الماركسية و-تشريح العقل الرعوى--1-

محمود محمد ياسين
2017 / 2 / 6

فى هذا المقال والمقالات التى تليه نقدم نقداً للحكم على المادية التاريخية الذى جاء فى إطروحة " تشريح العقل الرعوى" (نقد العقل الرعوى) لمؤلفها د. النور حمد.

كتب مؤلف أطروحة " تشريح العقل الرعوى" عدة مقالات عزا فيها الى ما سماه العقل الرعوى كل إنتكاسات جهود التغيير محلياً وعالمياً، وإفتتحها بإصدار حكمين رئيسين: الأول هو أن المادية التاريخية قد تلاشت؛ والثاتى أن الاسلاميين الذين يحكمون السودان اليوم رعويون ”لا يملكون من محصول المعرفة ومحصول التربية شروى نقير .“ وإنطلاقاً من هذين الحكمين قرر "تشريح العقل الرعوى" أن رعوية الاسلاميين هى التى قادت الى الازمات التى تعانى منها البلاد، وأن "بعض" العلمانيين هم رعويون لن تكون مساهمتهم فى التغيير غير إنتاج العقل الرعوى. يستعمل مؤلف " تشريح العقل الرعوى" فى حديثه عن الاسلاميين والعلمانيين كلمة "بعض" ما يعنى أن هناك إستثناءات ولكنه لم يفصح عنها أوعلى أى اساس إستند الإستثناء، ومن سياق كلماته فهو يقصد بالإسلاميين الجماعات الإسلامية، بما فيها جماعة الإنقاذ التى تحكم البلاد حالياً، التى لا تشاطره رؤيته الخاصة بالاسلام السياسى، وأراد بالعلمانيين الماركسيين؛ كما أن أطروحة "تشريح العقل الرعوى" لا تخبرنا كيف يتسع مصطلح الرعوية ليشمل علمانيين وإسلاميين. وعلى أساس هذا المصطلح الغائم وغير العلمى (كما نبين لاحقاً) يلجأ "تشريح العقل الرعوى"، لتغليف هذا العجز، الى نبرة مستفزة وسيئة الأدب حيث يعتبر إسلامى حكم الإنقاذ جهلة واقزام عديمى التربية وبعض العلمانيين غير مؤهلين لإدراك قواعد السلوك الأخلاقى.

سوف نستخدم قواعد المادية التاريخية، التى زعم مؤلف " تشريح العقل الرعوى" أنها إنتهت، للإستدلال على بطلان حكمه وأن صلاحية التحليل المادى للتاريخ ما زالت قائمة؛ كما سنتناول فحص المنهجية التى أُتبعت من زاوية كفايتها (adequacy) للوصول الى الاحكام التى توصلت اليها الاطروحة. فالهدف من هذه المقالات ليس الدخول فى محاجات حول صحة المادية التاريخية من حيث أساسها الفلسفى الذى يعطى الأولوية للوجود المادى على الفكر مقابل وجهة النظر المثالية التى ترى العكس. فمثل هذه المناقشات تنتهى الى جدل بيزنطي ودائرى (circular argumentation)، فالماركسية تعتبر أن صحة الموقف من المسالة الأساسية فى الفلسفة تكشف عن نفسها فى مجال الممارسة العملية، فالنقاش ”حول واقعية أو عدم واقعية التفكير المنعزل عن النشاط العملى إنما هو قضية كلامية (scholastic) بحتة.“

قبل الدخول في موضوع المقال نشير الى أمرين، أولاً، إعتذارنا من القارئ الى أن أى كلمات حادة لجأنا الى إستخدامها فى وصف الاطروحة تحت النظر تاتى كرد بضاعة لمؤلفها الذى إشتط فى إتجاه التعصب لما يكتبه وإساءة الآخرين؛ وثانياً، التنبيه الى الدفاع الذى نقدمه فى الحلقة الاخيرة من هذه السلسلة عن أهمية نقد " نقد العقل الرعوى" بعد البرهان على زيفه (inauthenticity) وعدم علميته وبؤس نتائجه.


أبدى نقد العقل الرعوى إنبهارا بالأكاديمى البريطانى جون غراى (John gray) ، الذى يحمل لقب "فيلسوف سياسى"، وفكرته التى تؤكد على دوروية (cyclicity) التاريخ؛ وفى جزء آخر من مقالاته التى لا يحكمها ضابط على صعيد المنطق وتقصى الحقائق يدعو مؤلف " تشريح العقل الرعوى" لإقتفاء أثر إبن خلدون بإعتباره ”لا يزال نافعًا“ فى صراع الوبر والحضر.

إن أطروحة "تشريح العقل الرعوى" إذ تدعو لإقتفاء أثر ابن خلدون تصدر حكماً على ان المادية التاريخية شاخت ونضب معينها.

وهكذا قُدم جون غراى وإبن خلدون على المادية التاريخية. وفيما يتعلق بجون غراى فهو معروف بتخبطه الفكرى الذى جعله يتقلب بين الإنتماء لليسار واليمين، ويعلن إلحاده وفى نفس الوقت يروج لما اسماه الدور الإيجابى للدين؛ ولم يخبرنا نقد العقل الرعوى ما هو الجديد فى "نظرية" غراى المبتذلة السابق ذكرها التى تقرر أن جدوى دراسة التاريخ تتحقق بإعتبار أن أحداثه تتم فى شكل دائرى وليس تطورى ولا حتى فى خط إرتدادى. إن غراى لم يقدم إسهاماً أصيلاً، وفكرة أن التغيير الذى يحدث فى المجتمعات البشرية يسير فى شكل دائرى وجدت قديماً بشكل أو بآخر ( إبن خلدون و فيكو وشبينغلر) ولا يسندها الآن الا الغلو فى إعطاء الاولوية للطبيعة البشرية فى التغيير. فالسائد حالياً هو الإجماع الواسع بين المؤرخين المثاليين والماديين على أن التاريخ يسير بشكل متصاعد؛ والفرق بين المجموعتين فلسفى. فالمثاليون يردون التغيير لعوامل ذاتية وثقافية (الوعى)، بينما يؤكد الماديون أن إنتقال الناس من حقبة الى اخرى أعلى يحدده تطور قوى الإنتاج الذى يحدثه الإنقلاب فى علاقات الإنتاج وليس العوامل الثقافية التى تعتبرعواملاً ثانوية.

والآن نتناول مسألة راهنية إبن خلدون على أن نعود لاحقاُ لإثبات صَحَّة (wellness) المادية التاريخية وقدرة مبادئها على " قصم ظهر" ما يسمى نقد العقل الرعوى.

بالنسبة للقول براهنية ابن خلدون، فإن نقد العقل الرعوى يكشف عن عجزه القيام بقراءة نقدية تجعله يستطيع إصدار تقويم واقعى فيما يتعلق بدورأفكار المفكر العربى فى تحليل الظواهر الاجتماعية في العصر الحالى. فقد أهمل نقد العقل الرعوى العناصر الإقتصادية فى اراء إبن خلدون المتعلقة بحياة الدعة التى يعيشها أهل الحضر وإنغماسهم فى الملذات. وتناول الكاتب صالح الحاجى بن على ثنائية إبن خلدون بالشرح والتعليق فى المقتطف أدناه الوارد فى مقال له بعنوان ” السياسة والتربية في فكر ابن خلدون“- ابن خلدون ومنابع الحداثة : فعاليات الندوة العلمية التي أقامها بيت الحكمة بمناسبة المئوية السادسة لوفاته (تونس 2006).

” لقد سبق أن بينا إن سر هلاك الدول و خراب العمران لا يرجع إلى الحضارة في حد ذاتها – واقعا و حدوثا – و إنما يرد إلى تفشي الفساد الذي يغرق فيه القوم . وفعلا، أفلم يقرر ابن خلدون، في أواخر" المقدمة " وتحديدا في الفصل الثالث و الأربعين من الباب السادس والأخير أن " الحضارة هي سر الله في حصول العلم و الصنائع " ) 749 ( ؟ و علينا أن نضيف إذن أن ثنائية " تقدم / سكون أو تراجع " ليست هي التي تقارن ثنائية حضارة / بداوة أو تتقاطع معها سلبا ، بل لعله بإمكاننا القول أن العكس هو الأقرب إلى الصواب في أصل مسار التقدم . أليس" الغلب الذي يكون به الملك إنما هو بالعصبية و بما يتبعها من شدة البأس و تعود الافتراس و لا يكون ذلك إلا مع البداوة " ؟ ) ص 215 (. ألم تقترن الحالات المرضية التي تؤول إليها الحضارة بحالات من الدعة و" الذهول" و" العجز" و قد علقت النفوس " السكون " في ظل دولة تداعت إلى الراحة ؟ ) 175 ( . وإن فكر ابن خلدون في هذه المسألة لمن الوضوح بمكان و يبدو ذلك بجلاء في الفصل الذي عنوانه " في أن من عوائق الملك حصول الترف وانغماس القبيل في النعيم". لقد كتب قائلا : فقد تبين أن الترف من عوائق الملك " ) 176 ( و لم يقل " أن البداوة أو العصبية هي من عوائق الملك". والأمران مختلفان. فإذا حصل أن مثلت البداوة تراجعا في طور من أطوار سياسة الملك، فالأمر ليس مرده البداوة في حد ذاتها – علما أن سمتها البارزة كامنة في حيويتها التي تجعل غايتها الملك – وإنما مرده مسارات في الحضارة ذاتها تجري فيها مجرى الانكسار و التراجع عندما يتداعى فيها الملك إلى السكون، والقوم إلى الفساد، بما يفقدها الاقتدار على مباشرة الحاجات ودفع المضار. أليست " الأمم في أخلاقها ، والأنبياء في سيرتهم، و الملوك في سياستهم ؟" ) ص 13 ( .“*

إن فكر إبن خلدون يتسم بالميل الى المادية، وهى السمة التى غابت عن أعين نقد العقل الرعوى. يقول إبن خلدون ” إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر ، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة ، وانتقال من حال إلى حال ، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار ، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول.“ وتوصل إبن خلدون الى هذه السمة التى طبعت أفكاره عبر إحتكامه إلى العقل وإشتقاق التجريد من الوقائع الحسية وليس الإعتماد على المعرفة الإنطباعية. نقد إبن خلدون خنوع فلاسفة زمانه وطابع فلسفاتهم الثابت على اساس ركونهم الى إسناد ” الموجودات كلها إلى العقل الأول و اكتفاؤهم به في الترقي إلى الواجب فهو قصور عما وراء ذلك من رتب خلق الله فالوجود أوسع نطاقا من ذلك ويخلق ما لا تعلمون و كأنهم في اقتصارهم على إثبات العقل فقط والغفلة عما وراءه بمثابة الطبيعيين المقتصرين على إثبات الأجسام خاصة المعرضين عن النقل والعقل ..... أما ما كان منها في الموجودات الجسمانية و يسمونه العلم الطبيعي فوجه قصوره أن المطابقة بين تلك النتائج الذهنية التي تستخرج بالحدود و الأقيسة كما في زعمهم و بين ما في الخارج غير يقيني لأن تلك أحكام ذهنية كلية عامة ..... و أما ما كان منها في الموجودات التي وراء الحس و هي الروحانيات و يسمونه العلم الإلهي و علم ما بعد الطبيعة فإن ذواتها مجهولة رأسا و لا يمكن التوصل إليها ولا البرهان عليها لأن تجريد المعقولات من الموجودات الخارجية الشخصية إنما هو ممكن فيما هو مدرك لنا. و نحن لا ندرك الذوات الروحانية حتى نجرد منها ماهيات أخرى بحجاب الحس بيننا و بينها فلا يأتي لنا برهان عليها و لا مدرك لنا في إثبات وجودها على الجملة إلا ما نجده بين جنبينا من أمر النفس الإنسانية .... في الرؤيا التي هي وجدانية لكل أحد وما وراء ذلك من حقيقتها و صفاتها فأمر غامض لا سبيل إلى الوقوف عليه.“

ويواصل إبن خلدون ويصف قوة فعل العقل وصلته بعناصر الواقع وتداخل علاقاته مع أحوال العمران قائلاً ” أن الصنائع تكسب صاحبها عقلا وخصوصا الكتابة والحساب..... النفس الناطقة للإنسان إنما توجد بالقوة وان خروجها من القوة إلى الفعل إنما هو بتجدد العلوم والإدراكات عن المحسوسات أولا ثم ما يكتسب بعدها بالقوة النظرية إلى أن يصير إدراكا بالفعل وعقلا محضا فتكون ذاتا روحانية ويستكمل حينئذ وجودها“ والعمران ظاهرة تشمل قضايا المجتمع الإجتماعية والإقتصادية والثقافية أَعرب عنها إبن خلدون بقوله ” إن حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الانساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال..“

فعلاقة القضايا الإنسانية بالعمران واضحة فى فكر إبن خلدون، فقد خصص مفهوم العمران البشري لتفسير الظواهر الاجتماعية والاسباب فى تبدل احوال الامم والمجتمعات. وهكذا أحدث إبن خلدون إنقلاباً فى دراسة التاريخ بإخراجه من جمود التكرار والرواية الى دراسة تطور البني الاجتماعية والسياسية للشعوب؛ والمنهج التاريخى قاد إلى التوصل للتفسير الموضوعى لحياة البشر الاجتماعية ( علم الاجتماع).

وهكذا فإن إبن خلدون تجريبى عقلانى وعنده ما هو عقلى فإنه يستخلص من معطيات الواقع، كما هو موضح أعلاه، وهذه سمة مادية ولكن ليس مادية خالصة (thoroughgoing) بمعنى إنعكاس الواقع فى الفكر، وإن أفكاره تتسم بالمثالية الموضوعية التي تعتبر أن مصدر الواقع الحسى ليس العقل الشخصى للإنسان، بل العقل الكلى السامى (وتفسير التاريخ على اساس تطور هذا العقل). أما المادية - التى تتناول المادة ليس بمعناها الطبيعى بل الفلسفى وهو أن المادة مقولة فلسفية: ”حقيقة موضوعية، خارجية ومستقلة عن الفكر، وليست بحاجة للفكر لكي تعيش“- أبانت أن الفكر هو انعكاس الواقع فى دماغ الإنسان مع الإعتراف بدور النشاط الإنسانى العملى فى التأثير على الواقع. وبالتالى تصبح الأفكار العقلانية، بالنسبة للمادية، أفكاراً مادية. وعليه، فإن العقلانية مضمنة فى المادية ولكن العقلانيات (هنالك أكثر من عقلانية) ليست مادية.

وهكذا فإن عقلانية إبن خلدون هفت للمثل الأعلى (الروح الموضوعية السامية) وعالج موضوعاته ببراغماتية ولم يستخلص قانوناً أو قاعدة عامة؛ كما إنه إتخذ المسلمات الدينية منطلقًا لتأكيد أرائه حيث يقول، فى "المقدمة"، ” أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو اثر عظيم من الدين على الجملة.“ وفى هذا المضمار كتب السوسيولوجست الفرنسى غوستون بوتول فى كتابه "إبن خلدون - فلسفته الإجتماعية" قائلاً إن إبن خلدون لا يعارض تعاليم الدين فى أى نقطة، بل ” إنه إذا ما مس نقطة حساسة، فإنه يستطرد إستطراداً طويلاً ليبين أن فلسفته على وفاق تام مع الدين الإسلامى، بل إنه يأتى بأدلة جديدة فى جانب الدين.“

عالج إبن خلدون وبتحليل ثاقب تاريخ الدول المغربية فى فترة معينة ولم يضع قاعدة عامة شاملة لتطور التاريخ. كما انه لم يتوصل لادراك الفوارق بين الفئات الإجتماعية المختلفة فى المجتمعات البدوية والحضرية وهذا يعود للمستوى المتخلف للإقتصاد فى دول شمال أفريقيا آنذاك. إن إبن خلدون أعطى إهتماما لدراسة الاوضاع الإقتصادية فى دول شمال أفريقياً والأندلس وهو أول من رأى أن قيمة السلعة يحددها العمل؛ فالعمل عنده هو مصدر الثروات. لكن إبن خلدون إعتبر أن هناك عوامل أخرى تحدد القيمة مثل مدخلات الإنتاج؛ ولم يتم تطوير فكرة علاقة العمل والقيمة الإ بعد عدة قرون على يد آدم سميث وريكاردو وماركس بوضع نظرية القيمة (theory of value). كما أن إبن خلدون تحدث عن تقسيم العمل وأثره فى تعظيم قيمة العمل. وحول بحوث إبن خلدون الإقتصادية يقول المؤرخ ستيفن ديل فى كتابه ” أشجار برتقال مراكش: ابن خلدون وعلم الإنسان“** أن إبن خلدون أعطى لدراسة الإقتصاد حيزاً كبيراً فى "المقدمة" وكانت مساهمته فى هذا الحقل أصيلة وفريدة على مستوى العالم العربى الإسلامى آنذاك.

لكن أفكار إبن خلدون الإقتصادية شكلتها علاقات الإنتاج الإقطاعية والعبودية السائدة بطبيعتها البدائية والمتسمة بالتشتت والفردية لجمهور من صغار الملاك لا يدخلهم نمط إنتاجهم فى علاقات متداخلة مع بعضهم البعض. وعلاقات الانتاج فى هذا الإقتصاد تتواجد على المستوى المحلى ولا تخلق مصالح إقتصادية مجتمعية عريضة. ولهذا لم يكن غريباً ان ينصب تركيز إبن خلدون على الحرفيين الذى شكل تحليله لظروفهم الجزء الأعظم من تحقيقاته الإقتصادية. وهذه هى الظروف الموضوعية التى لم تمكن إبن خلدون من الوصول لمفاهيم مثل الطبقة والمجتمع المدنى من ناحية، ومن ناحية أخرى لم يكن فى إمكانه غير رؤية الإستغلال فى شكله المباشر المبنى على الرق والإستعباد.

إن دحض ماركس للفلسفة وإكتشافه للتفسير المادى للتاريخ بعد خمسة قرون من حياة إبن خلدون أخرج علم الإجتماع من نطاق المقاربة الذاتية؛ وجاءت المادية التاريخية، خلافاً للفلسفة التأملية التى تخترع وصفات أو مخططات لتصنيف العهود التاريخية في إطارها، تنطلق من مقدمات (تجريدات) يُتوصل اليها خلال دراسة الحياة العملية ونشاط الناس فى الحقبة المراد دراستها. فالمادية التاريخية هي دراسة الحياة الاجتماعية وتطورها التاريخى بتطبيق المادية الجدلية التى تتميز بأنها نقدية وثورية. نقدية بمعنى النقد المادى الذى ينطلق من أن الواقع المادى كائن بشكل مستقل عن وعى الإنسان، فهو النقد الذى يبحث فى تفسيرالحقائق السياسية والحقوقية والعلاقات الاجتماعية بإرجاعها الى علاقات الانتاج ومصالح الطبقات المختلفة. وثورية لأن مهمتها هى الكشف عن تناقضات المجتمع والبرهان على أن حلها يُمكِّن من إستبصار اتجاه تطوره استناداً على مبدأ أن الانساق الإجتماعية تاريخية وهى بالتالى مرحلية وفى تغير متواصل؛ وهكذا فإن هذه النظرية العلمية بقدرتها على تقدير اتجاه تطور التناقضات الإجتماعية تمنح الجماهير السلاح لإحداث التغيير الضرورى لخدمة مصلحتها انطلاقاً من الواقع الملموس. والقانون العام للمادية التاريخية التى صاغها ماركس وانجلز عبر دراسات إمتدت لأكثر من أربعة عقود هو أن صراع الطبقات ( التى يرتبط وجودها بأطوار تاريخية معينة من تطور الإنتاج) يقود الى المجتمع الإشتراكى وهو مرحلة إنتقالية للقضاء على الطبقات وقيام مجتمع لا طبقى.

إن المادية التاريخية ترى أن كتاب "المقدمة" عمل عبقرى أراد إبن خلدون أن يقول فيه أن الزمان قد تبدل فعلى المنهج أن يتبدل. إن فكر أبن خلدون لا يمكن أن يوجد الا فى مرحلة معينة من تطور المجتمع ( من الوبر الى المدنية): نوعاً واحداً من العمران من البداوة الى الحضر. وفلسفته ينطبق عليها قول هيجل : ”إن الفلسفة هي عصرها مدركاً في الفكر“-.Philosophy is its own time comprehended in thoughts

إن المادية التاريخية عرَفَت العلامة الموسوعى إبن خلدون وأدركت أفكاره كإنعكاس لمعطيات الواقع المعيش فى زمانه، وهى تجله إجلالاً عظيماً لإسهامه الإيجابى فى مجال كتابة التاريخ (historiography) وعلم الإجتماع. وهذا الإدراك، من قبل الماركسيين، لدور إبن خلدون يمكن فهمه بالنظر الى أن إكتشاف التفسير المادى للظواهر والأفعال التي تحدث في الحياة الاجتماعية لم يأت عبر قطيعة مع الفلسفات والأفكار السابقة؛ فالإشتراكية العلمية المشتقة من التفسير المادى للتاريخ كانت ” نتيجة لإدراك التناقضات الطبقية السائدة فى المجتمع المعاصر ......ولكن هذه الإشتراكية تظهر فى شكلها النظرى كمجرد إستمرار وتطوير أكثر منطقية للمبادئ التى طرحها المنورون العظام فى القرن التامن عشر.....تنطلق من المادة الفكرية التى تراكمت قبلها، رغم إمتداد جذور الإشتراكية بعمق فى الوقائع الإقتصادية“، هذا ما قاله فريدريك إنجلز فى مؤلفه " ضد دوهرينق".

كما أن إكتشاف المادية التاريخية ينسجم مع تصور إبن خلدون لتطور علم دراسة المجتمعات الإنسانية وتطورها الذى عبر عنه ( بمعتقده وبلغة عصره ) فى نهاية " المقدمة قائلاً ” لذلك عزمنا أن نقبض العنان عن القول في ..... طبيعة العمران، وما يعرض فيه، وقد استوفينا من مسائله ماحسبناه كفاية له. و لعل من يأتى بعدنا ممن يؤيّده الله بفكر صحيح وعلم مبين، يغوص فى مسائله، وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله، وما يُتكلم فيه، والمتأخّرون يلحقون المسائل من بعده شيئا فشيئا إلى أن يكتمل.“

على عكس موقف المادية التاريخية من العلامة الكبير، فإن نقد العقل الرعوى يعتبر أن مقدرته (التشريحية) تتقوى بإعادة انتاج أفكار إبن خلدون ( بإهمال للإضافات التى حدثت فى مجال علم الإجتماع منذ القرن الرابع عشر التى أعماه إدراكها تولهه بجون قراى الذى يقف فى الجانب المعادى للتقدم)؛ ولكن نقد العقل الرعوى يحول إبن خلدون الى صورة كاريكاتورية بابتذال أفكاره عن طريق إستعادتها على أساس ثنائية مخترعة (بداوة/حداثة) ومنفصلة عن معطيات الواقع الإقتصادية.

ونواصل الحديث فى الحلقة الثانية عن المادية التاريخية من زاوية موقف نقد العقل الرعوى منها بإدعائه الباطل أنها ماتت.

مراجع:
* الإحالات فى المقتطف إعتمدها كاتب المقال من كتاب عبد الرحمن بن خلدون ، دار الفكر ، بيروت ، الطبعة الثانية 1988.
**Stephen Dale “The Orange Trees of Marrakesh: Ibn Khaldun and the Science of Man”