إيران وإسرائيل العاشرة

ماجد ع محمد
2017 / 2 / 13

في قصيدة الحانة القديمة يقول الشاعر العراقي مظفر النواب "أصغَرُ شيءٍ يُسْكُرُني في الخَلْقِ فَكَيّفَ الإنسانْ؟ وإذا ما أسقطنا قول النواب على ساسة طهران مع شيء من قلب الصورة وتحويرها، نستطيع القول بأن أصغر حدث في كردستان وأصغر خبر متعلق بالكرد كقومية وشعب يُكرب ويزعج خاطر سلطة الملالي في طهران، فكيف بإقامة الدولة الكردية التي سترى النور يوماً رغم كل شِراك وفخاخ حاخامات قم وشركائهم في المنطقة؟ لذا فإن من بعض المزعجات لدهاقنة طهران هو اتشار خبر اعتقال الخلية الداعشية في أربيل يوم السبت 11 شباط الذي لا شك كان كوقع الصاعقة عليهم، طالما كانوا مع الأسد مِن أهم واجدي الوباء الداعشي في المنطقة، وبما أن كل تقهقر لداعش هو عملياً تقهقر لأحابيلهم ومخططاتهم التآمرية، والجيد في الخبر أن مديرية أمن أربيل سترسل نص اعترافات المعتقلين إلى وسائل الاعلام في فترة قريبة، ومع أنه من خلال أسماء الذين تم اعتقالهم فيبدو أنهم من سكان الاقليم، ولكن الأهم في الأمر هو معرفة مَن الذي كان وراءهم ومَن كان يمولهم ويوظفهم ويطالبهم بالتحرك، أما الخبر الثاني الذي يجب أن يكون مزعجاً جداً لخيالهم هو رفع متظاهري بغداد للافتات تحمل صور البيشمركة وهم يرددون اسمها ضمن القوات التي استطاعت دحر تنظيم داعش في المظاهرة المليونية التي دعا إليها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر يوم السبت في ساحة التحرير وسط العاصمة العراقية بغداد.
فعسى وعل يكون النبأين أعلاه بمثابة لدغات إضافية لهيكل حكم المستشار الحالي للمرشد الإيراني علي أكبر ولايتي الذي أعلن منذ أيام عن تضامنه مع تركيا في الحفاظ على سلامة أراضيها، والذي اعتبر أن الدولة التي يطمح الكرد في تأسيسها، وأن محاولات بعض الشعوب لنيل الاستقلال هي هدف إسرائيلي، وأن الهدف من إنشاء دولة كردية هو إيجاد إسرائيل ثانية وثالثة في المنطقة، فالجماعة إذن لا يخجلون قط من تبيان ما يضمرونه ويكنونه لكل ما هو كردي في الشرق الأوسط وليس فقط في قسم معين من كردستان، والجماعة حسب ما يعلنون على الملأ سيتفقون ويتحالفون مع عدوهم التاريخي تركيا وحتى مع الشيطان لقاء ألا يحصل الكرد ولو على دويلة في المريخ، باعتبار أن وجودها قد يعزز الشعور القومي لدى شعوب إيران فيقتدوا بتجربة نظرائهم في الاستقلال، لذلك فالجماعة سيعملون جاهدين بكل ما يمتلكونه من القوة لمنع ظهور أية تجربة مماثلة لجمهورية مهاباد التي لا تزال تقض مضاجع أخيلتهم بالرغم من مرور عقودٍ على إنهيارها.
وكإنسان ينتمي إلى هذا العالم ويحتفي بثقافة الشعوب بكل احترام فجميل أن نستمع الى محمد رضا شجريان، معين أصفهاني، شهرام ناظري، شاكيلا، جمشيد وكامكاران، ومهم أن نقرأ للخيام وجلال الدين الرومي والشيرازيين سعدي وحافظ وفروخ فرخ زاد وأحمد شاملو وعباس كيراستمي، ومن المفروض أن نفصل بين ثقافة الشعب الإيراني والنظام الهمجي في إيران، بل ونرى بأنه من المقزز جداً أن يدع الإنسان الواعي كل أولئك النجوم الذين ذكرناهم أعلاه ويتعامل فقط مع زناخات أهل اللِحى في طهران، لذا فمن جهتي كصحفي منحاز للعدل والإنصاف وحقوق الإنسان أياً كان، وكشخص معادي تلقائياً لدولة القرون الوسطى في إيران، فأقول يا مرحى بوجود عشر دول بمقام اسرائيل في المنطقة إذا كانت وحدة واستمرار الدكتاتوريات لا يتم إلا من خلال هضم حقوق الاثنيات والأعراق والمذاهب، وإذا كان عمر الجمهوريات القروسطية سيطول بمدى قيامها بالاعدامات اليومية بالرافعات في الشوارع، فيا أهلا بوجود خمس إسرائيليات داخل إيران، وذلك بكوني على قناعة تامة بأن البشرية لن تتخلص من الرؤوس الافعوانية السامة لهذه الدكتاتوريات إلا بتفتيتها قطعة قطعة، وهدم ركائزها المتغطرسة ركيزة ركيزة، وبما أن الوحدة القائمة على الغصب والعنف والجريمة والإكراه مصيرها الإنفجار في يومٍ ما، إذن فلتنفجر اليوم أفضل من يوم غد، لأن التجربة التاريخية لشعوب المعمورة تؤكد بأن شجرة الدكتاتوريات كلما عمّرت دمرت معاها أكبر مساحة ممكنة من الأرض، وخلفت وراءها المزيد من الأسقام والأوبئة والضغائن وزاد طغيانها يوماً اثر يوم.
وبالنسبة لطهران فشعبياً يقال في بلادنا "بأن الأفعى إذا ما اقترب أجلها تتمدد على الدروب"، فيبدو بأن بقاء إيران كدولة طاغية لم يعد مقبولاً، لأن تدخلها السافر وامتداد سمومها في عموم المنطقة لم يعد محط ترحيب ليس فقط من قبل شعوب المنطقة، إنما كذلك لدى الدول الغربية التي عقدت معهاها الاتفاقيات أيضاً حيث غدت تعاني هي الأخرى من تبعات اتفاقياتها مع نظامٍ قاتل لا قيمة للإنسان فيه، وهي بلغت أعلى مرحلة من مراحل التجبر، لذا تراها تمارس غطرستها في عموم المنطقة ليس فقط من خلال إرسالها لميليشياتها إلى سوريا لقتل المدنيين العزل فيها مع جيش فرعون قاسيون، ولا لوصول ألويتها القاتلة الى اليمن، بل فتصريحات مسؤوليها تدل على ذلك، ومنها فمنذ فترة قصيرة هدد مسؤول إيراني بضرب إسرائيل وكذلك الأسطول الخامس الأميركي في البحرين، كما أن الأمين العام لقوات أبو الفضل العباس المنضوية في الحشد الشعبي أوس الخفاجي راح يهدد بضرب بوارج الولايات المتحدة الأمريكية قبالة سواحل اليمن، في ردٍ منه على قرار الرئيس دونالد ترامب بمنع دخول مواطني 7 دول الى أمريكا، كما أن عضو لجنة الأمن القومي والسياسات الخارجية في البرلمان الإيراني مجتبى ذو النور فقد صرح هو الأخر يوم الأحد 5 شباط 2017، بأن أي اعتداء عسكري من قبل أميركا على إيران سيقابَل بضرب تل أبيب بالصواريخ الإيرانية، وأردف ذو النور أن الصواريخ الإيرانية لا تحتاج سوى سبع دقائق للوصول إلى تل أبيب إذا ما تعرضت إيران لأي اعتداء عسكري من قبل الولايات المتحدة، مضيفاً بأن لدى أميركا نحو 36 قاعدة عسكرية في المنطقة، أقربُها الأسطول الخامس المتمركز في مملكة البحرين، وبأن طهران ستدمر هذه القواعد بالصواريخ إذا ما فكرت واشنطن في توجيه ضربة عسكرية لإيران، هذه هي إذن إيران التي تزحف حالياً كما الثعبان على الدروب، علّها تلتقي بمن تفتك به أو يفتك بها، ويبدو أنهم بتهديدهم الدائم لتل أبيب كل مرة الهدف منه هو إمساك أمريكا من اليد التي تؤلمها، حيث ترى إيران وكذلك معها دول المنطقة بأن اسرائيل بمثابة الطفل المدلل لأمريكا خاصةً والغرب بوجهٍ عام، وأن أي خطر على إسرائيل هو عملياً يمس كل تلك الدول.
لذا فإن لم يكن دونالد ترامب مثل سلفه أوباما بياعاً للكلام على غرار ما جاء في أغنية سعدون جابر (بياع كلام)، فإن صداماً حقيقياً قد يحدث بين واشنطن وطهران، ويجب أن يحدث باعتبار أن إيران غدت واحدة من رعاة المنظمات الإرهابية في المنطقة، فيما الذي بشر مناهضي سياسة إيران العنجهية في المنطقة، هو أنه فور وصول ترامب الى البيت الأبيض راح يُصعّد من لهجته التهديدية لإيران كقوله إن "إيران تلعب بالنار وأن الإيرانيون لا يقدّرون كم كان أوباما طيباً معهم، وتأكيده بأنه ليس كسلفه أوباما" وكذلك قول ترامب بأن "إيران هي الدولة الإرهابية الأولى في العالم"، ووفق المعطيات الحالية فإن التوتر بين واشنطن وطهران بدأ يكبر بسرعة مثل كرة الثلج المتدحرجة نحو الوادي، وقد اشتد وتيرة الوعيد المتبادل بينهما، حيث حذر نائب الرئيس الأميركي طهران من اختبار حزم الرئيس ترامب إزاءها، وبما أن عقدة إيران ووجعها الرئيسي هو إسرائيل فعلى أمريكا وكل الشعوب الإيرانية العمل جاهداً لخلق خمس دول مثل إسرائيل في قلب الجغرافية الإيرانية نفسها وليس بعيداً عنها، طالما كانت الشعوب الإيرانية جاهزة للانتفاض بوجه نظامها إذا ما مُد إليها يد العون من الخارج، وذلك حتى تنسى طهران وإلى الأبد شيء اسمه إسرائيل الأولى فتتجرع سُم التشتت الذي سيكون كفيلاً بإنهاء سطوتها وجبروتها وطغيانها، فتتمزق كالخرقة البالية بحيث لا تقدر على لملمة خِرقها إلى يوم الدين.