نقل اللفظ القرأني الى المعنى العلماني

الطيب عبد السلام
2017 / 2 / 8

اللفظ هو العلامة،هو الاثر الدال على المعنى و ليس هو بالضرورة المعنى عينه.
و اللفظ العربي الذي ننطقه اليوم ظهر كنتيجة منطقية للتطور الثقافي و التداخل الانثربلوجي بين المجتمعات الانسانية.
اللفظ سائل،متحرك ليس حكرا على ثقافة او جنس بشري بل هو قابل و بسهولة لل "النقل" من مجتمع الى أخر،و انتقال اللفظ ليس يشترط معه انتقال المعنى المتعلق به بل قد يكون دالا على معنى أخر و حتى و ان دل على ذات المعنى في مجتمع معين و نقل بحذافيره الى ذات المعنى في لغة أخرى فأن فعاليته لا شك مختلفه،ذلك و انه يتحرك تجاه ذات المعنى بجوار الفاظ اخرى لا شك ان بنيتها ستؤثر عليه و ستطوعه و ستصهره لصالحها و تجعله جزاء من بناء جدارها.

اذا و بتثبيت هذه القاعدة المهمة بأن اللغة هي وليدة التجربة البشرية و ليست الهاما من قوى ميتافيزيقية نستطيع و بثقة ان نخطو خطوتنا التاليه تجاه "اللغة اللاهوتيه" ثم بعد ذلك المعنى اللاهوتي و اخيرا نقل المعنى اللاهوتي الى المعنى العلماني،تلح علي هاهنا الاحالة الى مقالي المشور في الحوار المتمدن "الدين الصالح لكل مكان و زمان" فهو مقال تأسيسي لهذه المقالة و سوف اضمنه اياها نظرا الى وحدة الغاية.

قلنا بأن اللفظ منتوج اجتماعي بشري بحت تطور و سيتطور ما وجد الانسان.

نضيف هنا بأن اي مجال انساني ينتقي من تلك اللغة المفردات التي يحتاجها و بالتالي يخلع عليها معناه و "صرامته اللفظية" و قوانين "معناه".

فالشعر مثلا يميل الى فعل "التشبيه" و هو حالة متصله من نقل الصور فيما بينها لاحداث فعل "البلاغة" في نفس سامعه اولا و ثانيا لدقة ملاحقة المعنى الذي يلاحقه الكاتب.
و الطب مثلا يميل الى الالفاظ الصارمة في تحليل الاعضاء و العلل و هو لا يعمل خارج اي "معنى ميتافيزيقي" بل هو محكوم باصطلاحات معينة تدل مباشرة على "المعنى الطبي".

اذا ف "لفظ" اي مجال يتحول من مجرد لفظ يومي يتحول الى لفظ "ذي وقع=ذي معنى" فيتحول من مجرد لفظ عابر الى لفظ حامل لرسالة بعينها و معنى قد يسبب فقدان اي حرف فيه الى فقدان كامل المعنى و الاطاحة به.

ننتقل هنا الى "اللفظ التيولوجي" او اللفظ الديني هذا اللفظ الذي لا شك انه سيصبح مرتديا زي الثيولوجيا..زي التعالي الالهي.

سيخرج اللفظ هنا من معناه و من معهوده البشري ليتزياء و ينضبط ب لوغوس مفارق.
ينضبط بمعنى اخر و المعنى في الثيولوجي معنى ميتافيزيقي مفارق للنظام البشري و متعاليا عليه.

ستخرج اللغة و اللفظ هناك من كونهما دلالتين بشريتين الى كونهما دلالتين الاهيتين
دلالتين مقدستين.

سيتحول اللفظ الى "عرش لله" و بالتالي سيفقد بشريته و حسيته و قابلية التصرف فيه ليصبح "لفظا مقدسا" و بذلك يخرج اللفظ من طبيعته الى طبيعة ميتافيزيقية تجعل الموت من اجله اسمى غايات المؤمنين به.
فتصبح عبارة "الله اكبر" و "لا اله الا الله" عبارات مقدسة،و تصبح الكلمات من دلالة بشرية الى كلمات تحمل المعنى الالهي ان لم تكن هي الالاه نفسه.
لذلك نرى ان ثمة فتاوى صدرت بادانة رمي الصحف او الاوراق المكتوب عليها باللغة العربية لأنها قد تحتوي "اسم الله".

و الله حضوره ليس ذلك الحضور "العقلاني السببي" الذي يساوي في المعرفة الانية لفظ "المطلق=الديمومة=حلم البشري الازلي" بل هو الاه لا سببي الاه يتدخل في صنع كل صغيرة و كبيرة في الوجود و هو الالاه الكاثوليكي و الارثوذكسي بحذافيره و ليس الالاه البروتستانتي او الاسبينوزي او المحمودي "فصلت ذلك في مقالتي: الله في فهم محمود".

و مع الاسف الاسيف انسحب العلمانيون تماما من هذه الساحة ساحة "النضال في المعنى" و تركوا المعنى حكرا لجماعات الدين السياسي من جهة و للجماعات الغنوصية المستقيلة عن الواقع من الجهة الأخرى.

تركوا المعنى "سجينا" للرؤية الارثوذسكية و ذهبوا الى ارثوذسكية مادية متطرفة اعلنت "قطيعة ابيستمولجية" مع كامل الماضي و لم تتعامل مع الامر باعتبارها استمرارية له و بأنها اتجاه جديد فيه و سنتناول هذا الامر بالتفصيل في مقالنا "وهم القطيعة الابستيمولوجية العلمانية".

في هذه المفازة من الا تفاهم استثمر الاسلام السياسي حالة الظلم السياسي و الاوضاع المعيشية المتردية و تمددوا باكثر مما فعل التوجه العلموي الذي ترك نبعا لا ينضب من المعنى،اسمه معنى المطلق.

هذا النبع الذي يجدد "الايمان" الذي لا ينضب به،الايمان المتجدد بتجدد الانفاس البشرية المستحيل على المحو و الاخفاء.

ان كل الديانات استثمرت هذا المعنى و عبره استمرت،ذلك المعنى النبيل،المعنى الذي يحلم به البشري و يظنه في نفسه.
انه معنى "الخلود" معنى الاستمرارية و الاستمرارية لا يهبها للانسان الا المستحيل على الموت و الفناء جل جلاله.

و بربط الانسان بذلك الخالق الدائم و بانه "خليفته على الارض" يتسامى الانسان عن تصور انه مجرد عابر فاني الى كونه امتداد للالهي عبر الحبل السري الرابط بينهما "=الروح" هذه الروح التي يستحيل معرفتها او فهمها بالحواس البشرية العادية "قل الروح من امر ربي" هي الضمانة الاكيدة لكون البشري "باق الى الابد".

ان هذه الغاية النبيلة لم تفهمها العلمانية في السياغ الانثربيلوجي الصحيح فتعاملت معها باعتبارها و ان صحت فهي اداة لسلطة رجال الكنيسة و الدين و بالتالي عليها ان تدفنها معهم في ذات القبر.

لقد كانت الثورة الفرنسية "1789" العظيمة ثورة ضد الكنيسة و تسلط كهنتها على "المعنى الالهي" و احتكارهم اياه هذا المعنى الذي كانوا يستجوبون الناس في "غرف الاعتراف" ليعرفوا الى اي مدى التزمت "اللفظة البشرية" بتجسيده و الامتثال اليه.

غير ان الثورة المبجلة في ثورتها على "احتكار المعنى" ثارت على المعنى نفسه و قد الغته من دساتيرها لكنها فشلت و ستفشل قطعا في الغائه في حياة مواطنيها.
استأنس هنا بما قاله محمد اركون " بأن نيتشه حينما اعلن موت الله فأنه لم يعلن موت الله بمعنى "الله=المطلق" بل اعلن موت الالاه القرواوسطي المتحكم برقاب الخلق و المتسلط عليهم بل هو قال ما رأه من حوله من انتصار للثورة الفرنسية و من حدوث الثورة الصناعية التي انتجت مجتمعا لم يعد "الله يعمل فيه".

و نيتشه من باب المفارقة ازاح الاها ميتافيزيقيا و وضع مكانه انسانا ميتافيزيقيا "السوبر مان".

ان المطلق يستحيل على القمع او الازالة على المحو لأنه المحايث للانسان و المتعالي في ذات الوقت عليه.

استثمرت الاديان في المطلق و انسحبت العلمانية العربية من ساحته فانتجت خطابا متضادا معه.
خطابا مصابا ب "اسلاموفوبيا" يستنفر كامل قواه الايديلوجية في الرد على "اللفظ" و يخلي الساحة لل "المعنى الكامن في اللفظ".

ان عملي هذا هو اندفاع في اتجاه تحرير "المعنى" من سجن الكهنوت اولا و ثانيا تحرير اللفظ من الكهنوت.

و هاهنا لا بد ان نتذكر مشروع محمود محمد طه الذي قام فيه بمبادرة جد قوية و جد بارعة في تحرير المعنى عبر "التاؤيل" و تحرر المعنى يؤدي اليا الى تحرر اللفظ و اللبيب بالاشارة يفهم.

لقد دعا محمود الى ابطال مفعول "المعنى المدني" و الانتقال الى تفعيل "المعنى المكي" هذا الانتقال لا شك و انه سيطيح بكامل "اللفظ" المدني بصورة الية و بالتالي حدوث ذلك الجفاء النفسي مع النص المدني و الجفاء يؤدي الى جفافه و جفافه يؤدي الى بتره و "قد حدث" ذلك بالفعل.

القرأن اليوم الذي في ايدي المحمودين لم يحرف بل هو النسخة العثمانية الموجودة في كامل تراب الدول السنية لكنه حدث فيه "انتقاص في المعنى" ذلك الانتقاص يؤدي ميكنيكيا الى الانتقاص في اللفظ.

و احسب أنني لا شك مفصل ذلك الامر في مقالتي التي انويها "سلام هي حتى مطلع الفجر... تأمل في روحانية القرأن".

ايا يكن فما بذله محمود في هذا المشروع لا شك انه جهد لم يكشف عنه بعد لأنه عومل بالتسليم و الايمان و ليس التفكير و المساءلة.

اذا فمحمود "أول المعنى" مستخدما في ذلك "الصلاحيات العرفانية = و اتقوا الله و يعلمكم الله" و هذا التاؤيل ادى لانتقال "اللفظ" و بالتالي "مدلول اللفظ" من المربع الارسوذكسي المغلق الى مربع "الصيرورة البشرية المتحركة العاملة في فضاء المطلق الالهي".

لو قارنا بين محمود و المعتزله لرأينا ان كليهما اشتغلا في ذات الاتجاه و هو اتجاه "الاستدلال على الله بالتجربة البشرية و ليس المقولة القرأنية علما بأنهما لا يتعارضان و ان تعارضا تعطى الاولوية لديناميكيا الحركة البشرية لتاؤيل النص بما يتماشي و يوافق العقل".
و لذلك نجد ان كليهما لم يستغنى عن "اللفظ القرأني" و بالتالي عن "سلطاته و صلاحياته" بل و ظفاه لصالح "تحريكهما للمعنى" ايا كانت مشروعية "المبرر او التعليل" ذلك التحويل عرفانية كانت كما لدى محمود او كلامية كانت كما هو الحال لدى المعتزله.

ننتقل اخيرا الى اجتهادنا الاساس في هذا المقال و هو "نقل اللفظ القرأني الى المعنى العلماني".
و قد تطرقنا بما يكفي لجانب اللفظ و بشريته و بقي علينا التذكير ب علمانية المعنى و تحريكه من عالم الميتافيزيقيا الى عالم التجربة البشرية.

افضنا في هذا المقال في القول بأن الدين استثمر المطلق لصالحه و جبن العلم عن مقارعته تاركا له "المطلق بما حمل".

ان فهم المطلق و بالتالي "تحريك معناه" من التصور الثيولوجي الى المعنى العلمي الانثربيلوجي سيحقق لنا غايتنا التي نرجو.

ذلك و أن المطلق حتمي لأنه متصل بالمعنى الازلي...معنى وجود الانسان و سبب استمراريته.

ان الانسان يعي بأنه "لفظ" و لكنه لفظ منبوذ و وحيد في هذا الامتداد الطبيعي الموحش سواء كان امتداد جيولوجيا او امتدادا عمرانيا مدنيا.

انه "خائف" في اعماقه،متشوق الى معناه الصمد.. لأنه لفظ...و اللفظ في تعلق مستمر بمعناه هذا المعنى الذي لا يكف عن تدليله و مراقبته و العناية به.
هذا المعنى الذي حجبته عنه الاديان و طقوسها و قمعته الحداثة و "اكليروسها".
و لكنه يأبى الخفوت و الانسحاب.

ان "العلمانية الا متجددة" علمانية الثورة الصناعية مطالبة و قد بدأت بالفعل باستصحاب "المعنى المطلق" المعنى الحي الذي دفنته مع جثة الدين دون ان تعي اهميته و حيويته،للمزيد في هذه النقطة راجع مقالي المنشور في موقع الحوار المتمدن "نظرات جديدة في الميتافيزقيا".

مطالبة باستصحابه في خطابها و الوعي باهميته.

هذا المعنى الذي لم يتحرك في شرقنا الاوسط قيد انملة عن جثة الدين الحية في كل المنابر و المساجد.

و اظن بأن الفرصة قد حانت لتبدل الحال و ليمارس العلمانيون دورهم الحقيقي بدلا عن لعب دور "الاطرش في زفة الدين" و ان يدرسوا القرأن الكريم دراسة عقلانية منطقية تجعلهم يستخلصون ما هو ثاو خلف اياته من متفقات بشرية تجمع الجميع و لا تفرقهم.

ان عزوف العلمانين عن اللفظ القرأني انما هو عزوف جبان يكشف جهلهم و يباعد بينهم و بين احداث التغيير الحقيقي في اذهان الجماهير،للتوسع في الموضوع راجع مقالي في الحوار المتمدن "التغريبة العلمانية".

في ظني انه و قد اظلنا عصر ما بعد الحداثة حيث اخرج الدين من مقبرة الايديلوجيات الميته و اعيد تشريحه تاريخيا و انثربلوجيا و فلسفيا لفهم ما هو ثاو فيه و خلفه و فهم سر استمراريته بعد كل قرون القمع و المطاردة و الابعاد من الفضاء العام.
فأن ذات الامر ايسر عندنا ذلك و ان الدين ما زال سجينا لتصورات القرون الوسطى عنه.

اننا لا نريد لنضالنا ان يتبدد في محاربة صخرة "اللفظ المقدس" الذي يقاتلنا به القرواوسطيون او دعاة "الايمان القويم = مجمع نيقيا 325".
بل اننا نريد انتزاع ذات السلاح منهم و تجريده من ايديهم لا لننتصر بهم عليه بل لنستفيد من فعاليته لصالح فعاليتنا التي هي فعاليته الحق التي جاء بها و كانت هي نواياه الحق..نواياه في طمأنة الانسان و احتضانه و تخليصه من الخوف لا قمعه به و التسلط عليه عبره بكبته داخل تفسيرات احادية ضيقة الافق تبرر للسلطة السياسية قمعها و صلفها.

انني بهذا الوعي لا اتنكر للقرأن الكريم الذي اميل لتسميته بالقرأن البليغ لا اتنكر لهذه الروعة المنثالة فيه و هذه المجازات الغنية في داخله لاتركه غنيمة سهلة في ايدي اعداء الله و اعداء الانسان.

انني حينها اكون كمن يترك قصرا فخما لأن فأرا تسلل اليه و فتح جحرا فيه.

أن القرأن اسمى و ابلغ و اغنى من ان يترك غنيمة سهلة لهذه التصورات "القر اوسطية" فهو الصالح لكل مكان و زمان صالح ما استمر الانسان على الارض.

صالح بانفتاحه على "المعنى المطلق" الشوق البشري الى الخلود فهو المنفتح على صيرورة الزمن النافي و المتعارض مع اي كهنوت مورس او يمارس تحت مظلته او بأسمه و هو بري من ذلك و بري من "احادية المعنى و قرواوسطيته" و قابل للتحرك نحو الافق الما بعد حداثي الما بعد علماني.
قابل للتحرك في معناه و لفظه صوب الحركة الانسية المضطردة ذلك و أننا ابتدانا مقالتنا بالقول ان اللفظ و المعنى سمتهما الحركة و التجدد باضطراد التجربة البشرية.