عفرين بدلاً من الباب والرقة

ماجد ع محمد
2017 / 2 / 10

ثمة كلمات شعبية فيها شيء من قلة الحياء إن قيلت في غير مواقعها، ولكن اللجوء إليها أوان المِحن مغتفر بكونها تزيح الضغط إلى حدٍ ما، بما أن المقولَ يقوم بدور تنفيسي مباشر على مبدأ "شر البلية ما يضحك" حيث أن الضرورات الحياتية والمفارقات السياسية العجيبة تبيح المحظور من الأقوال، باعتبار أن الحكمة الفكاهية تخفف من وقع الراهن المؤلم على الناس، وتنسي واحدهم ما يثقل كاهله إلى حين، إذ عن الذي ينوي القيام بفعل شيء ولكنه يخسر كل ما يملكه نتيجة حساباته الخاطئة يقال في عفرين "بأنه ذهب ليأخذ بثأر والده فخسر فوقها فرج امه" وما ذكرني بهذا المثل هو أن الأجنحة العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي مشغولة بتخليص التراب السوري الذي نجّسه البعث لما يزيد عن أربعين سنة من داعش، والذاهبة حالياً بتباهٍ وحبور لتحرير محافظة الرقة بعد الباب من الدواعش ولكنها قد تخسر أهم معاقلها من الخلف، أي منطقة عفرين التي تتعرض للقصف من حين لآخر من قِبل المدفعية التركية بالتوازي مع قطع أشجارها من قبل الجندرمة واقتطاع أراضي قرى المنطقة كل فترة من قبل الجيش التركي على طول الحدود مع تركيا.
والمزري في وضع كرد سوريا بشكلٍ عام أنهم بالرغم من الضحيات الجسام التي يقدمونها في ساحات المعارك ضد أداة (قاسيون وطهران) داعش، وبدلاً من أن يصبحوا بيضة القبان، بحيث لا تتم حرب من دونهم، ولا تنجح أية عملية سياسية إلا بوجودهم، غدوا من أرخص الأثمات في بازارات الحرب في سوريا، حيث كان آخرها عقد مصالحة ووقف إطلاق النار في 6 قرى وبلدات ريف حلب الشمالي وهي: (تل رفعت، منغ، ماير، تل جبين، معرسة الخان، حردنتين) وهي المناطق التي لا تمت عملياً للكرد بصلة، وقد استشهد فيها العشرات من الشبان والشابات الكرد في معاركهم بالوكالة، والآن حان أوان تسليم تلك البلدات لأهلها، وحزناً على القرابين البشرية التي يسترخصها حزب الاتحاد الديمقراطي بدون مقابلٍ يليق بالدماء التي تزهق هنا وهناك، قلتُ لا يكفي أن يكون المرءُ مضحياً ليسمى مناضل، إنما عليه معرفة لماذا، ولمن، ومن أجل ماذا يضحي؟ وفي السياق ذاته فإن القيادي السابق في حزب اتحاد الشعب المهندس زهير علي الذي بالرغم من احترامه الجم لوحدات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي والذي يقدرعالياً نضالاتهم في ساحات الوغى، إلا أنه حيال استرخاص حزب الاتحاد الديمقراطي دماء الكرد أجبرته الحقيقة ليقول: لا أحد يريق دمه مجاناً في الحرب الدائرة في سوريا إلا الكرد، فهم وحدهم من تزهق أرواحهم بدون مقابلٍ يذكر على أقل تقدير حتى هذه اللحظة.
إذ في الوقت الذي تُهدد فيها منطقة عفرين من قبل الجيران، وبدلاً من إيلاء الأهمية لها وإبعاد الخطر عنها، وبدلاً من السعي الدؤوب لجعلها منطقة دولية محمية بناءً على الخدمات التي يقدمها الاتحاد الديمقراطي لكل من الروس والأمريكان والنظام، وفق الاتفاقيات المبرمة بينهم وبين تلك الأطراف الدولية والتي تؤكدها تصريحات المسؤولين الغربيين منها السفير الروسي لدى دمشق ألكسندر كينيشاك الذي أعرب عن ترحيب موسكو بخطط واشنطن لدعم "قوات سوريا الديمقراطية" شمال سوريا، والذي استطرد قائلاً: أن الدعم الأمريكي المقدم للأكراد سوف يؤثر في التطورات المحيطة بالرقة، منوهاً الى الخطط التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتعزيز الدعم المقدم للفصائل الكردية، بالرغم من الاعتراضات التركية المتكررة على تسليح التحالف لوحدات الحماية الشعبية، حيث قالت مصادر فى الرئاسة التركية يوم الأربعاء، إن الرئيس رجب طيب أردوغان عقب اتفاقه مع نظيره الأمريكى دونالد ترامب فى مكالمة هاتفية ليل الثلاثاء أكد على ضرورة التعاون فى مدينتى الرقة والباب السوريتين الخاضعتين لسيطرة تنظيم داعش ومشروع إقامة منطقة آمنة فى سوريا، كما أكد المصدر الرئاسي نفسه أن أردوغان دعا الولايات المتحدة إلى وقف مساندتها لوحدات حماية الشعب الكردية في سوريا.
كما أن ما يعزز رأي السفير الروسي هو ما أكده مصدر مقرب من قوات سوريا الديمقراطية لـموقع ( باسنيوز) عن أن رواتب الفوج العسكري التابع لوحدات الكوردية الذي لا يزال قيد التشكيل ستقوم الولايات المتحدة الأمريكية بدفعها مقابل القتال الى جانبها ضد تنظيم داعش والمنظمات الإرهابية الأخرى، وأن القوات الأمريكية تقوم بدفع مستحقات فصائل قوات سوريا الديمقراطية بالإضافة الى تدريبها ودعمها بالسلاح والعتاد لمحاربة التنظيم المذكور في كل أنحاء سوريا.
إذاً طالما أن الاتحاد الديمقراطي له علاقة مباشرة مع صناع القرار العسكري في كل من روسيا وواشنطن أما عليه استثمار تلك العلاقة لصالح المناطق الكردية، بدلاً من هدر الدماء فدوى لتلك العلاقة التي قد تنتهي بانتهاء الحرب، طالما أنها اقتصرت على الجانب الميداني والعسكري ولم ترتقي أو تنتقل الى الجانب السياسي وهو الأهم في العلاقات ما بين الأطراف والدول، لأنه معروف أن في التعاون الاستخباراتي والعسكري اعتادت الدول الاستعمارية على أن تتعامل مع الكثير من القوى المحلية داخل مناطق الصراعات في الشرق الأوسط وأفريقيا ليس كشركاء وأنداد إنما فقط كعملاء ومرتزقة، حيث ينتهي دورهم والتعامل معهم عندما تضع الحرب أوزارها، فهل يا ترى يليق بالشعب الكردي التائق للحرية بأن يغدو مجرد مرتزق لدى الدول الاقليمية أو الدول العظمى؟ وهو صاحب قضية أنبل من هذا الحزب وذاك وكل القوى التي تحاول المتاجرة بقضيته.
وفي الختام يبقى الغريب أن في هذه الفترة الحرجة من عمر الصارع في سوريا وبدلاً من أن يفكر الاتحاد الديمقراطي المسيطر عملياً على كل المناطق الكردية ومن ضمنها عفرين بتحصينها على أقل تقدير، أعلنت القيادة العامة لوحدات الحماية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD بأنها بصدد تشكيل فوج عسكري من متطوعين مقابل دخل شهري للقتال خارج المناطق الكردية، ما يعني بأن قصة تقديم القرابين مجاناً لا تزال قائمة على قدم وساق، وأنهم لا يزالون يفكرون بالناس كمجرد أدوات حرب يدفعون بهم إلى ميادين الهلاك وفق ما يُملى عليهم، وليس وفق القضية التي يناضلون من أجلها، إذ بات جلياً في ثقافة الشعوب أن مَن لا قضية له يناضل لأجلها مصيره الخروج من المعامع صفر اليدين، بينما من لديه هدف واضح ومحدد يقاتل لأجله فسيستثمر كل الطاقات الحية منها أو المهدورة لغاية تحقيق الهدف السامي لشعبه، طالما أن الحروب أصلاً تقام بالشعوب ولأجل الشعوب، أما الذي يشارك في حروبٍ لا غاية سامية من ورائها، فليس سوى تاجر بدماء الناس وغير جدير بأن يسمى سياسي، إنما يليق به قول مقامر، مهرب، سمسار، أو قرصان، فنتمنى أن يكون رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم زعيم سياسي بحق، يعرف ما يريد، وليس مجرد سمسار سياسي، أو زعيم مؤقت لفرقة من فرق القراصنة.