التجربة الدينية بين مركزية المدنس و تهميش المقدس :

محمد ادريسي
2017 / 2 / 13

التجربة الدينية بين مركزية المدنس و تهميش المقدس :
في محاولة لاستقراء واقع عالمنا اليوم، و استنباط القضايا و المشكلات التي يعيشها الإنسان من حروب و عنف و قتل للأبرياء و أنانية بلغت عنان السماء، أبحث عن الأسباب الخفية وراء ذلك، وأجدني حائرا تائها أفتقد إلى المغامرة في تحديد القاعدة الأساسية التي دفعت بالبشرية إلى الانحدار انحدارا مدويا على المستوى القيمي إلى مستوى الحيوان، و كأن العالم اليوم عاد إلى حالة أشد فوضى و أنانية من الحالة الافتراضية التي نادى بها " جون جاك روسو" أقصد حالة الطبيعة التي لا مجال فيها إلاّ للأقوى و الغالب، أو كأنّ الشر أصبح مركب جيني في الطبيعة البشرية، و طبيعة هذه الشرانية تكثر التأويلات حولها، فهناك من يرى أنها منغرسة في الطبيعة الإنسانية بالفطرة و هذه الفكرة تطرح مشاكل على المستوى الديني خاصة عندما يتعلق الأمر بالصراع بين المقدس و المدنس، و هناك من يرى أنها ناتجة عن سوء استخدام للحرية، وهذا يضع الذات بين مثابتين، أقصد بين الهزات السيكو-نفسية التي تعيشها ، وبين المجال الواقعي الذي يحتضنها و تحتضنه، و في ظل هذه الوضعية يمكن العودة إلى الروحانيات، و إلى المجال الديني، باعتباره يعبر عن مجال خصب لمعالجة القضية الأساس القائلة ب " أن الشر و الخطيئة الأولى ذات طبيعة دينية، وأنّ الصراع القائم اليوم بين الأمم، هو صراع مذهبي ديني في الأساس" ، و بين هذا وذاك يمكننا التساؤل : عن طبيعة العلاقة بين الشر و الحرية؟ و طبيعة العلاقة التي تجمع بين الدين الطبيعة الإنسانية ؟ ألا يمكن ان نتحدث عن فلسفة الدين دون الحديث عن الخطيئة الإنسانية؟ و كيف يمكن أن نقارب فلسفيا بين وجود الشر في الطبيعة الإنسانية، وبين المقدس؟
للإجابة على هذا التساؤل حاولت أن أقارب الموضوع من زاوية فلسفية، و ذلك من خلال المحاور التالية :
1. الحرية الدينية بين طوم الأكويني و إ.كانط.
2. الوحي و العقل أيّة علاقة ؟
3. الإنسان بين المقدس و المدنس.
4. معقولية المحرم في العالم.
5. الثورة على المقدس.
- الحرية الدينية بين طوما الاكويني،و كانط:
يتساءل الاكويني ، هل يمكن للإنسان أن يتجنب الشرور دون عطاء إلهي(نعمة)؟
Thomas demande « si un homme peut éviter la mal son la grâce »
بمعنى هل يمكن للإنسان أن يتجنب القيام بالشر دون معونة إلهية، و يقوم بالخير فقط، هذا المشكل هو دو طبيعة لاهوتية محضة و لها من الأهمية ما يكفي حتى يمكن أن تدرج في المشكلات المتمثلة في علاقة الله بالبشرية، يقول الأكويني: " صحيح أنّ أفعالنا الجيدة تأتي من الله، فالقاعدة تبقى هي نفسها سواء تعلق الأمر بالإرادة او بالفعل فهي على السواء، ذات مصدر إلهي، لأنه هو الذي يهيئ الإرادة فينا"
فالله هو الذي يحرك الإنسان نحو الخير من خلال العناية و الخير المنغرس في إرادة الإنسان" بمعنى أنّ الاستعداد الإرادي للإنسان المدفوع دوما نحو الخير هو ما يجعل الإنسان يسلم أن هناك إله خير هو الذي يمنح الإنسان هذا السعي نحو تحقيق السلوكات الخيرة، يقول الأكويني: " فالإنسان إذ لم يستطع إزالة الشر من طبيعته، دون عطاء إلهي(نعمة) فهو ليس حراً "  لأن أوغسطين ينظر إلى الإنسانية كقوة لعينة une massa damnata"، بمعنى أنّ كل المشكلات التي يتخبط فيها الإنسان اليوم هي ناتجة عن الخطيئة الآدمية الأولى، و لا أحد يمكنه أن يتحرر من هذه العقوبة، فالفكرة المركزية في فكر أوغسطين هي أنّ كل بني ادم وقعوا في مملكة إبليس، لأنّهم يشتركون في نفس واحدة، و مع ذلك يقر بأنّ:" من لم يستطع فعل هذا فهو عبد للخطيئة و الشر" بمعنى من لم يستطيع ان يتخلص من الشر دون معونة إلهية فهو حتما يبقى عبد لهذا الشر، لذلك عليه أن يتخلص منه من خلال إرادته، و نفس الأمر ينطبق على السلوك الخير ، إذ يجب على الإنسان أن يقوم بالخير بشكل طبيعي دون أية معونة إلهية" فالمسلمة التي من خلالها يقوم بالخير أو الشر هي قوة مستقلة عن أي تدخل خارجي" ، بمعنى أن الطابع الذاتي، و الإرادة هي المسلة العليا التي توجه سلوكاتنا. الآن و قد ثبت أنّ الإنسان له حرية الاختيار دون أي عون إلهي، لأنه ضمنيا إذا انتظر العون الإلهي سيكون عبدا خاضعا للشر، و هذا ما يجسده الحوار الإلهي الآدمي، و الذي يركز على مدى انعكاس طاعة الإنسان لحكم الله، لأنّ القرار الذي سيتخذه الإنسان أمام السلطة الإلهية هو الذي سيحدد طبيعة الإيمان:" بإمكانك أن تأكل من جميع أشجار الجنة، لكن إلاّ شجرة معرفة الخير و الشر فلا تأكل منها" ، هذا التحذير يأخذ قيمة سلطوية، و هو ما دفع بآدم و حواء بمعارضة هذه السلطة، فطاعة الإنسان تستند على الثقة في الكلمة الإلهية، و طاعة الوصية الإلهية كان ضرورة حتى تبقى الطبيعة البشرية طاهرة من الشر، و كما نعلم أن كل مخالفة للقانون تستوجب العقاب، لذلك قال الله:" يوم تأكلان منه موتا تموت" car le jour où tu en mangeras, tu mourras de mort، هذه الرؤية هي مسيحية المنشأ، و الموت المقصود هنا ليس الموت الجسدي أي انفصال الروح عن الجسد و إنّما موت روحي.
لذلك فالحرية حسب التصور المسيحي تجد أساسها في طاعة القانون الجديد، و ظهور المسيح إلاّ من أجل تحقيق القانون.
إنّ سبب الشر في الإنسان هو عدم التوافق بين قوة الحساسية [ أي الجسد ] وبين قوة العقل، عدم التوازن بين هاتين القوتين ، وغياب قدرة في التحكم في رغبة الجسد بما هو حامل للميولات و النزوات الطبيعية ، لكن هذا لا يعني أن الشر الجدري هو ترجمة لميولات الإنسان و نزواته على مستوى الطبيعة الإنسانية، على اعتبار أنّ الشر كوني لا يقتصر على إنسان دون آخر، و الذي يفسر أنّ الشر ليس محمول في الميولات بل على الميل الغريزي، هو أن الشر موجود في كل إنسان سواء كانت لديه ميولا ت أم لم تكن، بالتالي ما يجعل الإنسان حيوان تابع للذة و الشهوة، هو عدم استعمال الحرية استعمالا صحيحا. فالشر له بعد أخلاقي، و مشدود بالأساس إلى الحرية كنقطة ارتكاز تقف عليها الأخلاق، و الدليل على ذلك هو أن الإنسان عندما يقوم بسلوك شرير فهو يرده إلى نفسه، بالتالي " الميل الطبيعي إلى الشر هو ميل ذاتي، فكانط يسمي الشر الجدري بالخطيئة الأصلية للإنسان" kant nennt das radikal bose -peccatu originaruuim-..
لماذا الإنسان يعرف العمل الاخلاقي الخير لكنه يقوم بالشر؟ هو سؤال يطرحه شولت في الصفحة 12 من مقال باللغة الألمانية و يجيب أن:السبب ذو طابع ذاتي –شخصي-، و يرتكز على مبدأ داخلي، يقبل به هو كذلك، هذه احد الثوابت التي تعطل ملكة الخير، و تفسح المجال للشر، و الإنسان لا يمكن أن ينحو من الخير نحوى الشر، دون أن يبالي بذلك أخلاقياً .
"وجود الشر في طبيعة الإنسان، يفسر وجود الشر في العالم" . و التخلص من الشر الذي هو أفضل الأعمال الخيرة التي يقوم بها الإنسان، " لا ينبغي البحث عنه في النزعات، بل في قاعدة السلوك الفاسدة، و من ثمة في الحرية ذاتها"، من هنا يمكننا القول أن انحراف الحرية البشرية عن مسارها الصحيح، هو سبب وجيه للوقوع في سلوكات تتنافى مع القاعدة الأخلاقية الكانطية التي تقول عامل البشرية كأنك تعامل ذاتك.
إن النظرة الكانطية التفاؤلية اللقيم الأخلاق من خلال كتاب " نقد العقل العملي " سوف تتعرض لهزة عنيفة من داخل نسق الرجل ، على اعتبار أن كانط سوف يخصص مجالا أوسع للطبيعة البشرية الشرير من داخل كتاب " الدين في حدود العقل " إذ سيصبح الإنسان يحمل في طبيعته الخير و الشر كمبدان متجاوران، و ستصبح الحرية هي السبب وراء افتعال السلوكات اللاأخلاقية بعدما كانت هي النقطة الأرخميدية الثابتة التي يتأسس عليها الصرح الأخلاقي الكانطي.
يقول غوته:" كانط نفسه بعد أن قضى حياته في تنظيف معطفه الفلسفي من ثقل مختلف الإحكام المسبقة، لوثًّه إجراميا بطابع الشر الجدري الدنيء ، بحيث أنّ المسيحيين أيضا منجذبين إلى تقبيل ثوبه"، لكن يجب أن لا ننسى ما قاله كانط في تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق " إن الإنسان ليس في حاجة إلى علم و لا إلى فلسفة كي يعرف ما ينبغي له أن يفعل، حتى يكون أمينا و خيرا، لا بل ليكون حكيما فاضلا....و هنا لا يستطيع الإنسان أن يملك نفسه من الإعجاب إذ يرى كيف أنّ ملكة الحكم العملية في الفهم الإنساني المشترك تتقدم على ملكة الحكم النظري فيه".


-الوحي و العقل أية علاقة ؟
لا جدل أنّ العلاقة بين الدين و الفلسفة [ الوحي و العقل ]، أو العكس، كان لها تاريخ كبير من الصور و الأنماط التي لا تزال تنعكس على واقعنا الراهن، بأشكال أكثر حدوداً وجلاءاً. تراوحت تلك الصور بين هيمنة طرف على الآخر، أو على شكل التقاء و ائتلاف يحاول أن يقلل من قوة الصدام بينهما، بل و يلغي وجوده أصلا، و جاءت الصورة الأخرى على شكل انفصال لا تطابق و لا تشابه فيه. يقول فيشته في مقالة نقد الوحي :" إنّ معرفة الوحي انطلاقا من مبادئ العقل النظري مستحيلة... لكنّها ممكنة انطلاقا من قوة الشوق، أي الإيمان بعقيدة ما "
صحيح أن خطاب كل من الدين و الفلسفة مختلفان جدريا ،فخطاب الوحي هو خطاب أمر و تقرير، شهادة ورواية، خطاب يحتاج بالضرورة إلى تأويل، و إن كان في حدود الإيمان، بينما خطاب العقل هو خطاب استشكال و استدلال، يتطلع صاحبه إلى الوصول إلى معرفة برهانية قابلة دائما للمراجعة و التساؤل و التشكيك" . لكن هذا الاختلاف لا يمنع من ان يتقاطع الخطاب الديني و العقلي في اكثر من مناسبة و مجال، باعتبار أن الديني و العقلي يسعيان إلى تحقيق السعادة البشرية. و هذا ما أكده بعض الفلاسفة كالفارابي و ان ميمون و ابن رشد، بأنّ الحكمة و الشريعة تنظران إلى نفس الموضوع و يهدفان إلى نفس الغاية، و إن كانتا تتكلمان بلغتين مختلفتين. حتى كانط نفسه لا يعارض بين الحقيقة العقلية و الحقيقة الدينية، بل إن كانط يسعى إلى جعل الحقيقة الدينية تتماشى الحقيقة العقلية.
- الإنسان بين المقدس و المدنس :
إذا كان مجال المقدس يتسم بالتعالي عن أدوات الإدراك البشري، فإنّ هذا له من المعضلات في التعامل معه ما يجعله في الكثير من الأحيان مستعصيا على النّقد و لكننا نلاحظ أنّ ما قام به المصلحون في القرن الخامس عشر، و ما أنجزه فلاسفة النهضة، و ما عقب ذلك من إسهامات القرن السابع عشر، و أنوار القرن الثامن عشر، أفقد مجال المقدس جلّ امتيازاته لمّا دفع بتأثيراته التّقليدية خارج دوائر الحياة الفكرية في المجالات الاقتصادية و السياسيّة و الاجتماعية لكن ذلك لا يعني البتة أنّه صار مجالا غير مفكر فيه، و إنمّا الحدث الهام الذي أود التنبيه إليه يكمن في اختراق العقل لما كان الخوض فيه محرمّاً عليه، و بالخصوص في التعامل مع الحقائق الإلهية إن قلنا أنها حقائق كالمعجزات و النبوة و الكتاب المقدس و الوحي و تتعد المعتقدات الدينية،فمنذ مارتن لوثر، و جون كليفن و توماس مور إلى حدود توماس هوبز و باروخ سبينوا، نهاية إلى إيمانويل كانط و الذي يعتبر المشرع الحقيقي للدين، إذ أصبح العقل يطرق الدين في عمقه بهدف تنقيته من منازع الطقوس و الشعوذة و من عوامل التسلط.
المقدس " إنّه الفكرة الأم التي يتمحور حولها الدين، على حد قول هنري هوبير... الدين هو تدبير المقدس" ، لأنّ ما من شيء يرجو منه المؤمن كل عون و توفيق فهو المقدس، فالمصدر الأسمى في لسّراء و الضراء هو المقدس سواء كان إلها أو قوى خفية مبهمة، أو أرواح الموتى...لأنّ: " الدين مهما بلغ ، في تصورنا من التطور و البداءة يتضمن إقراراً بتلك القوة التي يتعين على الإنسان التعامل معها"
" إنّ أي تصور ديني للعالم يقتضي التمييز بين المقدس Sacré ، و الدنيوي Profane " بمعنى أنّ الإنسان المتديّن يعيش صراعا و تعارضا بين المقدس و الدنيوي، و القداسة غالبا ما ترتبط بالسلوكات الخيرة، أما الدنيوي فغالبا ما يكون مرتبطا بالرجاسة، هذين الوسطين متكاملين، بل لابد من حضورهما على المستوى الأنطولوجي و الروحي للإنسان حتى و إن كانا مطبوعان بالتعارض، فواحد يستطيع الإنسان أن يتحرك فيه بعيدا عن كل قلق و خوف، و آخر فيه نوع من التبعية، حتى يلفا الإنسان نفسه متورطا فيه بلا تحفظ.
يعد الوحي الميزة الأساسية لأي دين متعارف عليه، و هو الشرط الأساسي لقيام أي دين، ولا يمكن ان يكون منبثقا عن الإنسان وحده، إذن لابد من مبدأ خارجي تصدر عنه الرسالة السماوية بأي طريقة كانت، لكن هذا لا يعني أن كل الديانات سماوية [المنزلة من السماء ]، مثلا البوذية و أديان شرقية لا مكان للإله فيها، بل يمكن إحالتها للمقدس، فالدين هو العلاقة التي تربط الإنسان بما هو مقدس، و لكل دين مقدساته لا تناقش و لا تبرر عقليا، لأن التسويغات العقلية للدين تجازف بأن تكون عبارة عن إقرارات بضعف المذهب الديني ، لكن هل يجب على العقل أن يصمت إزاء القضايا الدينية؟ .
فالسماء معطاءة، وردع الجانب الشرير في الإنسان و تقويمه حتى يصبح خيراً هو دعم إلهي لا ينكره إلاّ جاحد، و هنا نتساءل هل العقل الذي يتأسس عليه الدين هو العقل النظري أم العملي أم هما معاً؟ كانط يرفض تأسيس الدين على أي منهما، بل إنّ التجربة الدينية الكانطية تقوم على مبدآ روحي ذاتي إذ لم نقل قلبي، فلا إيمان إلاّ بصفاء النية و القلب، لكن هذا لا يعني دين التصوف، هذا الأخير مشبع بالخيال، و اللاعقل ، و يستحيل أن يكون على صلة بالإيمان الخالص.
من هنا نقول أن الرؤية الكانطية، رؤية مزدوجة، العقل اولاً، و الوحي ثانياً، و الوحي ما هو إلا مكمل أخلاقي لحقيقة الدين الأخلاقية " الدين المنزّل ينطوي على نواة عقلانية هي التي تنظمه و تجعله قابلاً للتواصل مع الإنسان" . العقل إذن هو النواة المركزية التي يتأسس عليها النسق الديني الكانطي برمته، هذه النواة العقلية لها من المعطيات العقلية ما يقابلها خاصة عندما نتحدث عن المعجزات... العقلي و المتخيل محمولان في نفس الموضوع ألا و هو الدين، و كأنّ العقل يحمل المتناقضات العقلي و اللاعقلي... لكن هذا لا يدفعنا إلى الاستغراب، لأنّ إذا نظرنا في صميم العقل العملي، فهو يحمل المعقول و اللامعقول، الجانب الأول أخلاقي بالدرجة الأولى، أمّا الثاني فيتمثل في المسلمات العلوية التي لا يمكن البرهنة عليها عقليا.
ينبغي أن نميز بين دين العبادات الخاضع لقوانين روتينية ليس لها من صلاحية سوى صلاحية أحكامها المفروضة، و بين مفهوم الدين الخلقي المحض النابع من حاجات العقل البشري إلى غاية نهائية لمصير البشر على الأرض،و لكن لأنّ العقل البشري واحد و لأنّ الجنس البشري واحد، فإنّه لا يمكن لنا التفكير إلاّ في إله واحد، بالتالي لا يمكن أن يوجد بالنسبة إلينا إلاّ دين واحد. و هكذا، فإنّ كل من يقبل الخضوع إلى قوانين نظامية لهذا الإله أو ذاك فإنّ إيمانه لن يكون إلاّ إيمان تاريخي، و لن تكون معرفته إلاّ عبر الوحي المنقول إليه عبر الأجيال، أمّا دين العقل فهو إيمان عقلي محض يمكن لأي كان أن يبلغ إليه " بواسطة عقله الخاص بمجرده و ذلك انطلاقا من (( أنّ إرادة الله مكتوبة في قلوبنا على نحو أصلي )) و هو أمر يرغب كل دين نظامي في التغافل عنه"
فالإنسان من خلال القوانين الأخلاقية يمكنه التعرف بواسطة عقله على إرادة الإله،بمعنى ان معرفة الإله ممكنة بواسطة العقل و ليس عن طريق الترانيم و الدعوات الجوفاء، و الطقوس النظامية يقول كانط : " حين نقبل بوجود قوانين نظامية لهذا الإله، و نضع الدين في امتثالنا لهذه القوانين، فإنّ معرفتها لن تكون ممكنة بواسطة عقلنا الخاص بمجرده، بل لن تكون ممكنة إلاّ عبر الوحي، و هذا الأخير سواء كان منزلا سرا على كل واحد على حدة أو على نحو عمومي من أجل نشره عبر السنة و الكتاب، ليس من شأنه إلاّ أن يكون إيمانا تاريخيا و ليس إيمانا عقليا محضا " . من هنا يمكن القول التشريع الخاص بإرادة الإله، و العبادة الحق لابد أن ينضويان تحت لواء العقل، أما التشريع النظامي و الذي يعتمد على احداث تاريخية كالوحي مثلا لا يمكن أن يكون إلاّ حادثا عرضا، و مادام هذا التشريع لم يصل إلى كل إنسان فهو غير ملزم لكل الناس .
غريب امرها التجربة الدينية، فمن جهة لابد من التسليم بالقضايا اللاهوتية دون استدلالات عقلية، و من جهة أخرى فالقيام بالشعائر و الطقوس الدينية لا تقبل إلاّ استنادا على مبادئ عقلية يقول " ديكارت ": " اقدر دينا، لكن ما هو مؤكد هو أنّ طريق الحقيقة ليس مفتوحا للجهلة أكثّر من العلماء، و أنّ الحقائق الدينية المنزلة إلينا فوق طاقة عقولنا، و للنجاح في اختبارها لابد من طلب العون الإلهي" ، علما أن ديكارت لا يقبل أيّة حقيقة دون ان تكون بديهية في ذاتها، و دون أن تكون مبررة نظريا، و نحن لا ننكر أبدا أن الفلسفة الديكارتية أبعدت الدين و الأخلاق من متنها لأنها مرتبطة بالنظري، بينما الأخلاق و الدين هو مجال العملي والخطأ. و العقلي لا يمكنه أن ينافس الوحي، لأنّ الأول إنساني محدود و متناهي بتناهي الفكر الإنساني، و الثاني إلهي سماوي لا نهائي بلا نهائية الإله، و بين هذا و ذاك يعيش الإنسان توترا عقليا-دينيا ، يقول رودولف أوتو ( 1869-1937 ) " أن هناك بعدا للإله يمكن معرفته عن طريق العقل، على سبيل المثال، نستطيع أن ننسب لله صفات مثل الروح، القصد، و الإرادة الخيرة و الوحدانية، و تشكل هذه الصفات جميعا مفاهيم واضحة و محددة، إذ يمكن ان تكون مفهومة عن طريق العقل، و يمكن تحليلها بالفكر، و هي تقبل التعريف أيضا" ، لكن فيما يتعلق بقداسة الاله فلابد من شيء يتجاوز العقل ، أعني بالشعور Feeling.
لكن ينبغي ألاّ ننكر أنّ الحقائق الدينية تشوش على العقل، و الدليل الصريح على هذا هو أنّ الوحي يوجد خارج أي برهان عقلي، بل يبقى حالة سيكولوجية ترتقي فيها النفس البشرية إلى قمة الروحانية ، و من ثمة يبقى الإيمان و الدين حقائق نفسية أكثر منها عقلية يقول فرويد في موسى و التوحيد : " فحين تقودنا أبحاثنا إلى الاستنتاج بأنّ الدين ما هو إلاّ عصاب تشكو منه الإنسانية، و حين تبين لنا أنّ قوته الهائلة تجد تفسيرها على نفس النحو الذي نفسر به الوسواس العصابي لدى بعض مرضانا، ففي و سعنا أن نطمئن أننا نستعدي على أنفسنا غل سلطات هذا البلد و ضغينتها" فالدين ما هو إلا حالة مرضية، و البشرية كلها لا تخرج عن سياق المعتقد ، و هذا ما أكدّه إيريك فروم في كتابه " الدين و التحليل النفسي" ، لا يكاد يوجد فرد ما خارج إطار و حدود مفهوم العقيدة الدينية بالمعنى الواسع، فحتى الذي لا يؤمن بالدين السماوي أو التقليدي التوحيدي يؤمن بغيره من الأديان المعاصرة. فمن اعتقد في أي مبدأ معاصر اليوم اقتصادي كالنفع أو الثروة أو اجتماعي كالنجاح او سياسي كالسلطة، وصار يستمد منه مرجعيته لتحدي سلوكه و لفهم حياته، يصير ذلك المذهب بمثابة العقيدة لديه، و على هذا النوال يؤكد فروم على أنّه لا يوجد ملحد بالمعنى الدقيق للكلمة، و جوهر كل عقيدة هو الإيمان الطلق بها، و الأيمان كما نعلم هو حالة وجدانية و سلوكية تترتب عن التصديق المطلق بتعالي و أولوية المثل و المبادئ و الرموز التي نقدسها دينيا و أخلاقيا. إذن فالظاهرة الدينية ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، و أنّ أشكالها متطورة ومتنوعة، وقد أنتجت البشرية خلال تاريخها التطوري الطويل عديد العقائد الدينية التي لا رابط بينها سوى استجابتها و إشباعها للسيرورات الباطنية للإنسان.
بل إنّ الديني و العقلي منسجمان " الإيمان و العقل يمكن اعتبارهما جناحان يسمحان للإنسان بالتأمل في الحقيقة "* و هذه الاستعارة تعبر عن التناغم و الانسجام بين العقلي و الديني والكانطية سوف تذهب في هذا الاتجاه، لكن بنوع من التوفيق بين مطالب العقل والوحي، يجب الإنصات إلى ما هو عقلي في كل وحي و استنباطه بشكل مناسب للطبيعة الأخلاقية للإنسان، و جعله يتماشى مع الحرية. إن ارتباط الناس بديانة ما لا يمكن أن يتحقق بشكل صحيح، و لا أن يبقى مستمرا دون كتاب مقدس ، و بما أن الوضع الحالي للبصيرة الإنسانية هو على نحو بحيث من العسير على أي أحد ان ينتظر وحيا جديدا يتم بواسطة معجزات جديدة، فإنّ " أعقل الأشياء و أكثرها إنصافا هو أن نواصل استعمال هذا الكتاب بما أنّه موجود كقاعدة للتعليم الكنسي و أن لا نضعف قيمته عبر هجمات غير مفيدة، و لكن أيضا من دون أن نفرض على أي بشر الإيمان بذلك بوصفه أمرا مطلوبا للخلاص" ، " فالمقدس ينبغي ان يفسر بوصفه يهدف إلى أمر خلقي" .
إن العامل الرئيسي الذي رسخ الدين في التاريخ هو أنّ الغالبية العظمى تطالب بوحي إلهي، و هذا الأخير سوف يصبح شيئا لا غنى عنه من أجل أن تحتفظ كنيسة ما بسلطتها، لأن الدين لا يهمها بل السلطة من هنا يمكن القول أنّه لا وجود أي معيار آخر للإيمان الكنسي غير الكتاب، و لا أي مؤول سوى الدين العقلي المحض و معرفة الكتاب المقدس ( الجانب التاريخي )، بمعنى أنّ تفسير الإيمان الكنسي و تأويله طبقا لمقتضيات الدين العقلي " هو وحده الأصل و الصالح لكل العالم " ، " بينما العقيدة التاريخية المؤسسة على الوحي كتجربة فليس لها إلاّ صلاحية جزئية " ، فسلطة الوحي ليس لها طابع كوني مقارنة مع الدين العقلي المحض، لأن الوحي كقصة تاريخية لم يصل إلى البشرية كلها، فالدين المؤسس على العقل له صلاحيات أخلاقية كونية، لا تمزقه لا الحدود الجغرافية، و لا اللغات ، و لا العادات و التقاليد، لكن الدين المبني على الطقوس، هو نسق من العبادات الحسية التي تميز بين أبناء البلد الواحد و الثقافة الواحدة. يقول كانط : "في كل ضروب الإيمان التي تتعلق بالدين يصطدم البحث من وراء طبيعتها على نحو لا مرد له بسر خفي ما، يعني بشيء مقدس هو يمكن في الحقيقة أن يكون معروفا، من قبل كل واحد من الناس، إلاّ أنّه لا يمكن أن يكون معترفا به على نحو عمومي، يعني يُتَوَصل و يُتقاسم على نحو كوني، فمن حيث هو شيء مقدس ينبغي أن يكون شيئا خلقيا، بالتالي ينبغي أن يكون موضوعا للعقل"
- معقولية المحرم في العالم :
فالمقدس في التصور السائد هو كل القوى التي تضمن الاستقرار الروحي و المادي للإنسان، و تهيئ له السبل لتجاوز المدنس، هذا الأخير غالبا ما يرتبط بالعراقيل و المشاكل و اللانظام و اللاستقرار، لكن المقدس يعيد ترتيب كل ما هو دنيوي،بل يمنح العالم نوعا من النظام و الاستقرار، فالمقدس يعطي نظرة أخرى للعالم فهو أمل وجداني يحمل من التفاؤل ما يجعل من المحرم Tabou شبه منعدم يقول روجيه كايو 1913-1978 " إنّ اللفظة النقيض ل [ محرم ] في اللغة البولينيزية، هي لفظة نوا Noa، و معناها " حر" و الحر هو ما كان محللا فعله دونما إخلال بنظام العالم و استدرار للمصائب و الويلات، أي ما يؤدي إلى عاقبة وخيمة يستحيل علاجها. أمّا المحرم فهو الفعل الذي يستحيل القيام به من دون المس بذلك النظام الشامل الذي هو، في الان ذاته، نظام الطبيعة و المجتمع "
" إنّ كلمة فاس ( Fas ) اللاتينية التي تفيد ما تأمر به الشريعة الإلهية تقابلها لفظة نيفاس ( Nefas) التي تشمل كل ما تنهي عنه هذه الشريعة ، اي كل ما يشكل انتهاكا لها و يخل بتناسق العالم " فالتعاليم المقدسة تضبط العالم في النظام و الثبات بينما التعاليم المدنسة هي تدنيس لكل ما هو منظم، و صراع المقدس و المدنس ضارب بجذوره في تاريخ البشرية،بل إنّ القاعدة الصلبة التي تتأسس عليها كل الديانات هي صراع المقدس و المدنس.كما إنّ المخطط الإلهي في هذا العالم لا يمكنه أن ينجح دون هذه الثنائية، أنا هنا لا أضع الإله في قفص الاتهام، بل أتساءل ما الذي له الفضل الكبير على الإنسان هل المقدس أم المدنس؟و من له الأولوية من الناحية الأنطولوجية؟ بمعنى هل هناك علاقة وجودية و علاقة لزوم بينهما؟ و هل يستوي الحديث عن هذه الثنائية من منظور عقلاني؟
من الأشياء التي تربكني هو الشيطان و دوره في هذا الكون، إذا كان الله كمقدس هو من خلق هذا العالم كأفضل العوالم الممكنة و الخيرة، فما مصدر الشيطان ( المدنس )؟ و لماذا قبل الله تحدي الشيطان؟
الحرية هي المبدأ الذي ينسب إليه الفعل سواء كان خيراً أو شريراً، لكن كانط سيسحب المسؤولية عن الحرية و يلصقها بمبدأ موضوعي و هو الشيطان و كانط لا يفسر هذه القضايا تفسيرا رياضيا علميا، وإنّما بالعودة إلى الإنجيل يقول " لا نعجب إذن أن يصوًّر أحد الرسل هذا العدو الخفي، مخرب المبادئ الأخلاقية و المعروف فقط عن طريق تأثيراته فينا، كروح شرير موجود فينا" .
إن العالم برمته في ديمومة و حركية، و هذه الأخيرة مبنية على تحدي الشيطان لله، لو لم يقبل الله بتحدي الشيطان لكان مصير الكون و الإنسانية كله سيتغير، كل ما في الكون ثنائيات [الخير/الشر، المقدس/ المدنس، الجنة/ النار...] إلاّ مبدأ التوحيد، أي أنّ الإله لا يقبل الازدواجية، لكن بتدخل الشيطان نكون قد خلقنا ثنائية جديدة، لأن من الناحية الوجودية الشيطان يتساوى مع الإله تقريبا من ناحية الاستمرار في الوجود، و لا مبرر للمخطط الإلهي في خلق الجنة و النار إلا بوجود الشيطان، و أنا هنا لا أضع الإله في قفص الاتهام بقدر ما أؤكد على أن هذا العالم و حركيته مشدودة إلى صراع قديم من داخل الذات الإلهية نفسها التساؤل الذي يطرح نفسه ما الحكمة من خلق المدنس، إذا كان المقدس خيرا؟
إنّ فضل الشيطان على الإنسان أكبر بكثير من فضل الإله على الإنسان، لأن الشيطان هو المبرر الوحيد لوجود البشرية على الأرض، بل هو مبرر وجود الإله نفسه، من هنا ففضل الشيطان على الإنسان أكثر من فضل الإله على الإنسان بدعوى أن الإله نفسه يحمل في ذاته المتناقضات ، و من بين هذه المتناقضات هو الشيطان ، لأنّ إخراج الشيطان إلى حيز الوجود تم بمقاييس الله، فالله خلق الإنسان يحمل ثنائية في ذاته الجسد و الروح، و هي في صميمها تحمل المقدس و المدنس، فالجانب الجسدي المدنس غالبا ما يطغى على الجانب القدسي فيه، و الإنسان ينطلق مباشرة إلى انتهاك المقدس لأنّ فيه لذة، و السقوط الآدمي الأول كان نتيجة انتهاكه المقدس.[ أي أن ادم اخترق القوانين الإلهية ] من هنا أقول إن مسألة المقدس و المدنس ما هي إلاّ نتيجة لتطور فكرة الخير و الشر، و إذا قمنا بدراسة جينيالوجية لتاريخ الأديان سواء التوحيدية و غير التوحيدية فكلها يمكنها أن تنعدم لولا فكرة المدنس، فالشيطان يحل إشكالية أساسية في الدين و هي أن الله سينسب الشر إلى الشيطان مادام الشر موجود في العالم، و من ثمة في الثقافة الدينية برمتها الإنسان ينسب الشر للشيطان و ليس للإله، و من ثمة فالشيطان هو تكثيف للشر في كل الديانات، و حتى الإله ذاته ينتهك المقدس لأن من صميمه بزغ كل من الخير و الشر." ينتج من انشقاق المقدس انقسام الأرواح إلى خيرة و شريرة"
" إن المس بالجلالة و القداسة يعود على صاحبه بالشقاء و الهلاك " هذه الفكرة ضاربة بجدورها في الثقافة الإسلامية، فالإنسان محتم عليه أن يقدس حتى كسرة الخبز الموجودة على الطريق فعليه أن يزيلها و يقبلها حتى لا تنفر النعمة منه، كما أن الغالبية العظمى لا زالت تؤمن و تطلب العون من قوى خفية و من داخل الزوايا و الأضرحة، و كذلك زيارة الكهوف... كل هذه السلوكات و التي لا تخرج عن السياق العام للثقافة العربية غير مبررة من الناحية العقلية و لا من الناحية الدينية.
- الثورة على المقدس :
الحياة ما هي إلاّ عرض أمام إله خفي يسعى الإنسان إلى إرضائه عبر الطقوس و الشعائر، " فالإنسان كائن متناقض يتجاوز دون نهاية و يجمع فيه كل المتناقضات، الملاك و الوحش، العظمة و البؤس، الأمر القطعي و الشر الجذري، لديه طبيعة مزدوجة، إلهية و دنيوية، جزئية و ضخمة في ان واحد " ، فالإنسان ممزق بين عالم صامت و إله خفي لا يتحدث أبدا، لا يتمتع بأي صفة نظرية دقيقة و قائمة على أسس قوية ليؤكد الوجود الإلهي .
إن المقدس هو أوهن الأشياء ورغم ذلك لم نكشف عنه بحكم أننا مبرمجون ومغلفون بخطاب المقدس، بل إن المقدس يحتمي وراء النظام السياسي القائم، هذا الأخير يلعب دور الوصي الذي يرعى المقدس و يحميه. لذلك فكل من يسعى إلى نقذ المقدس يكون في دائرة الاتهام، وانتقاد المقدس معناه انتقاد نمط من الحكم السائد، فقتل سقراط كان لانتقاده آلهة اليونان ومقدساتهم. إن علاقة المقدس بالسلطة وثيقة جداً بحيث يختلطان أحياناً، كما أنبه إلى أن بعض الأماكن المقدسة الإسلامية -المسجد خصوصا - قامت بدور سياسي كبير في الحفاظ على السلطة. لقد أصاب ابن خلدون بقوله: «إن أشدّ الحروب ضراوة تلك التي قامت على العقيدة»، فالمقدس في عصرنا أصبح قدرة تأثيرية على جميع الناس. إن المقدس الذي يدفع بالحرب هو نفسه الذي يضمّد ويلاتها. إننا أمام زمن التباس المقدس بما يوشك أن يفقده قداسته، إذ لم نعد نميّز بين عمليات إرهابية وعمليات خيرية. إن أسوء ما وصلت إليه الإنسانية هو التشكيك في مقدساتها، إذ لم يعرف الإنسان هل هو من يستعمل المقدس أم أن المقدس هو من يستعملنا؟