السؤال الثاني ؟؟!!

محمود فنون
2017 / 2 / 7

السؤال الثاني؟؟!!
محمود فنون
23 |3|2012
السؤال الاول
بدأ السؤال الاول يطرح نفسه في عقول بعض الساسة الفلسطينيين منذ ما بعد الخروج من الاردن في 1971م حيث تمت تصفية الثورة وذيولها هناك ودخلت البلد في حالة قهرية وقمعية تقف بالمرصاد لكل ما ينم عن روح الثورة الفلسطينية.
وكان رئيس الولايات المتحدة في ذلك الوقت عام 1970م وبعد مذابح ايلول قد طرح بما يمكن ان يفسره الراغبون بأن امريكا لا تستطيع ان تتجاهل ما يمكن ان يوصف بالحقوق القومية للشعب الفلسطيني.
كان هذا التصريح الاول من نوعه ،وقد اتى في مناخ انهيار المقاومة الفلسطينية في الساحة الاردنية.
ثم جائت حرب اكتوبر سنة 1973م التي انتهت بتدخل امريكا من اجل ايجاد تسوية لقضية الشرق الاوسط كما كانت تعرف في ذلك الوقت. وتعني معالجة قضية الجولان وسيناء والضفة والقطاع أي ما احتل من الاراضي عام 1967م من قبل اسرائيل وفقا لقرار مجلس الامن الدولي المعروف بقرار 242 المتخذ في 22 تشرين ثاني سنة 1967م حيث عقد مؤتمر جنيف للسلام عام 1973م ودعيت بلدان الطوق ولم تدع المنظمة.
"افتتح الأمين العام للأمم المتحدة الدكتور كورت فالدهايم مؤتمر السلام في جنيف في 22/12/1973 بحضور ممثلي كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي ومصر والأردن و(إسرائيل). وأما سورية التي كانت قد تلقت الدعوة لحضور المؤتمر فإنها رفضت المشاركة فيه لاعتقادها أن كل المؤشرات والدلائل تؤكد عدم جدواه ما دامت (إسرائيل) لم تلعن عن استعدادها للانسحاب من كل الأراضي العربية المحتلة والاعتراف بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني, الأمر الذي يعني أن المؤتمر سيدور في حلقة مفرغة ويمكن (إسرائيل) من قطف ثمار عدوانها وتوسعها وتحقيق أهدافها".
في ظل هذه الاجواء المشحونة بامكانية اجراء تسوية بين البلدان العربية واسرائيل بمعزل عن المنظمة تدخل العرابون من كل شاكلة وطراز وطرحوا السؤال الاول :هل من المعقول ان نظل نرفع شعار تحرير فلسطين من النهر الى البحر ؟
لقد اخذ هذا السؤال اشكالا عدة :من نوع
هل يسمح لنا العالم بتدمير اسرائيل ؟
هل شعار تحرير فلسطين من النهر الى البحر هو شعار واقعي ؟
لماذا لا نكون واقعيين ؟
ان كل هذه الاسئلة وغيرها هي تعبيرات عن سؤال واحد يتعلق بكفاية وجدوى النضال الوطني الفلسطيني ومآل هذا النضال.
وقد اجاب العرابون ومن خلال متواطئين من الرموز القيادية البعيدة عن النضال ومن خلال كثرة من الرسائل التي وصلت القيادة الرسمية والمتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية ،بأن هذا الشعار لم يعد واقعيا وانه اذا استمر العرب في مسارات التسوية من خلال امريكا فانه لا مكان للمنظمة في هذه التسويات وهي ترفع شعار ابادة اسرائيل ! وبالتالي على المنظمة ان تلحق نفسها اذا ارادت قيادتها ان تحصل على الضفة والقطاع وان يكون لها كرسيا في مقاعد التسوية.
وحتى تصبح المنظمة مقبولة ومن الممكن ان تندرج في مناخات التسوية فلا بد لها "من رفع شعارات واقعية ومقبولة لقوى التسوية ويفهمها العالم"."أي شعارات على مقاس 242 ومشاريع التسوية المتداولة في حينه وهي كثيرة.
فكان طرح شعار" السلطة الوطنية كما جاء في قرارات الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني المنعقدة في حزيران1974"تناضل م.ت.ف.بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير الارض الفلسطينية واقامة سلطة الشعب الوطنية على كل جزء من الارض الفلسطينية يتم تحريرها وهذا يستدعي احداث المزيد من التغيير في ميزان القوى لصالح شعبنا"
وحتى نلحظ التغير الجوهري الذي حصل في الموقف الفلسطيني الرسمي نستذكر قرارات المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الرابعة المنعقدة من 10-17|7|1968 م أي بعد ما يزيد على سنة من حرب 1967 م وقبل ذبح المقاومة في الاردن على يد الجيش الاردني:
"القرارات السياسية
-على الصعيد الفلسطيني: 1
اولا :الهدف هو تحرير فلسطين بكاملها وممارسة سيادة الشعب الفلسطيني عليها وتأكيد الشخصية العربية الفلسطينية والوقوف في وجه اية محاولات لاذابتها والوصاية عليها.
ثانيا:الاسلوب هو الكفاح المسلح والنضال لاسترداد الارض والحقوق المغتصبة وهذا يدعو الى الاعلان بصراحة عن ان هذا الكفاح يتجاوز ما اصطلح على تسميته "ازالة آثار العدوان" وما شابه من شعارات".
وجائت هذه القرارات لتعرف فلسطين بحدودها الانتدابية وترفض فكرة التسوية التي تستهف معالجة آثار حرب 1967 التي تتعلق فقط بالضفة والقطاع في جانبها الفلسطيني.
وقد استمرت قرارات المجلس في دوراته المتلاحقة تؤكد على هذه المعاني حتى الدورة التاسعة سنة 1971م التي جاء فيها
"3 - التسوية السياسية:التمسك الكامل بالحقوق الكاملة للشعب الفلسطي الفلسطيني في تحرير ارضه عن طريق الكفاح المسلح وتجديد الرفض الحاسم لجميع الحلول السلمية والاستسلامية والمشاريع التي تتعرض للحقوق الطبيعية والتاريخية للشعب الفلسطيني بما في ذلك قرار مجلس الامن رقم 242 الصادر في 22|11|1967م ومشاريع روجرز المتعاقبة "
وفي الدورة العاشرة سنة 1972"مواصلة تعبئة وتنظيم كل طاقات الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه في حرب شعبية طويلة الامد من اجل التحرير الشامل واقامة المجتمع والدولة الديموقراطية .."
وفي الدورة الحادية عشرة سنة 1973 "رفض جميع اشكال التسويات الاستسلامية"
بعد ذلك من اليسير ان ندرك ان السؤال الاول المطروح اعلاه كان يستهدف الانقلاب على هذه القرارات والمواقف التي شكلت الخطاب الفلسطيني منذ النكبة عام 1948 وحتى تاريخه ،وشكلت قاعدة الثقافة الوطنية وانسجمت مع الحلم الفلسطيني وعززته.
لقد كان السؤال خطيرا ومع الايام حقق نتائج خطيرة. مع انه لم يكن استجابة لمساومة ولا تسهيلا لخطوات انسحابية من قبل اسرائيل عن اية اراضي فلسطينية.
انه تطلب الاجابة التي وردت في قرارات الدورة الثانية عشرة اعلاه والتي جرى تعديلها لتصبح بدون كفاح مسلح وبدون شروط بعد ان تم زجها في انف الشعب الفلسطيني،والتي كانت تعني فقط وفقط ان هدف القيادة الفلسطينية هوالاندراج في مخططات التسوية المتداولة وان تنضم قيادة هذه المنظمة لتكون طرفا مقبولا فيها . وكان هدف العرابين محصورا حصرا وفقط حصرا لدفع القيادة للتنازل باسم الشعب الفلسطيني وادخال المنظمة في عملية تأهيل لتصبح جزءا من النظام العربي ويصبح خطابها جزءا من الخطاب السياسي العربي .وهنا ظهرت جلبهة الرفض لتعبر عن استمرار تمسك الشعب الفلسطيني في اهدافه الوطنية دون تراجع.
والمنظمة لم تكن مطلوبة ولا زالت غير مطلوبة لتسوية القضية الفلسطينية بما تؤدي الى قسمة فلسطين بين العرب واليهود وانما لاضعاف هذه القضية وصولا الى تذويبها ولذلك جاء السؤال الثاني الاخطر!!!
السؤال الثاني :
لقد غادرت المنظمة مواقعها التي اسست من اجلها وغيرت اهدافها وميثاقها وذلك بقيادة الفصائل التي استلمت قيادتها منذ عالم 1968م وعلى رأسها فتح والجبهة الديموقراطية،
لم يتحقق هدف تحرير الضفة والقطاع من الاحتلال الاسرائيلي ،وثبت بعد كل هذه السنين ان تغيير شعار المنظمة لم يؤدي إلاّ الى مزيد من التنازلات التي طالت الخطاب الفلسطيني والثقافة الفلسطينية والحلم الفلسطيني،أي لم تكن التنازلات وسيلة للمساومة من اجل تسوية تقدمية كما طرحت بعض الاطراف اليسارية واليمينية في حينه تسويغا للتراجع الضارفتح والجبهة الديموقراطية والحزب الشيوعي الفلسطيني (كما سمي لاحقل) . بل كانت انسجاما تراجعيا ورجعيا مع النظام العربي الرجعي الذي يتناغم مع السياسة الامريكية ويتفهم الاهداف الصهيونية ولا يتناقض معها .وكانت نتيجتها التنازل عن فلسطين المحتلة عام 1948
ولذلك جاء السؤال الثاني متشعبا شديد الخطورة :
"هل من المعقول ان نظل نطرح شعار اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وحق تقرير المصير وعودة اللاجئين ؟"
لقد كان معنى السؤال الاول فقط وفقط الاعتراف بحق اسرائيل في الوجود على اراضي فلسطين المحتلة عام 1948م وان المنظمة وقيادتها النافذة لم تعد تضع تحرير اراضي 1948 على اجندنها لا قولا ولا عملا.ولم يكن يعني ابدا الاصرار على تحرير الضفة والقطاع كما دلت وقائع المواقف لاحقا. والسؤال الثاني يعني وفقط يعني التنازل عن البرنامج المرحلي للمنظمة ،وكأنه كان درجة على السلم اتكأ عليها الموقف الفلسطيني مؤقتأ كي يغادرها بسلاسة بعد ان استنفذت اهدافها. .
قبل اكثر من سنة ونصف صرح محمود عباس: انه اذا لم تتحقق فكرة اقامة دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل ،فانه سيطرح شعار" الدولة الواحدة" ولم يكن هذا تهديدا بل تمهيدا ،وتطبيعا للعقل الفلسطيني ومحاولة لاحداث اخلال بالسياق الدارج.
قبل اكثرمن سنتين عقد مؤتمر NGOs في حامعة القدس وكنت احد الحضور وداخلت فيه بفرصة محدودة .وكان عنوانه السؤال الثاني بالضبط. هل لا زال بالإمكان تحقيق شعار حل الدولتين لشعبين ، وهل لا زال هذلا واقعيا ؟ وكان السؤال عبارة عن محطة يبدأ منها التخلي عن شعار حل الدولتين وكأنه استنفذ أهدافه لصالح إسرائيل واصبح الحديث عن شعار الدولة الواحدة هة السوق الرائجة .
وفي مقاربة لأحمد قطامش يطرح:بما يفيد ان المجتمع الفلسطيني في الضفة متداخل تماما مع المجتمع الاستيطاني على جغرافية واحدة لدرجة انه لا يمكن الفصل بينهما ،وفي مناطق 1948 م هناك تداخل سكاني واقتصادي واجتماعي ،وان الفلسطينيين واليهود يعيشون ضمن تداخل جغرافي وسكاني واقتصادي لا فكاك منه مما يستدعي طرح شعار الدولة الواحدة الديموقراطية العلمانية . ويؤكد قطامش في صفحة 235 في كتاب اضواء على المسيرة اليسارية الفلسطينية ومقاربات يسارية اخرى المنشور باسم مركز منيف البرغوثي الثقافي الاصدار في 8/2/2005م انتشار اكثر من مليون وربع المليون فلسطيني في 48 ونحو 400 الف يهودي في الضفة الغربية ،في نمو مضطرد بما يتعرض معه أي فصل اقليمي عرقي ، والامر نفسه ينسحب على القدس الشرقية ناهيكم عن حقوق الفلسطينيين في القدس الغربية ...4-هيمنة المشروع الصهيوني على عموم فلسطين وفي كافة الميادين بما يخلقه ذلك من واقع في عموم فلسطين ,اقتصادية وديموغرافية وخدماتية ،كما تزايد الترابط بين التجمعين الفلسطينيين في 67 و48 وتنامي استعدادات النضال المشترك ضد الهيمنة العنصرية والاقصائية في ترابط وثيق مع التجمع الفلسطيني في الشتات في سبيل العودة والحرية والكرامة"
واحمد قطامش مثل بهذا الطرح افضل منظر لأسوأ جماعة يتولوا امر القضية الفلسطينية وقد زاد على فكرة الدولة الواحدة مسوغات من نوع النضال المشترك ضد الهيمنة العنصرية وأن"عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم ،والعودة ليست حقا فرديا وجماعيا وحلما وطنيا فقط ،بل ضرورة سياسية لتسوية الصراع ،وهي اداة تحرير المجتمع اليهودي من العنصرية الاستعمارية التي وضعته في عداء مع المنطقة لعودة التداخل وتقطع الطريق تماما على الفصل الاقليمي"
هكذا اذن ،طرح قطامش الفكرة وذهب ليتفرج عليها وهي محققة وقال لنا بأنها جميلة وتقطع الطريق تماما على الفصل الاقليمي .ولم يقل قطامش كيف سيتم ذلك؟
ان اصحاب فكرة الاعتراف بفلسطين لليهود لا يحتاجون تنظيرا افضل من هذا ،يطرح الفكرة ويذهب سريعا ليتفرج عليها وهي محققة(مع انها ليست محققة ولا احد يريد تحقيقها ) ويزينها لنا على هذا الاساس مع انها مستحيلة التحقيق وخاصة ما دامت تستند على رأي يخالف فكرة يهودية الدولة وانها تفترض عودة اللاجئين الفلسطينيين بملايينهم الخمسة دون ان يذكر من سيعيدهم ولا في أي ظروف سيعودون ،مع ان عودتهم كما يذكر قطامش هي ضرورة سياسية لتسوية الصراع وهي اداة تحرير المجتمع اليهودي من العنصرية.
ان التنظير للسؤال الثاني جاء كذلك كما السؤال الاول من جهات من اصول يسارية ،فبرنامج النقاط العشرة جاء من قبل الجبهة الديموقراطية وهي لليوم تعتز بهذه الخطوة بالرغم من كل الحقائق على الارض ,واليوم تقوم منظمات
NGOs يتنفذ فيها يساريون بالتنظير لهذا الامر وتحضير العقل الفلسطيني لمثل هذه الشعارات ،الى جانب منظمات يتنفذ فيها شخيصات رجعية ومتهالكة وكل من منظوره لخدمة ذات الهدف ،بالضافة الى شخصيات سياسية مهمتها خدمة التساوق مع النظام العربي واثبتت طاعتها لأي طرح مهما كان متعارضا مع المصلحة الفلسطينية.
ان السؤال الثاني قد طرح بعد نجاعة طرح السؤال الاول ،ومن جهات متعددة
يقول احدهم "ليس من المعقول ان تقبل اسرائيل بعودة اللاجئين لأن هذا يعني انها تذهب بنفسها الى هلاكها "ويقول آخر"ضع نفسك يا اخي مكان اسرائيل :هي احتلت البلاد بالقوة وهي لا تقبل بحلول تتعارض ومصلحتها ،ولا يستطيع أي مسؤول اسرائيلي ان يطرح الانسحاب من القدس والاّ فانه سيحكم على نفسه بالموت السياسي ،وقد اصبح اليهود يتعاملون مع القدس الكبرى التي تمتد من رام الله شمالا حتى الخليل جنوبا كعاصمة لهم .ان المنتصر يفرض شروطه..."
"حتى العودة الى اراضي الضفة والقطاع لا تقبل بها اسرائيل وهذه مصلحتها..."
وقال احدهم وهو مسؤول كبير في المنظمات غيرالحكومية.." عندما نصبح دولة واحدة وتتم الانتخابات الديموقراطية ،ننزل بقائمة واحدة بينما اليهود ب 26 قائمة ونكون نحن الاغلبية فنحصل على اغلبية مقاعد الكنيست ونشكل الحكومة وبهذا تصبح الحكومة فلسطينية .." الى هذا الحد بلغ التهالك في خدمة الصهيونية ، يقفز صاحبنا الى النتائج المتوهمة كذبا ويزجها في انفنا ويطلب منا ان نراها كما لو تحققت،وما علينا سوى ان نعجب بها ونؤيدها.
ان كل اشكال التنظير من اجل دولة واحدة هي في خدمة الصهيونية مهما كان شكل التنظير لها وهي وسيلة من قبلهم للاعتراف بوعد بلفور والاعتراف بحق اليهود في فلسطين على حساب الحق التاريخي والانساني للشعب الفلسطيني في فلسطين.
يقول جورج حبش : "إنني اريد التشديد على القول بأن معركة التحرير الوطني الديموقراطي لا بد من خوضها حتى نهايتها وربحها . وذلك شرط ضروري ليكون التحرير حقيقيا ، وبالتالي ليكون حديثنا عن الديموقراطية بعد هدم الكيان العنصري العدواني الإمبريالي لإسرائيل ، بكل مواصفاته وارتباطاته حديثا مسؤولا....
" ...على ان المهم بشكل عام تحديد الخطوط الإستراتيجية للتوجه فمعركة التحرير الوطني الديموقراطي تتجه نحو تحطيم الوجود العنصري الإستيطاني الإستعماري في فلسطين وذلك بالتحرر الناجز دون الوقوع في فخ التسويات والتنازلات..." وكأن الحكيم حصن وجهة نظره ضد أي شخص يحاول استثمار طرحه عن الحل الديموقراطي في برامج بيع فلسطين وما يعرف بالتسوية .