40 مضمون مناقشتي لمناظرة بين ربوبي ومسلم 4/8

ضياء الشكرجي
2017 / 2 / 16

40
هذه هي الحلقة الأربعون من مختارات من مقالات كتبي الخمسة في نقد الدين، حيث سنكون مع مقالات الكتاب الثاني «لاهوت التنزيه العقيدة الثالثة»، حيث تخصص ثمان حلقات لنشر مضمون مناقشتي لمناظرة بين ربوبي ومسلم، عام 2013، لكن ليس كمناقشة، وإنما كموضوع مستقل، وهي تناقش أفكار المناظر المسلم آنذاك كنموذج لهذا النوع من المحاججة عند المسلمين، دون التعميم.
دائما نرى المدافعين عن الدين يعتبرون إن وجود وحي من الله أمر ضروري، لأن الإنسان حسب دعواهم، لا يستطيع أن يميز بين الخير والشر، من غير إرشاد له من الله. وعندما يجيب بعض الإلهيين اللادينيين بأن فعل الخير واجتناب الشر الذي ينتظره منا الخالق، هو ما نستطيع أن ندركه بضمائرنا، أو فطرتنا، أو بالعقل الأخلاقي، وبأن كل إنسان سوي، سواء آمن بدين أو لم يؤمن، بل سواء آمن بالله أو لم يؤمن، عندما يخطئ بحق أحد، يشعر بتأنيب الضمير الذي يحاسبه، ويطالبه بتصحيح ما أخطأ به، أو على الأقل بعدم تكراره، لأن الإنسان السوي يشعر بمسؤوليته أن ينسجم مع القيم الأخلاقية، وإذا كان مؤمنا بالله يعي أنه مسؤول حتى عن الكون والطبيعة من حوله، لأنها تمثل هدية الخالق له، عليه شكرها بأداء حقها وحفظها. وعندما يقال للمتدينين أن الإنسان السوي بطبيعته ونزعة الخير في داخله، يكره لنفسه فعل الشر تلقائيا، فالقتل والظلم والعدوان، كل ذلك من المحرمات عقلاً، وإن انتهاءنا عن القتل، والسرقة، والكذب، والخيانة، و...، و...، كل هذا، لا نحتاج فيه لا إلى وصايا عشر، ولا إلى أنبياء ورسل، ولا إلى توراة، أو إنجيل، أو قرآن، أو سنة، ولا نحتاج فيه إلى الاطلاع على قول أو فعل أو إقرار معصوم مفترض، نبيا أو إماما، ولا إلى سيرة لسلف، صالحا أو طالحا، ولا إلى فقه فقيه، واجتهاد مجتهد، وإفتاء مفتٍ، وأدوات استنباط للأحكام الشرعية من مصادرها، من كتاب وسنة وإجماع وعقل وقياس ورأي واستحسان، ولا قواعد فقهية. وهذا كله ما تؤيده نظرية الحسن والقبح العقليين المعتمدة من المعتزلة والإمامية، وتؤيده كل مدارس ونظريات وفلسفات الأخلاق من خارج المنظومة الدينية، وتؤيده مواثيق حقوق الإنسان، والقوانين الوضعية الحديثة في الدول العلمانية. ترى الرد اللامعقول من صنف من المدافعين عن الدين، حيث يستنكرون علينا تعويلنا على الضمير وثوابت الأخلاق، بقولهم كيف تجعلون الضمير مُعادلا للميزان وكتاب الأعمال والبعث والقيامة والحساب واليوم الآخر، ونراهم كلما وضحنا لهم ما لا يحتاج إلى توضيح، يصرون على نفي الاكتفاء بالعقل والضمير. وشخصيا لطالما بينت في محاورة هؤلاء بما يكفي معنى الضمير ودوره في تقويم السلوك، دون أن يعني الاكتفاء به حصرا. ويأتينا المناظر الديني بقول لأحد أساتذة الطب النفسي المتدينين، إن أي عقار من عقاقير الـLSD أو مركبات الأفيون تؤدي إلى ذوبان الضمير، تماما في غضون أسابيع قليلة، ولا يوجد بعد ذلك أي ملامح لوخز الضمير الأخلاقي، ثم تراه يخاطب اللادينيين مستهزئا، بأن أمامك عرضا لا يُفوَّت، ذلك أن تشتري ضميرك واليوم الآخر والحساب والميزان بخمسة دولارات طبقا للعقيدة اللادينية، وتفعل بعدها ما تشاء. وليس غريبا على الدينيين من هذا الصنف وبلا تعميم، وهكذا كل أصحاب الفكر الشمولي ألا يروا الحقيقة إلا فيما يعتقدون، وهذا ما يعطيهم الرخصة الذاتية للتهكم بآراء الآخرين والتحدث إليهم بلغة استعلائية. أنا أسأل هؤلاء ماذا فهمتم من الضمير، حتى تستهزئون بهذه الطريقة من القائلين به؟ فأنتم من حيث لا تشعرون تنقضون بذلك حتى مقولات القرآن، فيا ترى ماذا تقولون عن قول القرآن «بَلِ الإِنسانُ عَلى نَفسِهِ بَصيرَةٌ، وَلَو أَلقى مَعاذيرَهُ»، فهنا ضمير يحكم على الإنسان، قبل أن يشهد عليه شاهد، أو يوقف أمام القضاء الدنيوي أو الأخروي. كما يتحدث القرآن عن أولئك «الَّذينَ يُنفِقونَ أَموالَهُمُ ابتِغاءَ مَرضاةِ اللهِ وَتَثبيتًا مِّن أَنفُسِهِم»، فهناك دافعان للإنفاق، دافع «ابتِغاءَ مَرضاةِ اللهِ»، ودافع ذاتي معبر عنه بعبارة «تَثبيتًا مِّن أَنفُسِهِم»، بمعنى من خلال نزعتهم الإنسانية، وميلهم الفطري للخير وهكذا المفهوم القرآني «النفس اللوامة»، أي المعاتبة لصاحبها، فالضمير يأمرني إذن أن أكون صادقا، أن أكون منصفا، أن أحفظ حقوق الناس، أن أفي بوعودي، أن أرعى مشاعر الناس، أن أحفظ كرامة الناس، وكم من متدين يخشع في صلاة الليل، ويذوب في خشوعه، ويصوم أكثر أيامه تقربا إلى الله تطوعا، ويحج في كل سنة، ولا ضمير له في تعامله مع الناس، فإذا كان غير المتدين أو غير المؤمن قد اشترى ضميره بخمس دولارات لشراء عقارات تميت الضمير، فثمة متدين، وما أكثر هذا النوع، يبيع ضميره بركعات من صلاة، أو تسبيحات، أو حج أو زيارة، أو لطم على الحسين، إذا كان من الشيعة، وهو من أسوأ الناس خلقا، وأقلهم مراعاة لحقوق الناس. فليس التدين وعدم التدين هو الذي يقوّم سلوك الإنسان، بل مدى ما يتحلى به كل إنسان من نزعة إنسانية، ومثل أخلاقية. فالغرابة كل الغرابة استنكار مثل هؤلاء لوازع الضمير. صحيح نحن لا ننتظر من كل شخص أن يكون مثاليا، لذلك لا بد من قانون صالح وعادل يردع المتجاوز على حقوق الآخرين، ويلزم بمراعاة الصالح العام، والقوانين الحديثة أصلح بكثير من قوانين الشريعة. أما الجزاء الأخروي فهو حسب عقيدة التنزيه حاصل لا محال بموازين الله، لا موازين الدين، فبعض موازين الدين مطابقة لموازين العدل الإلهي، وكثير منها ناقض لها بشكل صارخ لا يقبله عاقل.
ومثل هؤلاء من عادتهم عندما يرون شخصا قد زل عن الطريق، حسب تقديرهم، أو طرح تساؤلات، أو انتابته شكوك، أن يسارعوا بوعظه أن يا رجل اتق الله الذي أنت تؤمن بوجوده، ودع عنك هذه الأفكار المخزية أو ما شابه، وتب قبل فوات الأوان. ونقول للواحد من مثل هؤلاء: أنت يمكن أن تخطّئ شخصا، تراه مخطئا حسب قناعتك، لكن أن تكون أفكاره مخزية، أو يكون متبعا لوسوسة الشيطان، أو تكفّره أو تفسّقه، فهذا خلاف الاحترام المطلوب في الحوار، ولذا يمكن أن أقول للواحد من مثل هؤلاء: يا رجل اتق الله، ولا تجعل من نفسك ناطقا رسميا باسم الله، وحاوِر باحترام، كما تحب أن تحاوَر، ودع عنك هذه الأفكار الواهنة، ولا تنسب إلى الله ما يحتمل أن يكون مما لا يجوز نسبته إليه من مقولات الدين، الذي هو عندي وعند نسبة كبيرة من الذين ولدوا على الإسلام أو على دين آخر، ما هو إلا نتاج بشري، يستحيل صدوره عن الله، جل كماله، وتألق جماله، وعلا جلاله.
نرجع إلى إشكال هؤلاء على اعتماد الضمير كمقوم للسلوك، والذين ينفون قدرة الضمير أن يكون صالحا لتقويم البشر، فأقول: وهل أفلحت الأديان بالله عليكم في إصلاح وتقويم البشر؟ الذي أصلحه الدين، له قابلية أن يَصلُح أو يُصلِح أو ينصلح، كالذي أصلحته منظومة المثل الأخلاقية من خارج الدين، والذي لا يريد أن يَصلُح ويستقيم، لا يُصلِحه ولا يقوّمه شيء، لا الدين، ولا كل المواعظ الأخلاقية، ولا القوانين، ولا التخويف من العذاب الأخروي. على سبيل المثال معظم السياسيين الذين عرفتهم متدينين تدينا صادقا، عندما عُرضت عليهم الملايين الحرام من المال العام، والمنصب، والجاه، والأبهة، والأضواء، والشهرة، والامتيازات، والنساء بعقود شرعية طبعا، لم يردعهم تدينهم. لكني في نفس الوقت رأيت لادينيين وملحدين بقوا في غاية النزاهة. أما رد بعض هؤلاء أن تاريخ البشرية والحضارات والدساتير لم تعرف أن أحد المُشرعين اعتمد على الضمير في تقويم سلوك البشر، فأقول إنهم لا يدركون أن هناك موضوعين منفصلين، فنحن نقول الضمير هو الرقيب الذاتي والمقوم الذاتي للسلوك، وليس بالضرورة الدين، أما القانون فهو أمر ضروري لحفظ الصالح العام والحقوق العامة لأفراد وجماعات المجتمع، لكوننا لا نضمن أن يكون كل الناس مثاليين وأصحاب ضمير حي ورادع، كما إن الدين فرّق بين الرقابة الدينية الذاتية المعبر عنها بالتقوى، وبين التشريعات التي وضعها الدين كرادع لمن لا يتحلى بالتقوى بما يكفي كي يردعه عن عمل السوء، علاوة على أنه وضع رقابة من المجتمع المتدين بما يعرف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي أضر استخدامها أكثر بكثير مما نفع. فلتقويم السلوك تتضافر عدة عوامل، مدنيا أو قل لادينيا: الضمير، القانون، الأخلاق، التوعية القانونية، التربية الأخلاقية، الرقابة المجتمعية، وفي الدين هناك التقوى، وتشريعات الشريعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إذن الدين لم يكتف بإقناع المؤمن بوجود الحساب والجزاء من ثواب وعقاب، وبوجود جنة ونار، بل وضع ضمانات متعددة للسلوك السليم، من منظوره هو، أي من منظور الدين، الذي يعتقده المتدينون أنه من منظور الله، ومع هذا أخفق الدين غالبا في جعل الأكثرية من أتباعه، بل الأكثرية من متدينيه أصحاب سلوك مستقيم، فالتخويف بنار جهنم لم يستطع تقويم سلوك المؤمنين بنار جهنم.
والدينيون من عادتهم أنهم اقتنائيون في ما يتعلق بالأبحاث والمراجع العلمية، يرفضون ما يتعارض مع ثوابتهم ويسارعون لالتقاط مع يؤيد بعض مقولاتهم، فهم من أجل أن يستشهدوا على رادعية الوعيد بالعقاب الأخروي، يقول بعضهم إن أبحاثا علمية أثبتت أن العقاب هو المانع الوحيد - مع التحفظ على "الوحيد" - للدوافع الشر. فأقول لنفترض صحة هذا القول، لكن هذا لا علاقة له بدعم النظرية الدينية، فيما يتعلق الأمر بالعقاب الدنيوي، من أجل ردع ميتي الضمير والأنانيين من التجاوز على حقوق الآخرين، وضعت القوانين الرادعة، ولا حاجة لشرائع الأديان غير المنسجمة مع روح العصر. أما بالنسبة للثواب والعقاب الأخرويين، فإن الله حسب فهمي ليعطي الثواب لمن أحسن من موقع القناعة، واجتنب الإساءة من موقع الضمير الحي والرقابة الذاتية، أكثر من إثابته لمن ارتدع خوفا من ناره أو طمعا في جنته. فدعواكم بكون العقاب هو المانع الوحيد للدوافع السيئة، ينفي الواقع فاعليته، وبعيدا عن التنظير المجرد، يقول لنا الواقع والتجربة الإنسانية أن التدين لم يكن رادعا إلا عن الزنا وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ولم يردع عن التجاوز على حقوق وكرامات الآخرين، والغش والاحتيال. فالسيئون كانوا من كل الأوساط، الإلهية والملحدة، الدينية واللادينية، المتدينة واللامتدينة، المسلمة والمسيحية وغيرها، كما كان الطيبون في كل هذه الأوساط وغيرها. وتاريخ البشرية كله، وتجربة كل منا في حياته أثبتت صدق ما أقول، ولكن السيئين من الدينيين المتدينين يحاولون أن يضفوا على سيئاتهم مسحة دينية وغطاءً شرعيا، فتصبح سيئاتهم مقدسة ومرضية من الله، تعالى الله عن ذلك، بينما سيئات غير المتدينين تبقى مدنسة ومحتقرة، والإنصاف والقسط يجب أن يوحد النظرة المحتقِرة للعمل السيئ، ولعلها تكون أكثر احتقارا، إذا صدرت من المتدين، لأنه يفترض به أن يكون سلوكه منسجما مع ما يحبه الله ويرضاه. أما عن استشهادهم بعدم تعويل الدساتير والقونين الوضعية على ضمير الفرد، لأنه يستحيل أن يتم التعويل عليه في التشريعات، ويذهبون إلى دعم مقولتهم بقول بعض الباحثين بأن هناك قوة بيولوجية نفسية داخل الفرد تستحثه على القيام بنشاط معين، لإشباع أو إرضاء رغبة محددة، كما إن هذه القوة تستمر في دفع الفرد وتوجيه سلوكه حتى يُشبع رغبته هذه، مهما كانت سيئة، وكون هذه القوة البيولوجية تشمل جميع أنواع الشهوات، والشهوة أمام الدافع والحاجة والتوتر والحافز والمثير تتحول إلى فيضان كاسح، وساعتها لا ينفع الضمير ليشكل وازعا، فأتصور أني قدمت إجابات واضحة بهذا الشأن، وكيف أن التدين أيضا لم يكن وازعا، إلا ما ندر. ثم إن من يحتج بمثل هذه الحجج، ويلغي أي دور للضمير، فإنه يقع من حيث لا يشعر في مطب كارثي، إذ أنه يدين نفسه بالاعتراف بأنه إنسان شرير، لولا إن خوفه من العذاب في نار الإله الديني هو الذي يحبس شره، والذي يعترف بأنه لا يوجد رادع يردعه عن الشر إلا سيل لعابه على ملذات الجنة وارتعابه من عذابات الجحيم. فأي إيمان هذا؟ وأي عجز للدين عن صياغة الإنسان وتنمية إنسانيته، بحيث لا يجد وسيلة إلا الترغيب والترعيب؟ نعم، أقول العدل الإلهي المطلق في ثمة حياة بعد هذه الحياة، التي تؤمن بها عقيدة التنزيه، والجزاء الإلهي القائم على موازين ذلك العدل لا تستوجب وجود يوم آخر، أو بعث، أو يوم قيامة، ثم حساب، بل يمكن أن يكون على وجه آخر، لا نحتاج إلى أن نعرف تفاصيله، وتفاصيل الجزاء، بل تكفينا معرفتنا بالدليل العقلي، أنها بموازين العدل المطلقة. ودائما يستغربون منا، نحن المؤمنين بالله من اللادينيين، كيف يمكن لنا أن نتقبل فكرة أن الله لم يخبرنا، أموجود هو أم لا، ولم يخبرنا ماذا ينتظر منا وعماذا ينهانا. فأقول لهم وأين هو الدليل العقلي على وجوب الإخبار؟ كل إنسان صاغت شخصيته مجموعة عوامل، واشتملت بالتالي شخصيته على عناصر قوة وعناصر ضعف، على نوازع خير، ونوازع شر؛ كل ذلك صاغته مجموعة عوامل؛ منها العوامل الوراثية (الجينات)، الأسرة والتربية، البيئة الاجتماعية وتأثيراتها، حتى الحالات النفسية لأمه أثناء فترة الحمل، كل الظروف التي مر بها، مدى قدراته الذهنية، ذكاءه أو غباءه، وملكاته وقابلياته، ما يميل إليه، وما ينفر منه، مدى وعيه لكل ذلك، مدى قوة أو ضعف الإرادة عنده، عناصر الجبر، وعناصر الاختيار في شخصيته، وفي سلوكه، وفي كل فعل زاوله، وكل ترك، والظرف والمؤثرات ومدى الوعي والإرادة والحالة النفسية في لحظة الفعل والترك، والله محيط بكل تلك الحيثيات، ما ظهر منها وما خفي، وهو أعدل العادلين وأرحم الراحمين، وبالتالي وحده الذي يقدر الجزاء المناسب لكل إنسان، وهذا لا يحتاج إلى إخبار أو إبلاغ. نعم الإخبار ليس ممتنعا عقلا، إذا ثبت فبها، لكنه أيضا ليس واجبا عقلا، حتى ليس بواجب كمقدمة لازمة لتحقق العدل الإلهي الواجب عقلا. إذن إذا كنا متيقنين من تحقق العدل الإلهي المطلق، فما لنا والتفاصيل، التي لا ينفعنا العلم بها، ولا يضرنا جهلها، ولماذا يجب أن يخبرنا الله بها؟ فإذا ثبت لشخص ما أن عشرات وربما مئات الأدلة تؤكد عدم جواز نسبة كتاب ما إلى الله، فكيف يمكن له أن يعوّل على ما أخبر به هذا الكتاب؟ كثيرة هي التصورات عن الجزاء والحياة الأخرى، فهناك مقولة بالتناسخ، شخصيا لا أؤمن بها، وهناك مقولة بوحدة الوجود الممكن بواجب الوجود، وكلها أبحاث لا جدوى منها برأيي. والدين طرح تصورات مؤسسه أو تابعيه من علماء وأحبار. فلماذا يجب أن يلتزم من لا يرى إمكان نسبة كتاب ما إلى الله بتصورات ذلك الكتاب؟ لماذا لا تلتزمون مثلا بكتاب بوذا، أو كانت، أو هيڠل، أو ماركس، أو إفلاطون، أو سپينوزا، أو سارتر، أو ...، أو...؟ فبالنسبة لنا لا يتميز الكتاب الذي تريدون أن تلزمونا عن أي مما ذكرت. في أي كتاب يمكن أن نجد ما ننسجم معه، وما يكون لنا فيه رأي آخر، ليس من موقع اتباع الهوى، بل من موقع المعرفة والوعي والقدرة على التقييم والمنهج العقلي المتبع من قبلنا. فأين الغرابة في كل ما يعبر مثل هؤلاء عن استغرابهم من عدم إيماننا بإخبار الله لنا عما بعد هذه الحياة؟ أقول لهم: الله أعظم وأحكم وأجل وأعدل وأرحم وأجمل وأنزه من كل ما عرضته به الأديان، فاتقوا الله الذي أنتم به تؤمنون، ونزهوه عما لا يليق به، ولا تعبدوا دينكم من دونه، من حيث لا تشعرون. لكن أرجع وأقول، وهذا ما يميزنا عنهم، مع هذا ليست لنا مشكلة في أن تبقوا على الخطأ الذي أنتم عليه حسب تقديرنا، ودعونا على الخطأ الذي نحن عليه حسب تقديركم، والذي لا نقول أنه الصواب المطلق، إلا أن قناعتنا أنه أصوب مما أنتم عليه، وأنا على يقين، إن الله لن يعاقبكم على خطئكم، ولن يعاقبنا على خطئنا، ما زال خطؤنا وخطؤكم ناتجا عن قصور منا ومنكم، وليس عنادا ولا مخالفة للحق، ولا اتباعا للهوى، فالله أعلم بأنفسنا، فلا يُنصبنَّ أحدنا نفسه في مقام الله، فيقيم للآخر قيامته ليحاسبه، فيثيب أو يعاقب، فهذا ليس شغلنا، بل شغل الله، فلندع لله شغله، ولا ننازعنَّه فيه، أو نعيننَّه عليه، فهو في غنى عن عوننا.