مشكلة الدين والحقيقة

سامي عبد العال
2017 / 2 / 9

ليس من شأن الدين تحديد الحقيقة. وليس من اهتماماته اطلاعنا على ماهيتها ولا طبيعتها ولا اختلافها. وإلاَّ ما كانت لتوجد هناك أديان متباينة أشد التباين. ولما كانت جوانب الحقيقة ذاتها مختلفة بتعدد منظورات البشر. من زاوية تالية لا تذهب الحقيقة للدين طائعة ولا تستطيع. إنها تتقهقر رجوعاُ إلى دلالتها كلما اقتربت منه. فلا تجد توازناً في مناقشة قضاياه. ولا تفتح فضاءً لرواسبه إلاَّ بضغوط أيديولوجية قاهرة. فهي لن تجد- من حيث البدء- مبرراً كافياً منطقياً لأسراره. كل حقيقة تحاول النطق باسم الدين ليست إلاَّ خارج مسماها. هي فقط تلقي بكم من الشحن المقدس بلا مضمون فعلي.
ربما "الدين والحقيقة" اكبر مقولتين يلفهما غموض شبه كامل. ولو تخيلنا الاثنتين في صورة ضرب حسابي(الدين× الحقيقة) ستكون النتيجة صفراً. لأن ما ينتهيان إليه مجرد معاني لا يقينيات. وليس الحاصل جمعاً ايديولوجياً كالشأن لدى تنظيمات الارهاب الديني. لكنه ناتج عن جوهر الموضوعين المنفلتين من الطابع الرياضي. بلغة المنطق هما مقولتان: لا تجتمعان ولا تفترقان معاً. لكنهما في وضعية تناقض حاد بين شد وجذب، ادعاء ونقض، أخيلة وصور، هوامش متون.
الاشكال هو التالي: لماذا يكون الدين حقيقة؟ ولماذا تصبح الحقيقة ديناً؟ الإجابة على أحد طرفي الاشكال يعني التحول الثقافي لتكوين الأيديولوجيا داخل نسق الفكر السائد. والعجيب كون الطرفين هما اللذين شكلاً التاريخ الصراعي للمجتمعات الإنسانية. ما من مجتمع إلا ويتدخل في بلورة الحقائق والاعتقادات الجارية. ذلك كي يضمن الذهاب وراء أهدافه إلى أبعد نقطة ممكنة. وهذا الذهاب يشمل جميع أنساقه واسعة الانتشار. والتي تحدد أنماط الأفعال. لعلنا نلاحظ كم الهيمنة التي تفرضها المجتمعات على السلع الرمزية مثل الديانات والاتجاهات الفكرية والرؤى بالنسبة للأفراد.
هذه الخطوة تعتبر نقطة محورية تؤكد أية طبيعة للدين ستكون؟ وما هي دلالة الحقيقة؟ والسؤلان يستقران في سؤال الكيفية. كيف يتبادلان المواقع في ذهنية الإنسان العربي؟ إنه طالما ثمة سلطة ترسم حدوداً للمقولتين، فإنهما يمثلان "مجال تكوين" مستمر. أي يستحيل فهم الدين والحقيقة دونما هذا الرسم وتلك الحدود. ويغدو سؤالهما فارغ المضمون إذا اغفلنا علاقات القوى إذ تطرحهما في صلب التصورات المعمول بها.
ذلك أن الدين مهما يكن متعالياً فلن يمارس تأثيره خارج قوى التاريخ سواء أكان قريباً أم بعيداً. وفي تلك الحالة يعدُّ وسيطاً مخاتلاً لأمور أخرى. لكنه بحكم خطاباته سيكون ناهضاً خلالها محاولاً اجتذاب بعضاً منها. فأيُّ دين يحاول أن يضرب جذوره في الظروف التاريخية- الاجتماعية متسلقاً عليها ومتصارعاً معها. فالديانات التوحيدية -على سبيل المثال- كانت تتعين في لحظة فارقة اعتقادياً. وكانت تستوطن بيئات وتتكيف مع قواها بقدر ما تفعل. وهي بيئات وثنية اخترقت معظم المعتقدات التوحيدية. إن لم يكن من باب الاعتقاد(أو الإيمان) مباشراً فمن أبواب السياسة والاجتماع والثقافة.
في الديانة اليهودية ورثت العقيدة صور الرب وعلاقاته من البشر. ولم تكن ثمة نصوص مقدسة قد كتبت على نحو مشهور تاريخياً. ثم كُتبت أدبيات اليهود تباعاً. وهي حصاد وجودهم الثقافي والاجتماعي إزاء الجماعات البشرية الأخرى. وإذا كان ثمة آيات بالتوراة تقارب لمصطلح "شعب الرب"، فلأن الاعتقاد يجب أن يتبلور صراعياً. ورغم كون الصراع بين قوى متفاوتة فالاعتقاد الجديد بحافظ على تماسك الجماعة المتحدثة باسمه. وقد ارتبط بهذا المصطلح فكرة الاختيار الميتافيزيقي للشعب اليهودي حتى غدا معادلاً لا تاريخياً في نهاية المشوار. وعليه شكل الهوية ولاهوت الأرض. واستمر التوظيف السياسي لكل نصوص التوراة بحثاً عن دولة الرب وتاريخ الرب وأرض الرب. وهكذا تناسل المفهوم إلى ى مفاهيم أخرى. لا نستطيع القول بأنها إلهية رأساً بل نتيجة زواج بين معتقدات بشرية سكبت في قوالب بلاغية فوق مساحة سياسية اعتقادية ما.
ودلالات الدين تنتج وجودها على غرار هذا الصراع الدائر بين عدة متغيرات. وليس صحيحاً محاولة فهمهما بعيداً عن عملية الانتاج الثقافي. فالمعتقدات الميتافيزيقية سرعان ما تلبس أدرية عندما يتم التعبير عنها. كيف سيكون الدين خارج الثقافة، خارج اللغة، خارج الموروثات، خارج الواقع؟! فالمعضلة التي يجد المؤمنون فيها أنفسهم: بأي معنى يتم الايمان بمنأى عن روث الأنظمة الاجتماعية؟ فأي اعتقاد – دينياً كان أم سواه- يتوحل بهذه الأشياء!! ويجب فهمه وتتبع مساراته من خلالها.
وبهذا كانت لغة القرآن وتفسيراتها على اتصال دلالي حي وتاريخي بتلك المعطيات الثقافية. ليس الموضوع ما إذا كان النص مقدساً أم لا؟ وما إذا كان منزلاً أم غير ذلك؟ فتلك القضايا تنزلق بوعي المتلقي بمحاولات لا تنتهي من الاثبات أو النفي. بينما المعالجة بسيطة جداً. أن أي نص مقدس – وباحتمال جميع مصادره- يستحيل قراءته والتحدث به والتفكير فيه واعادة صياغته ونطقه بلا (نقض) لكل بنيته المتعالية. لأنه منذ لحظة مروره إلى الثقافة أضحى شيئاً آخر. وهو لا بد أن يدخل إلى هذا الكهف شاء أم أبى مناصروه ومعتنقوه.
أولاً: لأن النص قابل للتكرار بشرط التنازل عن مكانته. ولو كان الأمر غير ذلك فلن يكون أصلاً من الأساس. والأصل من حيث هو كذلك لا يعتبر بلا اعادة. وإلاَّ لما عرف بكونه أصلاً مقدساً. وهذا معناه أن النص سيخضع لعمليات الفهم والرفض والتساؤل بشكل انحرافي. وأنه من المستحيل بلوغ هذه القداسة في كل مرة يجري فيها تداوله مهما تكن.
ثانياً: سيتنوع النص المقدس بقدر اختلاف الفهم والقراءة. لدرجة القول أنه لن يكون نصاً واحداً. وهو في الواقع نصيات بصيغة الجمع. وسينفتح على مجهول الثقافة اللاواعي. وهذا ما يجعل تفسيرات القرآن كثيرة وغريبة في آنٍ واحد. وتثبت أنه ليس كذلك بقدر ما تؤكد التفسيرات.
ثالثاً: يأخذ النص وجوده من التراكم الدلالي لبنيته مع طباق الثقافة. إن القداسة آليه وردود أفعال ومواقف وأخيلة ترتهن بأنماط سائدة من المعتقدات. كانت النصوص الدينية جزءاً من طبيعة التراكم. فهي اتمثل وجوداً بديلاً. بحكم أنها تحتضن المعاني الكلية لتلك الثقافة. كما أنها توجد داخل مستواها الأعلى والأدنى معاً.
رابعاً: يؤسس النص المقدس بدائل له. وهي تحضر في غيابه الجزئي. ذلك في مجالات لا ينتمي إليها مباشرة. فالممارسة السياسية لجماعات الاسلام ترمي إلى توسيع النص ليغطي كافة جوانب السياسة. هذه البدائل تنحل وبر النص وتأكل لحمه تاركة إياه كهيكل عظمي في صحراء قاحلة تلفحه الرياح يميناً ويساراً.
خامساً: مع وجود النص ليس ثمة حقائق بالمعنى المرجعي ولا المتعالي. لأن اللغة تأخذ منها وتغذيها وتضيف إليها في نفس الوقت. وتصبح الدائرة مغلقة مانعة لدخول أو سقوط أ و صعود معانٍ خارجية. واللغة تحيل إلى وجودها التاريخي أكثر مما تحيل إلى أي شيء آخر.
سادساً: القارئ ليس أقل من الحقيقة وليس أكثر منها أيضاً. هما الاثنان يعيشان في المعاني المطروحة. ولهذا ليس ينتظر من الديانات بتراثها الرمزي تقديم حقائق ثابته. ففي الجانبين هناك كائن خفي اسمه الانسان هو الإساس.
إذن لنطرح الأن المشكلة على وجها التساؤلي: هل يتبادل الدين والحقيقة المواقع؟
- يرتبط الدين بالأبعاد الايمانية. وتلك لها صعيدها الخاص لكل حالة فردية. بينما الحقيقة ليست ايماناً. فهي تتطلب حواراً وتفكيراً أكثر ما تتمثل في دجما. وفي حالة الهوس الثقافي – كحال المجتمعات العربية- باليقينيات، تغدو الحقيقة لباساً أبوياً لكل معطيات العالم المحيط. والدين أحد هذه المعطيات التي تنسج لها أزياء قمعية على مقاسها. ويصبح الدين أبرز معاول النظام القائم.
- الدين لا يفرض اشتراكاً في نمط الفهم والرؤى. وإن كانت الثقافة السائدة تعمم آثاره إلى هذا المستوى. أما الحقيقة فتنزع إلى تأسيس المنهج. فالمعرفة العلمية لا تضع بالضرورة خطوات بعينها وصولاً إلى الحقائق والنظريات. لكنها بأقل تقدير ترسخ عمليات نقدية واستراتيجيات منطقية للمناقشة وإمكانية التفسير.
- الحقيقة تغاير حالة الاقرار المجاني بالمقدسات. لأن طبيعتها مغايرة نوعياً لكل اعتقاد مسلم به سلفاً. فهي ليست مسلمات. لعلها تنتمي إلى صورتنا عن العالم. وليست إلى صورة الأصول خارج الإنسان. الحقائق إنسانية أما الديانات فغير ذلك. وإن كانت النقاط التي سبقت تطرح هذه المفارقة بشكل مغاير.
- الدين فائض دلالي قائم على تضخيم صور العالم والأشياء. لكونها مرتهنة بقوى غيبية بخلاف ما نراها. بينما الحقائق فتمثل عجزاً دلالياً بلغة الاقتصاد. لكونها تحتاج إلى برهان. ويأتي الأخير من تغيرها وعدم الاعتراف بها وليس العكس كما نظن. كما أن أي اثبات ينقص من الحقائق ولا يضيف إليها.
- تتحلل الديانات إلى هياكل سلطة لأنها تنحل إلى أسرار وثوابت وتقاليد. أما الحقائق فتتحلل إلى معارف. مجرد أفكار فقدت نصاعتها المنطقية وظهرت مكانها حقائق أخرى ليست كذلك.
- يسير الدين بوقود الحقائق الافتراضية. لأنَّ حلم( رجاله وجماعاته) تشكيل الحقيقة كما يرونها فقط. ولهذا يواصلون تفسيراتهم وخطاباتهم بصيغة "كما لو". وهي صيغة تفرض سلطتها البلاغية قبل كل شيء. فالإيمان مرتبط بإيقاع استعاري يتجاوز الواقع.