وقفات مع مقولات من كلام الصوفية -8-

إبراهيم الوراق
2017 / 2 / 3

الوقفة الثالثة. من عرف نفسه، فقد عرف ربه.‏
إذا كان الطريق الذي نسلكه، هو دليل الاختيار عندنا فيما نقدر عليه، وإذا كان ما نراه فيه هو الحقيقة، لا ما نتصوره حين سبكنا ‏المعاني في ذواتنا بقيود اللغة، فإننا لن نجد في الكلام اختصارا أشد من قولنا: إذا كان نفسنا طريقا إلى السماء المواجهة لنا، فما الذي ‏سيجعلنا نوقن بذلك، ونحن نعشق ما عساه أن يجعلنا نلتئم بما غاب عنا من مدرات الإدراك.؟ وما هي الطريقة المتبعة في نيل السبل، ‏ونحن لا نقاس إلا بما حزناه من حظ في لحظة الوصول.؟ وما هي العلوم التي يجب أن نتحلى بها، ونحن نمخر عباب هذه المعاني السالبة ‏لنا بقوتها.؟
‏ إن الصوفي كما قلنا فيما مضى، لا يعني أنه متميز بكونه قد طويت له الأرض بين أطباق المدى، فلم ير في سعيه ما تنفثه الأوجاع العويصة ‏من أحزانها، ولم يشهد في شوقه ما تهمس به من إغوائها، بل هو ذلك المتألم بما يبنيه، والضجر على ما يهدمه، لأنه لا يرفع شيئا من ‏سطوحه، إلا ووقع غطاءه عليه، فهو في عمقه يتمم شيئا ذا بال، ولكنه في واقعه ينسف شيئا لا يبقى على حال، إذ ليس معتنيا إلا ‏بالاستماع إلى صوت الحقيقة التي أنتجها العقل حين انتظم مع النواميس التي تضمن له بقاءه، ولا مهتما إلا بغايته التي توهمه بأنه يمتلك في ‏كسبه حقيقة الكون كله. ومن هنا، يكون شأنه موافقا لغيره، وإن اختلف طريقه إلى نهايته، لأنه لا يبني فعله إلا على نظر، وما بدا ‏لغيره فيه من قدر، فهو موصوف به مع كدر. إذ لا يجوز أن يكون أكثر من كونه بشرا، وإلا انطفت فيه جذوة الالتزام بما أوجده اللطف ‏معه أمرا، واختبارا.‏
وهنا يسافر الصوفي بين مجاهل الاختيار، ولا يدري إلى ما سيؤول إليه من قرار، إذ هو وإن كان ابن وقته، فلا يعني عنده شيئا سوى ‏أنه نسخته، ولو كان ذلك نفسا يقرب به المسافات المتلاشية بين عينيه، إذ لا يدل ذلك إلا على انتقاء سبيل محدد للوصول إلى الحقيقة، ‏وإن جاهد ما يحرك أغصانه من مفاتن الطبيعة، ويبعده عن دائرة الظل التي رسمها لأفياء النهاية، لأنه لا يريد إلا أن يدرك مفتاح الحلقة ‏المفقودة، فيأتيه من المعرفة بالنفس والزمن ما يشفي الغلة، بل من غبن المطالع يرد عليه ما يبقي جرحه منبثرا، وهو يحتاج إلى علاج لا ‏يصيره منبطحا ولا منكسرا، فيستحوذ عليه من علامات البؤس ما يجعله كسيرا. فما هو العلاج الذي يسعفه في نفي الازورار عن دائرة ‏النور.؟ هل في استيعابه للفكرة التي تكرهه على الاختيار.؟ أم هناك سر آخر، ينتظر منه أن ينفض الغبار عنه باستمرار.؟ ولعله إذا ‏استطاع أن يفقهه، ملك مغلاق بيت سره، لأنه في تلك المرتبة، سيخرج من حمأة التعدد إلى عين الوحدة، وهناك تنشأ نظرية المعرفة ‏عند الصوفي تامة، وتأتي منه كاملة، لأن معارف الصوفية ليست كما يراها قوم أنكروا التصوف تفصيلا، وجملة، فقالوا بالتلفيق في النظرة، ‏والتحريف في الفكرة. بل هي التدرج في السير نحو المثال الجامع، والمقام الساطع، وهم لم يجعلوه بداية للسير البارع، بل هو المآل الذي ‏تعود إليه علامات النهاية، والعودة المبرورة إلى السيطرة على الذات الفتية. ‏
وحينئذ يتجلى مسمى العلم حقيقة، لأن إدراك معاني النفس في الرسوم المقابلة للمنزلة، هو إدراك لكل شيء يمشي فينا بجهد، وقوة، إذ هي ‏ماهية الجسد في رأي، او هي قدرة الذات على السير والجري، وكلاهما لا يستقيم الأمر به إلا بإدراك الصوفي لدلالة واحدة، وطيه ‏لشتات المعاني في بؤرة معينة. لأن النفس هي الأرض التي تتراقص عليها كل الأمارات الأخرى، والمنزل الذي ينطوي على صفاء المورد ‏المرتجى. والوعي بها عند اقتضاء العهد لتمام الوفاء، هو الإحساس بالمجال الأكبر الذي هو مسرح الأقوال والأفعال بلا اجتزاء، بل هو ‏المكان الذي نتوطنه بأحلامنا، والمنبت الذي تنفجر منه أوهامنا، إذ ما هو بأوضح صيغ الأحاديث إلا نفس جامعة لأنفاس تحتضننا في ‏حقيقة واحدة. وزعمنا أنها لا تقبل الكثرة، وهي لم توجد في أصلها إلا لتعددنا، هو الذي يغذي تميزنا عن غيرنا، وأي عزوف عن هذا المعنى ‏المبدد بين أساطير أنظار عقولنا، سيجعلنا نفقد سيرنا الموصول حبله بالسماء الممتدة في أفق نظرنا، لأن الأرض عند اشتداد الحاجة إلى ‏الظلال الذي تغرقنا في سبات الألم، ما هي إلا وأد لكل الحقائق التي تفصح عنا بواضح الكلِم. فالوحدة التي لا تقبل الكثرة هي النفس المنبثة ‏في الأشياء التي نكسبها قبل أن نكسبنا، وهي التي نحرث بسيط حياتها بزروع أمانينا، لكي نجني منها المعنى الأكمل في الحقيقة المحبرة بين ‏ظنوننا، وما لم نع ذلك بتمام اللغة التي نعبر بها عن معانينا تحصيلا، فإن الفهم لما تناثر على الحضيض سيكون مشتتا، ومبلبلا.‏
إن الحياة تتضمن كل ما يثري فينا مادة العنف والصراع والمأساة، لاسيما ونحن نجتاز على براري الألم عبر المراحل المختلفة، ‏فسواء ما ترك فينا معنى مخزيا يغدو وجوده إلفا مألوفا بيننا، أو ما خلف فينا كراهية منبوذة في أحوالنا، أو ما نتج ‏عنه ارتياب يحيرنا في سلوكنا، فكل ذلك يحفر أخاديد العناء في سوي أنظارنا، وينقش على ملامح الوجود صورة منكوشة ‏بين أعيننا. وما دمنا ننتظر عودتنا المحمودة إلى ذلك الأمل المكنون في أعماقنا، ونعشق أوبتنا إلى ذواتنا بعد حوبتنا، ومنذ ‏أن خبرنا موارد قوتنا، ووجدنا أننا لا نمتلك إلا طاعة الاستسلام لذلك الأمر العظيم الذي لا نطيق أن نحمل منه إلا اليسير ‏في طاقتنا، فإننا سنعيش هذا الضجر الذي يزايلنا أحيانا، فنرى أن ما نعانيه من مأساة بين الدروب الصادعة بالصدود، ‏سيكون له في صوغ أفق استشرافنا حد من الحدود، وإذ ذاك نحس في نهايته بأننا صرنا سعداء، وغدونا نودع العناء، ‏وكأننا نشعر بأننا نبني لنا قبة التآخي على مهاد الصفاء، ونهدم كل شاخص يحول بيننا وبين الوفاء. وأحايين كثيرة تصير ‏أوضارها حقيقة، لا نرقب لها في مطلوب الشوق نهاية، بل نتيه في تصريف ضرورتها، ونحتار في تدبير صروفها، لعلنا نخلد ‏إلى لحظة سارحة معها، تشعرنا بأننا فرادى على أرض لا تنبت إلا أشواك الغربة، ولا تحيي في رميمنا إلا إياس الوحشة. ‏
وهنا نسير سيرا متعرجا في الطريق الدني، لا لرغبة في المشي، وإنما لتدبير شأن ارتباط الأرض بما كمن فينا من صلصال، ‏وتيسير المرور نحو الفناء بين ظلمات بطنها المترع بالغوائل. لأننا ما لم نتقين بأن زمام الحياة لا ينقاذ إلا لمودع لزوالها، ‏وموقن بأنه لا يملك فيها إلا ما عن له منها، فإننا سنضجر لما يعتري تعاقبه فينا، وسنكل مما نجابهه من صلادة راسخة ‏معها، إذ ما حقه الثبات في أصله، لا ينفذ إليه ما كان التغير جوهرا في كنهه. وإذا كانت هذه حياة الإنسان في النظر إلى ‏المعاني المتوارية وراء الأشياء المحسوسة، وهو ينطلق من المعلوم إلى المجهولات الخفية، ويتحرك من المعلولات المعقولة إلى ‏الوجدانيات المخزونة في مكنوناته المستورة، فهل الصوفي جعلها جنته، أو محل أمانه.؟ ‏
لو جعلها هكذا في وضع صورة لسمات نفسيته، فإنه قد حد مساحات الحديقة بحواس مترعة بحيوانيته. وإذا فعل ذلك ‏بمقتضى نزيف رغباته المكبوتة، كان جهده موضوعا لخدمة ذاته بزوال روحه المحرومة، وإذ ذاك يكون التصوف قانونا ‏يتوسل به في البقاء، لا موردا يحرره التأمل لموضوع الفناء. وهل نتجت حيرة الإنسان إلا من لهب أوتار شهواته، ودفق ‏أوصال رغباته.؟ أجل، إذا انتفت هذه المؤثرات التي تعتبر ضرورة في مخاض الحياة المترعة بالغرائب القصوى، حاص الحظ ‏في تقدير حقيقة المعنى، وحاد بنا الباطل نحو المجاهل الغائرة المغنى. وهل الشهوة إلا معنى الرغبة في الخلد، ومنتهى ‏الشهوة في الوكد، لأن ما لم ننله منها بالسعي، والكد، هو الراغب في الطلب، والظاهر في الجلب. وما دام ذلك لا يتأتى ‏منه إلا جوهر الوجود لها، وسواء أنكرنا ما يصدر عنها من قيمتها، أو عبدنا ما تسبله علينا من وهج حرارتها، فإن فيها ‏معنى البقاء، وسر العناء. وهل الخلد إلا معنى مستحر في كل شيء قائم بلا غطاء.؟ ‏
هذا المعنى قد أدركه الشيطان حين أصر على لفظ الرفض، فكان منه الاستنكاف الذي هو حظ الأنا على بساط الأرض، ‏وهو الذي لم يدرك فحواه آدم إلا حين أغراه الظفرُ به، فكان منه الهبوط إلى عالم آخر معلول بشرور ذريته، وموجود ‏للاستقرار إلى حين يفني كل ما هو بارز من أفراحه، وينتهي كل ما هو صارم من أتراحه. ولذا، يكون الصوفي مزدوج ‏الحقيقة بين رباعية المعاني المكونة لهوية شخصه، والمحددة لمعالم أثره، لأنه يستحضر أولا حقيقة الألوهية القائمة بالأمر، وهو ‏لا يستدل بذلك إلا على تفرده بالاعتبار، ويستحضر ثانيا جمهرة الملائكة في خشوعها المجلل بالهيبة، وهو لا يستدل إلا ‏على حال الطهر حين تنتفي عن مقامه عوارض الاعتراض على المنة، ويستحضر ثالثا اغترار إبليس في جمال الربوبية، وهو ‏لا يستدل إلا على وجود الضدين في عالم الطهرانية، ووقوع المشيئة فيه على الاختيار الفردي لمعنى الحقيقة، ويستحضر ‏رابعا آدم في قدس تميزه، وخشوعه في حضرة ربه الذي خلقه لحيازة أرضه، ورعاية سمائه، ثم يستجلي من المقام كيف سمع ‏الكلام من عوالم الملكوت بلا تورية، وكيف نسيه عند اجتراحه للخطية، وهو فيما يصوغ من معان تدبر شأن الخلق، لا ‏يستدل إلا على مقام العبد في حضرة الحق، وكيف أهبط من علوه إلى دنو الحرج، والضيق، ثم كان من ذريته الإفساد ‏بين الحمى، وسفك الدماء بلا هدى. وحينئذ يشهد بقاء الصفة على موصوفها، وصفاء الذات في رقيها إلى محلها، إذ لو ‏حازها من إدراك إبليس لمعنى السجود الذي رفضه رغبة في حرية الذات وصونها، لما بقيت دقائق التوحيد مقدسة في ‏رهبوته، ومسبحة في رحموته. ‏
وهنا تتلاءم هذه الرباعية في الحضرة الإلهية عنده، وهي في نهايتها صوت الله والملاك والشيطان والإنسان في عمقه، ووسم ‏الحقيقة لهذا المخلوق المتماسك في جوهره المقدور له. وهو في ذلك الالتفاف لا يعاني من مأساة مصيره، ولا يتألم من ‏مقارعة مسيره، فيكون كالشيطان الذي رفض السجود تنزيها لربه، ولكنه قبل به تقديسا لمعناه في ذاته، وإنما يتألم من ‏غربته التي استوحش بها ظاهره، وغدا بها حريصا على باطنه، لأنها محل النزول إلى حضيض الشرور الآثمة، وموئل ‏الصعود إلى نبع الأنوار الساطعة، وذلك ما يردده الصوفية حين يقول بنفَسه: من عرف نفسه، فقد عرف ربه.‏
إن محاولة الإفلات من المصير المشترك بين الناس، وهو الشعور بلحظة الموت، والإياس، لأنهم يرونها تنزع منهم أغلى ما يملكون في ‏الطبيعة، وهو الحياة لهذا الجسد الذي لا يأتي عليه الزمن إلا وأذله داعي المرض، والشيخوخة، هو الذي جعل الصوفي ينظر إلى شيء ‏يتعلق به، ويشد على حبله، ويقبض على أمره، لأنه في جلائه خفي، إذ لا يدرك إلا بشهود قوي، وما لم يكن له عليه دليل، فكيف سيرد ‏عليه من باب عقله العليل. وهنا يجد سؤال الحياة المترع بالإجابات الغامضة مجالا لكي يحدد الرؤية نحو الكون، والطبيعة، والإنسان، لأن ‏الانطلاقة من ألوان زهوها هي الأساس للبنيان، وهي التي نتميز بها عما سوانا، إذ لا فصل بين المعاني إلا في تقديرنا، ما دمنا نحس بأننا ‏ملزمون بالرضى عن فروض ما نعيشه، وسواء فيها ما كرهناه، أو ما رغبنا في نواله، لأنه هو الذي يجسد حقيقتنا في الوجود، وهو الذي ‏نحفد إليه من تجليات الشهود. لكن اختلف الحظ عند من فرق بين الأمر الإلهي، وبين المشيئة في الاختيار البشري، فإما آخذ بالأول بلا ‏نظر إلى التالي، وإما قابض على حدود الثاني، وكلاهما يرسمان بداية النزاع الإبليسي في السماء، ويحددان أثر هذا الجدال في عالم الأرض ‏المضرج بالنزوع نحو البقاء. ‏
ولهذا اقتضى الفصل فيما بين الآثار، أن نعرف حدود ما هو كامن فينا من أمر، وما يعن لنا من مشيئة في القدر، لئلا تضيع اللحظة التي ‏نؤمن بأنها متسامية، ونخال النسبة إليها متعالية. إذ معرفتها في الذات الفتية، هي معرفة لله بالحقيقة، وإلا كان الأمر حاصلا في القدرة ‏الأزلية، وواقعا في الدائرة الآدمية، وإن كنا نخالف المشيئة في ترتبيها للقانون الأمثل الذي يحدد أفعال حياتنا المختلفة. وهنا يكون الصوفي ‏منتهجا لشريعة الذات التي هي أفق الضرورة في المعرفة العرفانية، وهي الكامنة في الأنفس إذا نالت فضل البصيرة، "وفي أنفسكم، أفلا ‏تبصرون." لكي يستخرج منها المعاني الإلهية القائمة فيها، والمباني الطبعية الممتزجة معها. وإذا حصل ذلك بتمام الإدراك لها، قامت فينا ‏المعرفة بمعاني الربوبية، ومرامي الألوهية.‏
لعل نسيان الإنسان لكنه الأصلي، ومهده الذي نشأت فيه روحه قبل أن يكون أثرا لحوادث تتعاقب عليه بالتوالي، هو الذي سبب كثيرا ‏من الانحرافات التي أدت إلى التشظي، وأودت في العلاقات الإنسانية بالأمل الرضي، لأن نسيان اللحظة التي أرخت لبداية الصراع في ‏عالم السماء العريض، هو الذي يجعلنا نظن أن فعل الشر طارئ على الإنسان ذي المنزع المتعارض، ولا علاقة له بحدوثه، وأي خطا يقع في ‏سلوكه، ما هو إلا نتيجة منحرفة في سيرة ملزومة لفكر متباعد عن الحقيقة المتجلية عليه. وذلك ما يقول به الفكر الديني في لحظته، ‏ويعول به لسان الوعظ في غفلات أوطاننا، وكأنه الصورة الحقة التي لا تقبل الجدال عندنا، لأن تحديد انحراف الإنسان في مروره على ‏طرق غير معبدة بالخطوات السليمة، هو الذي يمنحنا التبعيض في محل لا يقبل إلا الأشياء الكاملة. ومن هنا يكون التجزيء للفعل ‏الإنساني محضنا لفعل الانحراف الذي نحاربه، ويصير التبعيض حقيقة للاستواء الذي نقصده. ولا شيء أضر بالذات من محاربتها للشيء ‏بالشيء عينه، لأن الانحراف لا يقاوم إلا في الصيرورة، لا في الفعل الذي يكون كثير منه قدرا محتوما على البشرية. وهنا لا ينتج الانحراف ‏من الحائدين عن الصراط المستقيم، بل أظهر وجه فيه عند ابتغاء الكمال، والتمام، أنه ينشأ أيضا من الأسوياء الذين لهم سبق فضل، ‏وغدوا مع الزمن المفجوع أهل منة، ونبل. ‏
ولذا فإن تصور جماع مادة الانحراف في دائرة الأشقياء، هو مغالطة فجة يجادل بها من اغتال ناموس الأسوياء. إذ النظر يقتضي عند ‏العودة إلى المعنى الأول، أنه نتج في سيرة إبليس حين استحال رفضه للسجود رد فعل عنيف بين روافد الأمل، توقف فيه عند حدود ‏الأمر، ولم يقبل بالمشيئة التي اقتضت أن يكون الفعل سويا في النظر، ومهما بدا منحرفا في الخبر، لأن السجود في أصله الذي وضع معه ‏المعنى على مسماه، لا يكون إلا لله. وتلك هي الأوامر الأزلية. وأي سجود لغيره زيغ عن الحقيقة. وهنا توقف إبليس عن الفعل لعدم إدراكه ‏لمغزى السجود في المقام الإلهي، وهو قيام المعنى في المشيئة بالأمر الأزلي. وأي فصل بينهما، لن يؤدي إلا إلى الاستكبار عليهما. وذلك ما ‏حدث في رفضه، فقد أبى، واستكبر، فلم يقبل بالمشيئة التي أرغمت الجباه على السجود له بشرع الأوامر، ولو في صورة تجسد لنا أنها ‏انحراف عن حقيقته، وهي في عينها ذات توحيده. وهنا كان الاستكبار معنى نشأ من اعتقاد الذات كمالها في قدس من لا وجود لها إلا ‏به، لا استكبارا يدل على الخيلاء في حضرته، إذ المقام ليس محلا للزهو، ولو غفل عما فيه من علو، لما ترامى نظره إلى ما في عمقه من ‏غلو، بل هي الغفلة في محل العلم، والمعرفة، والتشدد في محل السماحة، والبساطة. ‏
وهكذا ينزع المتشددون منزع الشيطان في الاستبداد بالأمر الديني، وهم ليسوا إلا منتحرين بما لم يؤولوه من معان لم تكشفها مجازات ‏الكلام الأزلي. ويتجلى ذلك في كل فترات التاريخ البشري، ففرعون حين قال مجاملا بالصفاء الذاتي: "إني أخاف أن يبدل دينكم، وأن ‏يظهر في الأرض الفساد،" لم يكن إلا متشددا في إصلاحه لإيالة أراد أن يكون ربها الأعلى بإخلاد. لكنه ولأمر ما تحول الرب إلى إله في ‏صورة فرعون الشقي، لأنها ستنبني عليها كثير من قيم الفساد التي نشأت في مجتمعات بني إسرائيل، إذ بدونها لن يكون هناك أثر لكثير ‏من الأحداث التي كونت العقل اليهودي الأصيل، ورتبت مع استمرار الصراع صميم العقل المسيحي، وأثرت بقوة منطق ماسكها على العقل ‏الإسلامي، لأن لغة الخلاص في صولة الإنسان، لم تنشأ إلا من الشعور بالظلم، والطغيان، ولم تكبر إلا في محيط يهين الطبيعة، والإنسان، ‏وهي الدالة على تلازم ادعاء الألوهية للجبروت، والعدوان. وهنا يكون فعل الإله مطلوبا، وحرص الإنسان عليه مرغوبا، لأنه هو الصورة ‏المثلى التي يبحث عنها في خاصته، وهو هتاف الحرية الذي يرفعه مع المنبوذين والمحرومين في مجتمعه. إذ لا وجود لفعل العدل في الحق ‏والواجب إلا إذا تعارك عليه الفريقان، فذا يحرره من العدوان، وذاك يجره إلى كسب كنهه بلا إيمان.‏
ومن هنا، فإن رجوع إبليس إلى خلق الاستكبار، وهو قد قارن بين لغات الأخبار، وقاس بين أعيان الآثار، واستدل بعجزه عن الفعل ‏على الجبر، واكتفى بعدم قدرته على كسب الاختيار، ثم فصل بين الأشياء المتجاورة في معدن اليقين عند حقيقته، هو الذي كان سببا في ‏إغواء آدم بنصحه، والتدليس عليه في قسمه، وهو قد شهد كل الحقائق التي ابتدأ الفعل الإلهي وجود ماهيتها بالمشاورة، وأقام البراهين ‏على المراد منها بالمحاكمة، ثم ختمها بإهباط آدم إلى عالم الكدورة، ومعه الذي أخرجه من مقامه بأمانيه الكاذبة، لكي يفارق قدس الملاك ‏الذي يفارق دنس الخطيئة، ويصاحب مظهر الانحدار بين دروب وصمت بالرديئة. لكن الذي ميز آدم في ضرورة ناسوته، هو عدم تجاوز ‏ألم ندمه إلى المجادلة على فعله، بل كان انكساره في محل الهيبة خنوعا منه، واعترافا بخطئه. ولو لم يتب مما أحدثه في جنة الطهر بفطرته، ‏لكان الشقاء في واضح ظهوره مآلا لمصيره، لأنه لم يبرز على عدوه إلا لكونه لم يستكبر، ولو استكبر في التقدير، لقاتل إبليس غضبا على ‏ما فقده في مقام التدني، وإذ ذاك ستنتهي ثنائية الخير والشر في العالم الأرضي، لأنه بدون اتصافه بما وجد له من أمر، لن يكون مولدا ‏لتناقض أسرار البقاء في جنس البشر، ولن يصير موردا للشيطان المنتحل جنده لصفات الأخيار، ولا مهبطا للملائكة المتواردين على الديار ‏بالأسرار. وهنا ماز عن غيره، وفاقه، وفاته، لكي يخلص لما وضع فيه من صراع، وما أنتج في دائرته من نزاع. فالله معه في سره، ‏وعلنه، لأنه قد منحه الحياة بلا رغبة منه، وإبليس يعيش في خياله، ويترنح في وهمه، وهو الذي أغراه بالحياة الفانية، وأغواه عما نقش في ‏عمقه من المعاني الخالدة، لئلا يظن الإنسان أنه مدرك لحقيقته، فيكون معرضا لما تمليه عليه غرائر قوته، وحدته. وكلاهما معنى للصلاح، ‏والفساد فيه، إذ لا يستقيم المعنى في سيره إلا بضده، ولا ينتهي إلا حيث يبتدئ فيه غيره. وكل جهد فيما يقدمه، أو يؤخره، إنما هو ‏لتحرير الذات من أغلالها، وآصارها، لكي يعود إلى الأصل الأول الذي يستحق به حظوة السجود بلازم الأوامر الإلهية القاضية بسموها، ‏وعلوها. ‏
وهكذا، فإن ما وقع فيه العقل الديني من حروب حول جدلية التوحيد، هي من حصاد تلك الحرب التي ابتدأها إبليس حين اعتقد تمام ‏المعرفة بإيقاع السجود للواحد دون ما سواه من العبيد. وهنا كان إبليس معتنقا لفكرة التوحيد بمفهومها الجبري، ومحمولها القدري، لأنه لم ‏يكن متعرفا على حدود المعاني في القدر الأزلي. ولذا يكون الإنكار على تجليات المشيئة في مصاديق الأمر بأنماط تدل على اختلاف ‏الموارد وتعددها، وتؤكد على وجود الحقيقة في تنوع المصادر، وتباينها، هو الذي أغرى المتشددين على جحود معاني التصوف بين مدلولات ‏المعرفة، فخالوا ما عبرت عنه العادة من أنواع العلاقة مع المطلق خروجا عن التوحيد، وهو معنى غائر في القلب الذي يبحث عن كنه ‏التفريد، لا مبنى ظاهرا يعطل ظواهر الكثرة في مسمى الوحدة الموسوم بالتجريد. ومن هنا، فإن اليقين بتكاثر صور المعاني، وما يستلزمه ‏من تنافر طرق الارتباط بالحقيقة المقصودة باختلاف المساعي، لن يصرفنا عن طبيعة التوحيد التي تآلفنا على حدودها في تمييز الأذواق، ‏ما دامت معاني الواحدية تنفجر بين طيات الأعماق، وتنجلي بها غوامض الحقائق، لأن أسمى مظاهر معالم التوحيد، هو في تنوع المورد، ‏وتفرد المقاصد. إذ لا تنصهر حقيقته معنا، إلا إذا أيقنا بأننا نبحث في بحر العدد، عن معاني الامتداد، لكي نصل إلى أصله الذي هو محل ‏وجوده، ومكمن قوته.‏
إن الصوفي في كبده، يواجه عالم أرضه، لعله يتخلص منه، وينجو من علائقة الآسرة لجسده، وينازل غموض إسرائه نحو السماء، وهو بذلك ‏يستفتح ببراق سيره بابا من أبوابها الشماء، ويستهدي في جمالها إلى مركز النور الفياض على الكون، والمتفجر في الإنسان بالاستخلاف ‏على الأبدان. ومن هنا، يكون الصوفي مجسدا لقصة رمزية في تاريخ الديانات، وهي قصة الإسراء والمعراج التي يتم بها كمال المقامات، لأن ‏معاني الوصول مختلفة من حيث كونها طرقا متعددة، تؤدي إلى نتيجة موحدة، وهي القرب من الحضرة الإلهية، ولكنها متحدة من حيث ‏كونها غايات المسير نحو المصير المشترك بين البشرية. ولذا كان لكل رمز ديني في التاريخ الروحي الإنساني سير، وبراق، ومعراج، لأن ذلك ‏يكشف نوع السلوك المستظهر للحقيقة بطرق من الطرق المعتبرة في الصعود، والعروج، ويوجه السير البشري إلى الالتفات نحو وجهة ‏واحدة في النهاية، وإن اقتضت الحرية الإنسانية تعدد السبل في البداية، لأنها هي المحيطة بكل الأفعال الطارقة لباب السماء، والداخلة إلى ‏بحبوحة السناء. وهذا مما يستوي فيه الخلق جميعا على السواء. إذ لو نظرنا بعين الحقيقة إلى ما نيلت به جواهر المعرفة من مسارب ‏متباينة، فإننا سنجد الإنسان لم يتعب إلا في استظهار هذا المنفذ الذي تصير بها الأشياء بمعان محبوبة، ودوال مرغوبة، ولم يضجر إلا ‏لكون الطرق محفوفة بمخاطر تصده عن وجود سبيل يتعلق فيه بأهداب الحقيقة الجامعة، عساه أن يكسب تلك الخاتمة في النهاية الكاسرة.‏
‏ يتبع