أما الأدوات فلن تخرج من تحالف (ديني سلطوي) يشيع فيه رجال الدين أن إيران دولة كافرة، وأن شعبها مجوسي..وهذه الإشاعة تكاد تكون يقين الآن عند شعوب الخليج السنية كضرورة لتحقيق نظرية هنتغتون بصراع الحضارات وما يرافقها من تقبيح وإهمال والتقليل من المشتركات.

أعود مرة أخرى لمبدأ فوكوياما بالسلام الديموقراطي ويعني أن الدول الديموقراطية لا تحارب بعضها، وفي تقديري أن هذا المبدأ به قصور أو عدم شرح وإسهاب ،فالروس مع الأوكران الآن في حرب عملية، والبلدين ديموقراطيين إلا لو قصد فوكوياما معنىً آخر للديموقراطية لا يتعلق فقط بالآليات بل بتجاوزها للثقافة، أي تصبح ثقافة كل الشعوب ديموقراطية ليبرالية، وهي ثقافة أنتجت حقوق الإنسان في الأخير، وأظن أن هذا ما يعنيه فوكوياما فالديموقراطي عنده هو المؤمن بحقوق الإنسان، والغرب بشكل عام ينظر للشرق على أنه (عدو لحقوق الإنسان)

لكن مع هذا القصور في المبدأ إلا أن قاعدته صحيحة، وهي بافتراض قصد فوكوياما بأن الديموقراطي هو المؤمن بحقوق الإنسان..تكون قد ظهرت نتيجة لدينا وهي أن (حقوق الإنسان لا تحارب بعضها) وبالتالي نكون قد استوعبنا المبدأ والنظرية الفوكويامية وربطها بنظرية هنتغتون في صراع الحضارات، وخلصنا إلى نتيجة واحدة وحتمية تقول أن العرب وإيران لكي يتوافقوا لابد أن يؤمنوا بحقوق الإنسان أولا فضلا عن وجود آليات ديموقراطية تضمن لهم هذا الانتقال..

نعم لكي يتوافق العرب مع الإيرانيين يجب أن يؤمنوا بالديموقراطية كآلية انتخاب واختيار للأكفأ، هناك في طهران محقق ذلك بشكل كبير، فالرئيس والمرشد منتخبين، ومجالس الدولة كلها منتخبة، أما حقوق الإنسان فكلا الشعبين لا يؤمنان بها، في الخليج لا حقوق للشيعة ولا البدون ولا الفرس ولا لأي معارض من أي نوع، بينما في إيران لا حقوق للسنة في حكم البلاد ولا حرية رأي لملحدين وعلمانيين، لكن تبقى إيران في الأخير أفضل في جانب عدم تشديدها لعقوبات فكرية قد تصل للإعدام، فهؤلاء شيعة لا يؤمنوا بقتل المرتد، أما في الخليج فكل معارض للسلطة معرض للإعدام بهذا الحد المشهور..

المشترك الثقافي

المكوّن الفارسي في إيران لا يمثل أكثر من 60% من الشعب ، والآذريين 20% والباقي أكراد وعرب وتركمان وبلوش، هذا التنوع العرقي أضاف لمسة تعددية للمجتمع من الداخل أكسبته بعض التواصل والاتجاهات الوحدوية، وهذا معلن كسياسة إيرانية عامة تهدف للوحدة كغرض نبيل يجمع شتات هذا التنوع العرقي، إضافة لشموله التنوع المذهبي أيضا، كان يجب على خصوم إيران استغلال هذا التنوع وتلك السياسة الوحدوية في تقريب وجهات النظر، لكن في تقديري أن المسألة أبعد من ذلك، هناك فصيلين عربي وسني متطرف يخشى الصعود الشيعي والفارسي في المنطقة، ويحارب هذا الصعود على أكثر من جبهة.

لذلك السؤال مطروح

لماذا تخافون من الفرس؟

ولماذا تتغافلون أن اللغة الفارسية مكون رئيسي لحضارة المسلمين؟..حتى أن 90% من الرواة والمحدثين في كل المذاهب كانوا من الفرس، وهذا ثقافيا يعني.."وحدة الشعور"..و.."تماثل الخيال"..يعني طريقة التفكير تكاد تكون واحدة بين العربي والفارسي، هذه النقطة بالذات لا يتطرق إليها من يدعو للكراهية والعنف ضد إيران، والسبب أن دعوته طائفية الأصل ولو تطرق إليها يعني اتهام لرموز المذهب السني بالبدعة المحدثة، وهو ما يخشى الوصول إليه كنتيجة، كوصفه للشعب الإيراني بالكفر والمجوسية، بينما يتبع رموزاً فارسية منهم كالبخاري ومسلم وأصحاب الكتب الستة بما يعني اتهام ضمني لمذهبه بالتمجس..!

معلومة: حضارة المسلمين قامت على مكون لغوي من ثلاثة لغات رئيسية هي.."العربية والفارسية والتركية"..أي أن المكونين التركي والفارسي عنصر هام في ثقافة المسلمين، وأي اتهام للترك أو الفرس هو اتهام صريح للعقل المسلم.

لذلك لا أتفهم الخوف من الفارسية والعرب يعقدون صفقات مع نظرائها في الحبشة وتركيا ..حتى روسيا والصين، هذا يدل أن التحريض قائم على أساس ديني وليس قومي أو عرقي، والتعرض للقوميات هنا مجرد ذر للرماد في العيون.

حتى الآن لم أتكلم على العامل المذهبي وكيف أن 70 مليون عربي شيعي يؤيدون إيران بوصفها أكبر دولة تحميهم من مجتمع سني متطرف، ولعدم التعميم يمكن استثناء قلة من الشيعة لا زالت لديهم أحلام البعثية الصدامية تسري بطريقها نحو الأفول، كذلك لماذا نتجاهل أن أصول شيعة إيران كانت عربية فالتاريخ يذكر أن شيعة العراق والأحساء وجبل عامل في لبنان هم من نشروا التشيع في إيران، أي أن العامل الديني هناك له خلفية عربية، وما الآثار المترتبة على هذا الإنكار سوى مزيد من العزل بين العرب وأنفسهم، لأنك هنا لا تعادي إيران كدولة ، بل تعادي شعب عربي هو صاحب الفكرة الشيعية في إيران أصلا..

إيران تمتلك حدود مباشرة مع 7 دول كبيرة هي.."العراق وتركيا وأرمينيا وأذربيجان وتركمانستان وأفغانستان وباكستان"..إضافة لوقوفها على الساحل الغربي للخليج المطل هو الآخر على 6 دول نفطية كبيرة ، هذا يجعل إيران من الناحية الجغرافية دولة هامة جدا وشعبها ممتد ومؤثر في المحيط..أمريكا تفطنت لذلك وهدف رئيسي من غزو أمريكا لأفغانستان والعراق كان حصار إيران بشكل أساسي وإفقادها ميزة التواصل مع دول الجوار، لكن لجهل بوش وقيادته بالتركيبة الثقافية للمنطقة حدث العكس..وهي إن إيران توسع نفوذها في دول الجوار بعد الغزو..حتى يمكن اعتبار أن إيران ما قبل 2003 شئ وبعد 2003 شئ آخر، وهذا التاريخ محفور في الذاكرة بسقوط بغداد ومعها كل حصون البعث المعادية للقومية الإيرانية في المنطقة.

يخطئ المصريون كذلك بالتساهل في قطع العلاقة مع إيران هذا يؤثر بالسلب على نفوذ مصر في قطاع غزة وسوريا ولبنان وهي دول –ومناطق- أقرب جغرافيا للقطر المصري ومصالح مصر هناك هي استراتيجية من جوانب متعددة كالثقافة والسياسة والاقتصاد والأمن، وبالأخص في الجانب السياسي مصر خسرت الكثير جراء هذا القطع-الغير مبرر- للعلاقة منذ عصر السادات، حتى يمكن اعتبار أن نفوذ مصر في الشام وفلسطين قبل القطع شئ وبعد القطع شئ آخر، يوجد ارتداد عكسي حسب نظرية القنفد كلما شعر بالخطر تضائل وانكمش.

ردة الفعل

من الناحية السياسية يجب تصور الوضع الإيراني الآن محليا وعلى مستوى العالم، وفي تقديري أن إيران الحالية صنعتها حقبتي رئاسة محمد خاتمي وأحمد نجاد، الأول حكم فترتين من عام 1997 إلى عام 2005 وتميز عهده بالانفتاح لنزعته الإصلاحية، لكن مع انفتاحه تم اتهامه بالفساد والقصور الاقتصادي فانقلب الشعب الإيراني لانتخاب المحافظين وعلى رأسهم أحمدي نجاد، ويبدو أن نجاد لم يفلح ما عجز عنه خاتمي بتطوير الاقتصاد فانقلب الشعب الإيراني مرة أخرى باتجاه الإصلاحيين عام 2013 بانتخاب حسن روحاني.

هذا العرض الموجز لإيران الحديثة آخر 20 عام يعني أن المجتمع الإيراني الآن يمتلك أدوات المحاسبة ولديه طاقة أمل وتحدي أجبرته على تغيير قياداته مع كل عجز أو شعور بالفشل، وامتلاك أدوات المحاسبة في العرف السياسي يعني ثنائية .."الإرادة وإمكانية التغيير"..بما يدل أن الرأي العام الداخلي هو رد فعل طبيعي على بعض السياسات، فلو نجح خاتمي والإصلاحيين لأسقطوا نجاد، وبالقياس لو بادلهم أعدائهم بالقبول لبادلوهم أيضاً بالقبول..ولا اعتبار هنا للجانب الديني الذي لا يؤثر في الداخل الإيراني كما سنشرح بعد قليل.

أّذكر هنا أيضا تصنيف جورج بوش الإبن لإيران في محور الشر بعد غزوه للعراق وأفغانستان، فماذا كانت النتيجة؟..هي تحرك المجتمع الإيراني لانتخاب محافظين متشددين، وهو إجراء دفاعي ساهم في تصدير خطاب أصولي ضد أمريكا وقتها وإعلان تحدي بلغة تهديد صريحة بقيادة أحمدي نجاد، مما دفع بأمريكا لمراجعة خطط ضرب إيران التي كانت قائمة-وقتها- على قدم وساق، فلم يكن عامل الاقتصاد وحده ما أسقط الإصلاحيين، ولكن العامل الخارجي أيضا، وبامتزاج الشعور الإيراني بضرورة التغيير السياسي والاقتصادي ظهر نجاد وقتها كبطل قومي ، وانتشر ذلك بكثرة إظهار الإعلام المحلي له كرجل فقير ومتواضع.

بالمناسبة: لو حصرنا عدد التجارب الصاروخية والإعلان عن أسلحة إيرانية جديدة بعد غزو العراق عام 2003 لوجدناها تفوق ما أقدمت عليه إيران في تاريخها كله، وهذا كان مؤشر لوصول مرحلة العداء بين إيران وأمريكا لنقطة اللاعودة ، وبقرب الصدام العسكري كان يهدد أحمدي نجاد بغلق مضيق هرمز وضرب القواعد الأمريكية في الخليج إضافة طبعا لضرب إسرائيل، كل هذا ساهم في تخفيف نبرة العداء الأمريكية لإيران وظهرت بعد ذلك تصريحات بأن العمل العسكري ضد طهران غير وارد في محاولة لتخفيف التوتر.

لكن وبعد سقوط الجمهوريين وانتخاب أوباما تغير الوضع تماما، واختفى التهديد الأمريكي، في المقابل لجأ أوباما لإنجاز اتفاق نووي مع إيران استمر طيلة سنوات عهده الثمانية إلى أن نجح فيه مؤخرا ، ومع قصور أوباما في التعاطي مع ملفات أخرى إلا أن تسجيله لاتفاق نووي مع إيران ساهم في (تبييض وتلميع) فترته الرئاسية ، بل والديمقراطيين بشكل عام.

الاقتصاد بوّابة الصمود

هذه بعض المعلومات عن الاقتصاد الإيراني يجب معرفتها على الأٌقل لتفسير كيف صمدت إيران في وجه الحصار الغربي، وللموضوعية سيكون عرض مختصر وسريع مشمولا بطرح الإيجابيات والسلبيات معا:

أولا: الإيجابيات: 1- احتياطي النقد الأجنبي في إيران 115 مليار دولار، وبعد رفع العقوبات متوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 200 مليار دولار، وهو إنجاز لشعب أن يحقق هذا الرقم في ظل الحصار

2- الأراضي الصالحة للزراعة 20% من إجمالي مساحة الدولة مليون و600 ألف كيلو متر، أي بمعدل 300 ألف كيلو متر مربع صالح للزراعة..وهو ما يقرب من 8 أضعاف المساحة المزروعة في مصر..أي أن لهذه الدولة إمكانيات زراعية خيالية فيما لو تم الاستثمار فيها بشكل مناسب

3- الصناعة في إيران متقدمة جدا، فهناك تصنع السيارات والأدوية والطائرات والسفن والأقمار الصناعية والتكنولوجيا النووية، إضافة للصناعات الثقيلة والفولاذ والبتروكيماويات والسلاح، إضافة للعمالة اليدوية وشهرة البلد في السجاد والعطور وماء الورد وغيرها..

4- الاقتصاد الإيراني من أقوى 18 اقتصاد في العالم من حيث القوة الشرائية، أو ما يعرف بالناتج المحلي الإجمالي، وفي المركز 29 عالميا بالقياس مع الدولار أو ما يعرف بالناتج المحلي الإسمي.. وهو ثاني أكبر ناتج في العالم الإسلامي بعد تركيا، إذ يبلغ تريليون 244 مليار دولار، ومتوسط دخل الفرد في العام 7 آلاف دولار وهو رقم يجعل المواطن الإيراني مؤمّن اجتماعيا واقتصاديا بشكل جيد

5- رابع أكبر دولة منتجة للنفط، والثانية في الغاز..ولديها 10% من احتياطي النفط في العالم و15 % من احتياطي الغاز العالمي..مما يجعلها دولة مؤثرة في منظمة الأوبك المصدرة للنفط، وقطب دولي يتحكم في أسعار كثير من السلع.

6- أكبر الدول في التبادل التجاري مع إيران بالترتيب.. (الصين-الهند-الإمارات-اليابان-تركيا- إيطاليا-روسيا)..وهذا الترتيب يعني أصحاب ثاني وثالث وخامس أقوى اقتصاديات العالم موجودة بزخمها في إيران، علاوة على تركيا أفضل اقتصاد للمسلمين، والأرقام دلالة أن إيران مرشحة لتكون قطب عالمي ونقطة مرور لأغلب طرق التجارة في المنطقة.

7- لديها شبكة طرق ضخمة حوالي 178 ألف كيلو متر، والسكك الحديدية 6400 كيلو متر، والمطارات 320 مما يجعل بنيتها التحتية من أضخم البنى التحتية في الشرق الأوسط..والاستثمارات تنظر أول ما تنظر على طبيعة تلك البنى التحتية ومدى أمنها واتساعها لتحقيق فائض الربح، أي أن لإيران إمكانيات استثمارية عالية تجعلها محط أنظار رجال الأعمال في المستقبل.

8- سنوات الحصار والعقوبات شجعتها على تنمية صناعاتها المحلية، فتطورت صناعة البتر وكيماويات والسيارات وأبحاث الطب والنووي والزراعة والصناعات العسكرية والإلكترونية والمركبات الفضائية، وبعد رفع العقوبات متوقع أن تنمو تلك الصناعات بشكل مضاعف، أي متوقع لإيران أن تصبح أضخم قلعة صناعية في الشرق الأوسط في غضون سنوات قليلة ، بما قد تتجاوز إسرائيل وتركيا أصحاب ذلك المركز الرفيع.

ثانيا: السلبيات: 1- في إيران السياحة ضعيفة والسبب في راديكالية الدولة بعد ثورة الخوميني 1979، إضافة لحربها مع صدام في الثمانينات، لكن إمكانيات الدولة تضعها على قمة هرم السياحة العالمي بأنواعها الدينية والثقافية والبيئية، ويدل على ذلك موضعها السياحي في زمن الشاه الذي كان ينافس أكبر بلدان العالم استقطابا للسائحين..

2- حجم البطالة مرتفع 10% وهو معدل كبير بالقياس على إمكانيات الدولة الهائلة، لكن بعد رفع العقوبات والانفتاح الاقتصادي متوقع أن ينخفض هذا المعدل إلى 5% كي يتناسب مع المعدل الطبيعي العالمي كي لا يهدد أمن وسلامة المجتمع.

بعد هذا العرض الاقتصادي يظهر أن إيران من أقوى اقتصاديات المنطقة، ولاستقرارها السياسي والأمني تصعد بشكل سريع، إضافة لأجواء الاتفاق النووي وقرار المجتمع هناك بالانفتاح على العالم كل ذلك خلق شعور بالانطلاق شبيه-إلى حد ما- بشعور اليابانيين والألمان بعد الحرب العالمية الثانية، وشعور نمور آسيا باجتياح العالم صناعيا منذ التسعينات، وقد لا تقف راديكالية الدولة في وجه تلك الانطلاقة من حيثية اعتبارها ثقافة محلية للتواصل، وفي تقديري أن الإدارة الحالية تحت قيادة حسن روحاني هي إدارة انفتاحية تعمل على تحقيق هذا التواصل بشكل جيد.

بينما العرب خصوصا في منطقة الخليج

1- الاقتصاد هناك ريعي أي يستحوذ قطاع النفط والتجارة والخدمات على الناتج المحلي ولا وجود للقطاعين الزراعي والصناعي في هيكل الدولة

2- عدم وجود الصناعة والزراعة في منطقة الخليج سيؤثر في جوانب التعليم والصحة والبطالة، والسبب في وجود فائض أيدي عاملة كبير غير منتج يستنزف اقتصاد الدولة ، بينما التعليم والصحة بالذات تحتاج لثقافة ، والعاطل عموما غير مثقف ويبحث عن أي وسيلة لإفراغ طاقته الجسمانية، فتكون النتيجة إفراغ تلك الطاقات في الصراعات الأيدلوجية والمخدرات غالبا..

3- الناتج العلمي لدول الخليج ضعيف جدا ولا وجود تقريبا لشعب الخليج في الخارطة العلمية الدولية..رغم ما تمتلكه هذه الدول من إمكانيات مالية هائلة وطاقة شبابية جيدة..لكن كل هذه الطاقة مستنفذة في الخارج وظاهرة ما تُعرف بهجرة العقول ليست حكرا على مصر..

4- انخفاض أسعار النفط هو تهديد مباشر لدول الخليج لأن اقتصاديات هذه الدول ريعية كما تقدم، والحكومة هناك تحاول علاج واحتواء هذا الخطر بزيادة الضرائب والرسوم.

5- حرب اليمن تمثل ضغط اقتصادي كبير على هذه الدول خصوصا السعودية، فهي المساهم الأكبر في الحرب، وخسائرها المالية والبشرية أعظم، فإذا قلنا أن صادرات النفط لديها 80% من الناتج المحلي فحرب اليمن تستحوذ على نسبة كبيرة من هذا العائد، وحسب مجلة فورين بوليسي الأمريكية قد تتخطى تكلفة الحرب حتى الآن 500 مليار دولار، أي ما يقرب من ثلث عائدات النفط السعودي في عامين..

6- أعلن وزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان وولي ولي العهد عن خطة انتقال للاقتصاد المحلي رأس مالها 30 تريليون دولار، وهو مشروع جيد لو تم..لكن تحوم حوله الشكوك كونه غامض وغير مطروح للدراسة بما يشي بأنه استهلاك للرأي العام الداخلي فحسب..وفي مارس 2016 أعلنت المملكة عن اقتراض 10 مليار دولار لأول مرة من 15 عام، والقرض هذا دليل على تعثر الاقتصاد وبلوغه مرحلة حرجة..

7- السياحة في دول الخليج متباينة، فالبحرين والإمارات وقطر بهم سياحة جيدة، أما السعودية والكويت فالسياحة فيهم ضعيفة إلا من يعتبر أن إيرادات الحج والعمرة تدخل ضمن هذا الجانب وفي رأيي أنها لا تدخل..فالسياحة بالمعنى الإنساني تحضر وانفتاح، بينما السياحة الدينية لا تحقق ذلك، فدول الخليج عموما فقيرة في المزارات السياحية وأماكن الجذب

يظهر من هذا العرض أن الاقتصاد الخليجي جيد ظاهريا، لكن مهدد ضمنيا، فالدول القائم اقتصادها على مصدر واحد أو اثنين تبقى مهددة، فما بالك لو دخلت هذه الدول في حرب واقتصادها بهذا الشكل؟..هذا يعني أن التهديد مضاعف واحتمالات الخسارة أرجح،والهدف من تلك المقارنة بين إيران والخليج هو محاكاة روح العصر التي تشهد بأن الاقتصاد هو المحرك الأول والأخير للدول في عصر التكنولوجيا، وأن مبدأ التواصل والانفتاح العربي الإيراني ممكن شريطة أن يعيش العرب عصرهم لا العيش بين دهاليز المذاهب وحماقات الفرق..

خاتمة

كانت توجد مشكلة بين أمريكا وكوبا ظن البعض أنها أزلية، أو هي غير مرتبطة بشخص كاسترو أو شيوعية وليبرالية البلدين، هذه مشكلة نفسية بالأصل وليست فكرية، بمعنى أنه وبمجرد إقدام باراك أوباما برفع الحظر عنها وزيارتها تبددت مشاعر الخوف، وأن الخلاف مهما كان كبيرا يمكن حله بالسلام والتواصل، رغم أن كوبا لم تعلن ليبراليتها أو أنها دفنت كاسترو تحت قمامة هافانا..ولكن جعلت من المرحوم كاسترو زعيم الأمة والضلع الثاني مع جيفارا لمقاومة الإمبريالية..

تخيل الوضع..في كوبا شعارات قومية معادية لأمريكا ورغم ذلك حدث التواصل والسلام، وفي أمريكا شعارات قومية معادية للشيوعية ولكاسترو رغم ذلك لم يضغط أحد على أوباما لمنعه من الزيارة التي لم تحدث منذ 88 عام..

فرق كبير بين القناعة والقرار، أنا مقتنع بأن إيران دولة قمعية من الداخل لكن هذا لا يعني العداء معها أو تمني قتل وتكفير شعبها، كذلك مؤمن أن السعودية دولة قمعية ومجرمة في اليمن وسوريا..لكن هذا لا يعني كراهية شعبها أو تفكك وانهيار دولتها، نحن أكثر الشعوب التي تخلط بين النقد والكراهية، فكل ناقد نظن أنه يكرهنا وهذا غير صحيح، قد يرى الناقد أشياء لا يراها غيره وهذا يتطلب التعاون معه والسماع له فالإنسان خطّاء مهما رآه الأخرون ملاكا


المصادر

1- الحركات الإسلامية في إيران..د: رفعت سيد أحمد
2- العرب وإيران مراجعة في التاريخ والسياسة..مجموعة من الباحثين، تحرير عزمي بشارة ومحجوب الزويري، صادر عن المركز العربي للدراسات والسياسة
3- لماذا رفضت باكستان حرب اليمن.. http://bit.ly/2lWbUKJ
4- أحوال الطوائف الأخرى في إيران
المسيحيون ...goo.gl/TUEMsa
اليهود...goo.gl/4rRv1o
الزرادشتيون...goo.gl/PCoVwL
المندائيين...goo.gl/N06N51
أهل السنة..goo.gl/tlLlXN
5- حال الأمة العربية 2014،2015 مجموعة مؤلفين، تحرير عليّ الدين هلال
6- إلى أين يذهب العرب ..مجموعة باحثين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر..الطبعة الأولى 2012