ما معنى عبودية وما معنى مجتمع عبودي

محمود فنون
2017 / 2 / 9


9/2/2017م
لقد ظهرت العبودية كحالات استثنائية في احشاء المجتمع المشاعي البدائي.
المجتمع المشاعي البدائي : هو نظام حياة البشر ما قبل الدولة وما قبل ظهور الطبقات .حيث ظهرت العشيرة ومن ثم القبيلة واتحادات القبائل المتقاربة في الأصل الدمي .
وكان البشر يعيشون في جماعات صغيرة في استثمارتهم البدائية ويقتاتون جميعا من جهدهم ثم كبرت هذه الجماعات وأصبحت العشيرة البدائية التي كبرت وتفرعت الى بطون وافخاذ من اصل دمي واحد تشكل القبيلة ومع استمرار التكاثر وتحسن ظروف المعيشة وأدوات الإنتاج وتوزيع العمل تفرعت القبيلة الى قبائل وعندما اتحدت ظهر ما يسمى باتحاد القبائل وله نظام حياة يشمل الأعمال والإدارة والقيادة وله حدود جغرافية محمية وعلى راس الإتحادات مجالس العشيرة والقبيلة والإتحاد والعشيرة عليها واجبات إزاء مكوناتها ولها حقوق ويسود بينهم التكافل والتعاضد على كل الصعد . وكان افراد القبيلة أحرارا ومتساوون. وهذا المقصود الإشارة اليه .
ولم تكن المرحلة البدائبة في التاريخ على نسق واحد وكان هناك تفاوت كبير في تطور الجماعات الإنسانية التي أخذت تتشكل كمجتمع له ملامحه الإقتصادية الإجتماعية بتفاوت من مكان لآخر وذلك كما تم رصده في العالم القديم أسيا وأوروبا وشمال افريقيا حيث كانت اواسط وجنوب افريقيا مجهولان عن معارف البشر حتى القرون الوسطى وبداية الكشوف الجغرافية التي امتدت لتشمل الإمريكيتين واستراليا والكثير من مجاهل العالم .
أخذ التفاوت بين الجماعات الإنسانية بجد اه ترجمة في التفاوت بين الأفراد وحقوق الأفراد ، فمن يخرج للغزو له نصيب اكبر من غيره ثم أخذت الرتب حصصا أكبر ، ثم إن التفاوت بين الأفراد ومهاراتهم والذي كان يجند لصالح الجماعة قد أخذ شيئا فشيئا ينعكس على حقوق وحصص الأفراد في الزراعة والرعي والصيد وجمع المواد المفيدة . هذا التفاوت وجد لنفسه طريقا نحو التفاوت في الحيازة فظهرت الملكية الخاصة والتي شكلت الإسفين القاتل لحياة الجماعات المشاعية ثم ظهرت العبودية .
ومن روافدها الإستعباد بالغزو حيث تستولي قبيلة على أخرى تسيطر على كل ممتلكاتها وتستعبد الأفراد . أي ان الأسرى يتحولون الى عبيد . وظهرت ظاهرة السبي والإستعباد . ثم أصبح مالكي حيازات الأرض يوظفون الأسرى وكل السبايا للعمل في الأرض ورعاية قطعان الماشية بحيث يقومون يالجهد المطلوب لإنجاز الأعمال مقابل متطلبات الحياة في حدودها الدنيا . وهكذا ظهرت العبودية وبعد ذلك تعددت مصادرها وأصبح الإستعباد مهمة يقوم بها أناس وظهرت النخاسة وهي تجارة العبيد.
إلى هنا لا نستطيع بعد أن نقول أن عمل العبيد أصبح هو الجهد الرئيسي بل إن هذا التحول استمر يتزايد وصاحبه ظهور القوة التي تحميه وتكرسه إلى أن أصبح نظام الحياة السائد في تلك الأحقاب البعيدة كما أصبح عدد العبيد يمثل الأغلبية وهم منخرطون في كافة الأعمال التي يتطلبها المجتمع. وظهرت الدولة بأشكالها الجنيية الأولى .
والدولة أصبحت هي القوة التي تكرس العبودية والحدود الجغرافية والوضع الإقتصادي الإحتماعي. إن الدولة بخلاف قيادة المشاعة أو قيادة العشيرة في مراحل سابقة ، الدولة هي قوة شكلتها الطبقات المالكة لخدمة مصالحها وحمايتها في وجه الطبقات الأخرى وبكل بساطة ووضوح قبل ان تتلون وتتظاهر بأنها دولة كل الناس . وظهرت على الفور طبقة رجال الدين والمعابد العظيمة والأفكار الدينية التي تبلورت لخدمة الطبقة الأرستقراطية .
في مجتمع اثينا وهو ليس اقدم المجتمعات العبودية كان التركيب الطبقي للمجتمع مكونا من هرم يقف على رأسه طبقة الأرستوقراطية وهم مالكي العبيد وهم يملكون الأراضي ومختلف اشكال الملكيات الأخرى،وطبقة الجندوالفرسان ، وطبقة التجار والحرفيين ، وطبقة المواطنين الأحرار الذين يعملون في حيازاتهم الخاصة وطبقة العبيد وهم الأغلبية وهم المجندون في الأعمال مقابل الحدود الدنيا من مستلزمات الحياة وحتى انهم في بعض البلدان كانوا ينامون مقيدين في بيوت خاصة بهم يتكدسون دون أي مراعاة لظروفهم الإنسانية وهم لم يكونوا يعتبروا بشرا بل هم كائن ذو قائمتين مثل الحيوانات الأخرى .وهناك القبائل الرحل الذين لم يخضعوا لنتائج التطورات اعلاه.
والذين لا يملكون العبيد ويعتمدون في عملهم على انفسهم وذريتهم يسمون – بروليتاريا.
لقد سادت العبودية في المجتمعات القديمة بين النهرين وفي مصر القديمة وشمال افريقيا وبلاد الشام كما في الهند والصين وبقاع عديدة في العالم .
وفي العهد العبودي ظهرت الأمبراطوريات العظيمة وظهرت الفتوحات والتوسع كما ظهرت الأديان واسعة الإنتشار مع توسع الإمبراطوريات حيث كان الناس على دين ملوكهم .
إن المجتمع العبودي هو المجتمع الأرستقراطي الذي تسود فيه طبقة مالكي العبيد ويعتمد فيه العمل الأساسي والإنتاج الأساسي على عمل العبيد وقد توسع عمل العبيد ليشمل الأرض والماشية والصيد البري والبجري والحرف كما استخدموا في خدمة الجيش والمحاربين أثناء الحرب والفتوحات والتوسع وكذلك خدمة بيوت الأرستقراطيين والمالكين .
وفي سياق المجتمع العبودي وفي أحشائه ظهرت انوية وإرهاصات المجتمع الإقطاعي .
كان مجتمع الجزيرة العربية هجينا مخلوطا حين ظهور الإسلام .
فكانت ارستقراطية مكة تملك العبيد والتجارة والأرض . كانت العبودية موجودة والإقطاع موجود في المناطق حسنة الزراعة . وقد حاز المسلمون على اراضي اليهود واقطعت لبعضهم . وكانت القبلية لا تزال النمط السائد الذي توسعت فيه العبودية والإقطاع . وكانت دولة الأمويين فيها الإقطاع العبودي بمعنى ان النظامين متجاورين. وكانت الحروب و تجارة الرقيق هي مصادر العبيد وخاصة الذين يتم جلبهم من أفريقا والذين قاموا في عهد هارون الرشيد بثورة الزنج.
لقد سقط المجتمع العبودي بمعناه الإقتصادي الإجتماعي والتاريخي ولكن العبودية والإستعباد ظلا قائمين عهدا طويلا .
ففي عهد العثمانيين كان العبيد يملأون قصور الأسياد ورجال الحكم الكبار وكانت قصور السلاطين تعج بالعبيد والجواري .
وكذلك اعتمد الأمريكان عل عمل العبيد المجلوبين من أفريقيا وهم اليوم يمثلون الزنج الأمريكان وظلوا مستعبدين حتى انتفضوا وتحرروا وبعد تحررهم ظلوا يعانون من اشكال فظيعة من التمييز العنصري حتى بدأت الأحوال تتحسن بعد حركة مارتن لوثر كينج في بداية ستينات القرن الماضي وفيما بعد وحتى الآن يناضلون للقضاء على ما يعانونه من التمييز.
واليوم فإن الشرائع الدولية وحقوق الإنسان تحرم الإستعباد والعبودية وتلاحق من يثبت عليهم التورط في ذلك كمالا ان قوانين الدول تحرم الإستعباد وتساوي بين الناس أمام القانون ولو شكلا .