نظرية الشر: هل ستموت داعش؟

سامي عبد العال
2017 / 2 / 4

يعتبر العنف الديني اسهاماً في تأصيل الشر. لكونه يقف فيما وراء المبررات الشكلية للأفعال. ويذهب فيما وراء الصواب والخطأ. ولا يعترف بأية إنسانية عامة جارياً إلى جحيمه مباشرةً. ومن ثم لن تموت الظواهر العنيفة للإسلام السياسي بسهولةٍ كما نظن. لأنها صور خيالية تطبع تاريخاً من الرؤى والمفاهيم والفتاوى والممارسات تحت غطاء الدين. وفوق هذا وذاك ترتبط بطقوس اجتماعية واعياد ومناسبات تعطيها حماية لا واعية داخل جسد الثقافة. حتى باتت سارية بين مفرداتها على نطاقٍ واسع. فلا نكاد نرى غسقها وشيكاً. بل لا نشعر بخطورة تلك الأشياء المستقبلية من الأساس. وإذا كانت ذا جذور دينية فلها كم موفور من التكرار اللاديني.
أي أنَّ الظاهرة الدينية في المجتمعات العربية الاسلامية تطفح داخل الأبنية الثقافية المجاورة والبعيدة. فالأفكار الأصولية- عنيفة أو غيرها- لا تنتهي. هي كالمادة لا تفنى ولا تستحدث من عدم. يحتمل أن تدخل بيئة حاضنة لها من الحاضنات المتاحة. وهي أيضاً كالفيروس يعيش منذ قديم السنوات. تحتاج فقط شروطاً مواتية للنمو والتكاثر. والتنظيمات الجهادية هي تطبيق حرفي لتلك المقولة.
في هذا السياق تتناثر الآراء عن أفول داعش كأخر ظاهرة دموية دينياً. حيث ذهب البعض لاعتبارها نموذجاً في هذا الشأن المخجل للإنسانية. بينما يراها الأخرون في حالة موت اكلينيكي بعدما تمزقت أوصالُّها في العراق وليبيا ومصر. وأن ذلك تقدمة لإنهاء وجودها المتأرجح بسورياً وبأغلب مناطق الفراغ العربي. لكن هناك شكوك مهمة: هل ينتهي الشر طالما سيختفي الدواعش؟ هل يكف الهوس الديني عن القتل؟ كيف يتحول عنف الجماعات الاسلامية إلى أشكال أشد فتكاً وتدميراً؟
ربما مصدر الأسئلة هو الآتي: أن العنف الديني ليس كأصناف العنف الأخرى. لكون الدين يخلق ظاهرته بنفسه. سواء أكانت داعش هي الأقرب أم الأبعد. وهنا لا يصْفر في عمق النفق المظلم إلا ريح القتل والاقصاء وسفك الدماء. وحتى الصفير يأتي لجميع معتنقيه بأسماء مغايرة. مثل الجهاد، الدفاع عن المقدسات، حماية الدين، درء الفتنة، محاربة الأعداء، الدفاع عن النفس، إرهاب الكفار، ملاحقة اعداء الله.
وبخلاف أي شيء سواه يغير التفكير الديني نمط الاعتقاد والسلوك معاً. إن نجاح الدواعش في تجنيد شباب أوروبي للجهاد ليس أمراً مستغرباً. لأن دواعش العصر يعزفون على غرائز اللعب الدموي لهؤلاء الشباب. حيث تقرنها بالمغامرات وروح التكنولوجيا السائدة. كما أنه لا يرجع إلى عبقرية في جمع الجهاديين كما يقال. لكن لأن الحياة المعاصرة مجنونة بما لا نتصور فردود الأفعال عليها ستكون على ذات المستوى. وفي هذا رأينا دواعش أوروبا- ومن أصول غير عربية- يتحدثون بذات المماحكات الداعشية. و قد أخذت وجوههم تشكلها اللحى وعلامات الصلاة وطرائق المشي والمصافحة. ويتباهون بحز الرؤوس وتعليق الجثث ومعانقة الأسلحة.
ربما وحدها الأيديولوجيا الدينية تقطع صلتها بالحياة لصالح الموت. ويغدو كل دماغ حاملاً لها بمفهوم الختام المطلق. إن جميع الأدمغة الكبرى في تاريخ الاسلام السياسي كانت مأخوذة بمنطق الموت في سبيل معتقداتهم. لم يكتبوا ولا لم يمارسوا حياتهم كأي انسان يشبع وظائف الحياة وأعماقها إنما يستأذنون موتهم القريب من أي شيء. حتى اصبحت حياتهم مجموعة ميتات متوالية.
لو كان فعل الشر صراعاً طائفياً أو قومياً لكان الموضوع سيتوقف عند حد بعينه. ولو كانت هناك مشكلات اجتماعية لأمكننا انهاء أسبابها بحل القضايا الشائكة. ومعالجة أسبابها لكيلاً تتكرر مستقبلاً. لكن الدين يفرض – شئنا أم أبينا- تغييراً في طبيعة التصورات والأفكار. فالتصورات الدينية تقف لدى أصول الأشياء والعالم معلنة استحواذها على الحقيقة كل الحقيقة.
والأيديولوجيا الدينية لا تترك مجالاً- أي مجال- للاختلاف في المعتقدات. فصيغها: إما... أو. من يؤمن بما نؤمن فهو معنا ومن لا يؤمن بما نحن عليه فيستحق القتال. وهذه هو مستوى التأسيس الذي لا يسبقه شيء ولا يتبعه شيء. ثمة حديث منسوب إلى نبي الاسلام معناه " إن الاسلام يجب ما كان قبله". وكلمة يجب: يقطع ويمحو ما كان قبله من الكفر والذنوب.
ولنلاحظ هنا تواطئاً في تعريف المعجم وكأنه يبرر أن يجبَّ المسلم ما سبقه. وهي فيما تبدو مسألة مقبولة من حيث المبدأ!! وايراد الكفر والذنوب تحديداً كموضوعين أحدهما خارج الدين والآخر أخلاقي يُراد به العنف اللغوي المصاحب للاعتقاد. في المعجم العربي بكل أصنافه وتخريجاته يسكن عنف مريب بانحياز ديني صريح. حيث تصمت الثقافة عليه وتغطيه بجميع الطرق الممكنة. وهذا سبب انتشار عبارات التكفير في لغة الحياة اليومية. فإذا حاولت الأم المصرية في الثقافة الريفية أن تتوعد أحد ابناءها المشاغبين تطلق وراءه عبارة دينية" أكون كافرة ما أنا سيباك". والثقافة هنا تمدها بذخيرة عنيفة من داخل تكوينها الحياتي. علماً بأن هذه المرأة ليست لها أدنى علاقة بالأيديولوجيا الدينية.
على أن الكفر المقطوع به ههنا لم يكن سراباً ولا فراغاً. لكنه ايمان من نوع ما، عمل ما، دين ما. وبطبيعة الحال كان ايماناً مغايراً للاعتقاد الاسلامي. إذن الجذر "يجُب" فعل مؤثر في محيطة، خلال تراكمه تجاه الماضي. وباستطاعتنا القول بأنه يحمل القطع والمحو لكل مخالف له. ودلالة يجب كانت سارية في فتاوى التكفير وقتل أصحاب الديانات الأخرى.
إن داعش هي النتاج التراثي لمجموعات النصوص العنيفة. تلك التي يغص بها تراث المسلمين ومذاهبهم. يمكننا القول بأنها تشكل عنفاً حياً لا يهادن ولا يسالم. يرتبط بخطابات القتل واستباحة الدماء. وذلك لا يتجاوز فقط الدين الشعبي بل يتجاوز أية معايير لانتهاك الحياة الإنسانية. وإذا كان ثمة مجال لنقض هذا التغلغل ينبغي هدم كافة المعايير التي تشكل ديناً بحد ذاتها. نقصد أن الدين يتم تركه لفقهاء التطرف والارهاب سلاحاً معيارياً ليس أكثر. يفصلون على أثره الآراء والأفعال.
أبلغ ما أظهرته داعش هو الشر الذي يتجسد كاملاً. ولكم حاول البعض تقديم تفسيرات لها كجماعة دينية بصرف النظر عن أثرها التاريخي. وهذا نوع من الانزلاق التبريري بخلاف الواقع. حيث لن تخرج داعش عن نظرية الشر بمبررات الدين. من هنا ليس الدواعش فرقة أخذتها التأويلات العنيفة إلى الحرب ضد كل من هب ودب. لأنَّها ترتهن بأعمال وحشية ترتكبها قصداً. وربما لا قيمة لها خارج هذا الإطار التاريخي. حيث خلقت الشر في كيان منفصل.
والشر في تلك الحالة يتأسس فوق أقسى الدوافع الاعتقادية. إنه في العادة كان قدرة طبيعية مقامة على شيء سواه. لكن الأيديولوجيات الدينية تأتي على الأعداء من الجذور. ولا تقبل تعايشاً مع الآخر أيا كان. ولهذا كانت داعش من الألف إلى الياء نموذجاً لتلك الغاية. هل يمكن ان تقام دولة(تنظيم الدولة الاسلامية كما تسمى) على قاعدة كهذه؟!
أولاً: جاء تنظيم الدولة نتيجة ممارسات شريرة تجاه المخالفين كل المخالفين دونما تفرقة. وربما هذه أول مرة في التاريخ الحديث أن تنشأ دولة – مهما كانت مشوهة- تحت مظلة سفك الدماء على نحو معلن.
ثانياً: الشر لا يعتبر شراً بالنسبة للمجاهدين الاسلاميين. فهو خير كنوع من القضاء على الكفر والذنوب.
ثالثاً: أتت الخلافة الاسلامية كغطاء خيالي لجرائم تنظيم الدولة. وبررت سلفاً ما يحدث كأنها غاية تتاح لها كل الوسائل الدموية والقذرة.
رابعاً: ليست ثمة حدود للشر الداعشي. إنه يتخطى كافة المقاييس. ولا يعترف إلا بممارسته الفادحة. لكونه مرتبطاً بنهاية أخروية هي الجنة.
خامساً: ليس الشر نمطاً معيناً مع العنف وانتهاك الحقوق. إنه يتنوع ويأخذ أشكالاً غير تقليدية. ما بين الحرق والذبح والاغراق والتفجير واطلاق الرصاص والسحل وتقطيع الأطراف وغلي الجماجم واللب بالرؤوس المقطوعة ودفن الأحياء وتفجير الرؤوس.
ساساً: يغذي العنف الديني ذلك النهم للانتقام. ويشبع الرغبات الدفينة التي لا تتوقف حول انتهاك الآخر ونسفه.
سابعاً: يتحايل الشر الداعشي آخذا مكانة الإله. فهو ينطق باسمه فوراً. ويعتبر تأثيره فعلاً إلهياً أوجبته الشريعة وينفذه الجهاديون.