العراقي والدين

محمد لفته محل
2017 / 2 / 8

الدين الإسلامي مكون أساسي في البناء الاجتماعي للمجتمع العراقي، لأنه معيار اجتماعي شرعي ومعرفي وأخلاقي وجزائي، واستقرار نفسي وروحي للأفراد، وهوية جماعاتية أوسع من القبيلة تبرز قبالة الآخر طائفياً أو دينياً. ومعنى الدين اجتماعيا متأثر جدا بثقافة المجتمع وبنائه القبلي، وهذا يتجلى من خلال التدين الذي سيكون موضوعي بدلا عن الدين. وهو ما يسمه علماء الاجتماع الدين الشعبي وهو موضوع مهم في علم الاجتماع الديني.
إن الصورة النمطية للتدين في المجتمع العراقي هو العبادة، أي الصلاة والصيام والتسبيح في طائفة إسلامية ما، ويعبر الناس عن ذلك بعبارة (صائم مصلي) أو (مؤمن) لوصف من تعتبره متدين. لأن للتدين احترام وصيت اجتماعي يكون جزء من سمعة الفرد. ووظيفة التدين للفرد هو الحصول على أجر وحسنات تزيد رزقنا وتوفقنا في الدنيا ولندخل الجنة، ونمسح سيئاتنا كي لا ندخل النار بالآخرة. أي أن التدين عندنا طائفي من اجل خلاصنا الفردي والمتاح للعابدين من جماعتا الطائفية فقط، وهذا الفهم نابع من تاريخ الاجتماع السياسي الذي احتكر الحكم لطائفة على الطوائف الأخرى المقموعة، التي دافعت عن تهميشها بهوينت (جعلته هوية) طائفتها جماعياً، فأصبحت الطائفة قبيلة تجمع العشائر المتماثلة طائفيا لتكون عصبية قبلية متماسكة تعتقد بحقيقتها وحدها (الفرقة الناجية) نظير تقديس ألشرف الرفيع والنسب الأصيل عند القبيلة. فالتدين هنا يأخذ خلاصاً فردياً وجماعياً في الدنيا والآخرة من دون أن يشكل وحدة اجتماعية قومية، ما جعله أحد أسباب الانقسام الاجتماعي. الدين هو عبادات ومعاملات وأخلاق، والعراقي يركز على العبادة ويهمل الأخلاق والمعاملات، ويتركها للكلام بها. العبادة هي علاقة حصرية بين الفرد والله وهي تخص حياته وآخرته وسمعته، أما الأخلاق والمعاملات فهي علاقة الإنسان بالإنسان وهي تخص المجتمع، الأخلاق والمعاملات تساعد في تنظيم معاملات الناس وفق ضوابط حتى لا يعم الفساد والفوضى، وتكون بديلة عن أخلاق الغلبة والتنافس والمصلحة، أما العبادة لوحدها فهي خاصة بالإنسان وربه للفوز بالدنيا والآخرة، وحين يكون الدين عبادة فقط بدون معاملة، تكون أخلاق الغلبة والمصلحة هي البديل الدنيوي عن معاملات الدين، ولذ نرى كثير من العراقيين ملتزمة بالعبادة والأدعية وفاسدة إداريا وماليا، وتغش بالبيع، وتكذب بالكلام، وترتشي وتزوّر وتختلس بالمال العام أو الخاص؟ والعراقي مخلص في عبادته مع نفسه وليس رياء كما يظن سائر الناس، عازلا الدين عن وظيفته الأخلاقية والمعاملاتية! أي انه يطبق نصف الدين. وبعض العراقيين يستخدم التدين للغش مستغلاً اثر الركوع على جبينه الذي يعتبره الناس علامة التقوى التي تستوجب الاحترام والثقة، فيستغل هذه الثقة ليغش الناس بيمينه كذباً وبوقاره يستغفل الناس ويستغلهم.
والعراقي المسلم يركز على العبادة دون المعاملات والأخلاق لان الناس من جانبها تكتفي بالمظاهر الدينية أولا، فالرجل الذي يلبس الدشداشة (=جلباب) والقلنسوة والمسبحة في يده واثر السجود بجبينه ويذهب للمسجد والحج؛ ويكثر من قراءة المصحف ويستشهد بالأحاديث النبوية في أحاديثه مع الناس، ويحرّم الأغاني والسفور ويحث الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فتصفه الناس (متدين، مؤمن، حجي، صائم مصلي)، وهناك انطباع عند الناس إن كل متدين صادق، زاهد، خيّر. وتكتفي الناس بإلزام أولادها الصلاة فقط دون التركيز على الأخلاق، وهم يذهبون لصلاة الجمعة والاستماع للخطبة دون أن تتأثر كثيراً بما تسمع، لان الذهاب غالبا من اجل الأجر وليس التأثر، وكذلك الحال في الاستماع لخطب التلفزيون فالأجر أهم من التغير. وهناك جانب نفسي مهم جدا وراء تركيز العراقي على العبادات هي أن التدين مرتبط بتحسن العمل والمعيشة والراحة والصحة والإنجاب والنجاح التي يعبر عنها (الرزق والستر والعافية) وهو ما اسميه (التوفيق الدنيوي) وهو يمثل الجانب النفعي والنفسي الدنيوي من الدين الذي يجهله الكثير معتقداً أن وظيفة الدين أخروية روحية فقط وهو ما انتبه إليه عالم الاجتماع (ماكس فبير) إن الإنسان بحاجة لقوة عقلانية ربانية تفسر معاناة وآلام البشر وقبول حقيقة الموت(1) والدين كما يرى (فيبر) لا يخص العالم الآخر بل يخص هذا العالم الأرضي(2) ويمكن فهم هذه الوظيفة اجتماعياً باعتبارها وسيلة ضبط اجتماعي للالتزام بمعايير الجماعة الأخلاقية حيث تتحسن حياته أو تسوء جراء التزامه بمحللاتها ومحرماتها لهذا نصف غير المتدين (لا يحلل ولا يحّرم) أما المؤمن فنصفه (يستحرم).
والعراقي يهتم بطهارة الجسد من النجاسات كالتبول واقفا، ولا يتنجس من الكذب والنفاق والرشوة والسرقة والفساد؟ ولا يربط طهارة النفس بالنزاهة والأمانة والصدق والإخلاص والوفاء؟ وهو يحرم بعض المأكولات والمشروبات دون أن يحّرم رمي النفايات بالشارع؟ التجاوز على أراضي الدولة؟ هدر الماء والكهرباء؟ إطلاق النار بالمناسبات؟ مخالفة قواعد المرور؟ الإضرار بالممتلكات العامة؟ التدخين بالأماكن المغلقة؟ تجاوز الآخرين بالطابور؟ إزعاج الغير بالصوت العالي؟ والسبب هو حصر الدين بالعبادات فقط دون المعاملات. ولأن الله مقدس والإنسان مدنس، يلتزم تجاه الله لأنه مصدر رزقه وخلاصه، وينفلت تجاه الإنسان لأنه منافسه في العيش والمكانة، الله غاية والإنسان وسيلة كما يعتقد المؤمن، لتكون الغاية تبرر الوسيلة.
بعد المرور على مفهوم التدين في المجتمع العراقي لابد أن نمر على نظرة العراقي إلى الله لأنها هي التي تحدد موقفه من الدين. علاقة العراقي بالله يحكمها الخوف والضعف والحاجة! ولان الله لا يريد سوى العبادة والطاعة فليس للنزاهة والصدق والأمانة مكانة بينهما لأنها خاصة بالتعامل مع البشر، فأي عمل غش يقوم به يطلب العفو والمغفرة والتوبة عنه بالصلاة والدعاء والتسبيح والتصدق للفقراء، لإرضاء الله وليس المجني عليه، ودائما يردد العراقي (يمعود الله غفور رحيم) ليبقى يغش ويكذب ويختلس كأن التوبة والمغفرة هي مبرر الذنوب! فبحجة أن الله غفور رحيم ترتكب الأخطاء ليغفرها الله بالعبادة فيما بعد؟ لان الله لا يريد من الفرد إلا العبادة والطاعة وكل ما عداها يهون كما يرى العراقي! أو يستخدم الوساطة مع الله بزيارته للأضرحة المقدسة ليشفعوا له عند الله وهو أيضا إسقاط للوساطة الأرضية على السماء فيمحو ذنوبه كأنه عاد طفلا!.وكما يقول عالم الاجتماع (علي الوردي) أن (كثرة الشفعاء: وهذه ظاهرة اجتماعية نلاحظها في كثرة المراقد المقدسة التي يقصدها الناس ويتهجدون عندها ويتوسلون بها ويبثون شكواهم فيها. فمن النادر أن نجد من البلاد المتحضرة ليس فيها مثل هذه المراقد على وجه من الوجوه. يصعب على الحضر أن يطلبوا حاجاتهم من الله مباشرة. فالله في نظرهم كالسلطان العظيم جالس على عرش عال جدا في السماء، وهم يريدون شفيعا يتوسط لهم عند الله. أنهم اعتادوا في حياتهم السياسية أن يوسطوا الشفعاء في حاجاتهم عند السلطان، وهم يحسبون الله مثله لا يقضي حاجة إلا بتأثير الشفعاء والوسطاء.)(3) أي أن العراقي يخاف الله ويحتاجه قبل أن يحبه! لأن عقاب الله إذا غضب يتجاوز الأفراد إلى أسرهم وأقاربهم أو حتى العقاب الجماعي لمدن.(4)
إن الدين عامل توحيد اجتماعي كما نظر إليه عالم الاجتماع (إميل دوركهايم) لكن الدين أصبح عامل انقسام طائفي عندنا! وهذا عائد كما قلت لتسيس الطائفة بمنحها "حق مقدس بالسلطة" كنظرية الحق الإلهي لإضفاء الشرعية السياسية دينياً على الطائفة، ما دفع الطوائف الأخرى للانكفاء على نفسها وتمايزها عن حكم طائفي لا يمثلها رغم ادعائه ذلك، ثم يقوم بقمعها عند رفضها الاعتراف به، فتمتزج العصبية القبلية بالطائفة ويصبح الدفاع عنهما كشيء واحد، فيظهر التكفير المتبادل والنرجسية الطائفية (الفرقة الناجية). ويمكن استثمار الدين عاملا ثوريا ضد الأنظمة الفاسدة، لكنه صار عامل تزكية الأنظمة وصك شرعيتها عندنا، والعراقي يلتزم بالعبادات دون الالتزام بالمعاملات والأخلاق سوى القول دون الفعل، مستبدلا إياها بالقيم البدوية القائمة على الغلبة، أي أن الدين مجتزأ التطبيق، فالعراقي قد يصلي لكنه فاسد إداريا أو ماليا في دوائره الحكومية؟ يتكلم بالزهد في الدنيا وقد يكون مهووس بالجنس والمال في حياته، أو يغش في البيع والشراء، أو يغش في مهنته إذا كان الزبون في غفلة منه أو جاهل بأجور المهن. بتعبير آخر إن الدين كما نفهمه يوحدنا في مواجه الآخر المختلف، ونوظفه كجماعة وليس كمجتمع.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
1_دانيال هيرفيه ليجيه، جان بول ويلام، سوسيولوجيا الدين، ترجمه عن الفرنسية درويش الحلوجي، المشروع القومي للترجمة، المجلس الاعلى للثقافة 2005، ص92.
2_نفس المصدر، ص93.
3_الدكتور علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، إصدارات دار الحوراء، 2005، ص104.
4_استفضت في شرح علاقة العراقي بالله في مقال مستقل (العراقي والله).