دراسة مختصرة حول مصر والتبعية للإعانات الأجنبية

محمود يوسف بكير
2017 / 2 / 2

قام مركز الأبحاث التطبيقية التابع لمدرسة الاقتصاد النرويجية مؤخرا بنشر إحصاءات هامة تثبت أن مسلسل نهب الدول الفقيرة لازال مستمرا وأن الحاصل فعلا هو أن الدول الفقيرة تدعم الدول الغنية بأكثر مما تحصل عليه من مساعدات من تلك الدول.
وعلى سبيل المثال فقد أظهرت إحصائيات عام 2012 أن الدول الفقيرة الآخذة في النمو ومن ضمنها مصر قد حصلت من الدول الغنية على حوالي 1.3 تريليون دولار في شكل مساعدات واستثمارات مباشرة وعوائد خارجية آخرى وفي المقابل خرجت من هذه الدول الفقيرة تدفقات نقدية تقدر قيمتها ب 3.3 تريليون دولار في ذات العام.
ولو اننا تناولنا موضوع المساعدات الأجنبية بنظرة اقتصادية سياسية لوجدنا انها تكلف الدول الفقيرة الكثير وأن هذه الدول تعيش حالة من الوهم المتمثل في أن الدول الغربية الغنية مثل امريكا وإنجلترا وفرنسا وهولندا وايطاليا وبلجيكا تسعى بجدية لمساعداتها على الفكاك من مصيدة الفقر وتحقيق التنمية الاقتصادية المنشودة.
ولعلنا نأخذ مصر كمثال عملي لبيان هذا، حيث يلاحظ الآن ان العامل الحاكم والموجه الرئيسي للسياسة الخارجية المصرية هو كيفية الحصول على إعانات ومساعدات خارجية لدعم اقتصادها المجهد والمثقل بالكثير من الاختلالات الهيكلية وهي سياسية أدت إلى تقزيم مصر وتهميش دورها الاقليمي في منطقة الشرق الأوسط لا نه لا مكان للدول المستجدية والمنهكة اقتصاديا في لعبة السياسة الدولية.
وبالرغم من هذا لا يزال صانع القرار في مصر يؤمن بجدوى المساعدات الأجنبية خاصة من دول
الخليج وبعض الدول الأوروبية والمنظمات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ويراهن عليها كحل سريع لمشاكل مصر. والمشكلة هنا تتمثل في ان صناع القرار في الدول الفقيرة يمتلكون نظرة قاصرة حيث يركزون فقط على التدفقات الأجنبية الوافدة إليهم على قلتها ولا يهتمون كثيرا بالتدفقات النقدية النازحة من بلادهم إلى الخارج وهي أضخم بكثير.
وهذه التدفقات الخارجة تأخذ أشكال عديدة منها:
(1 فوائد واقساط الديون الضخمة المستحقة للدول الغنية.
(2 ارباح الاستثمارات الخاصة بالدول الغنية والشركات متعددة الجنسية في الدول الفقيرة.
(3 ارباح المستثمرين المحليين المقربين من السلطة والذين يفضلون إيداع أموالهم في الخارج. وعلى سبيل المثال فإن كل الأسر الغنية في مصر تحتفظ بجزء كبير من ثرواتها في الخارج بسبب حالة عدم الاستقرار وشيوع الفساد والبلطجة السياسية وغياب دولة القانون وسيطرة المؤسسة العسكرية على كل مفاصل الدولة ومؤسساتها.
(4 الجزء الاكبر من برامج المساعدات المقدمة من الدول الغربية يشترط عادة ان يستخدم لتمويل واردات سلعية ورأسمالية وخدمات من الدولة المانحة فقط. بمعنى أن معظم أموال المساعدات تعود إلى دولها.
(5 الأموال المتهربة من الضرائب المحلية والأموال المنهوبة من مؤسسات الدولة وأرباح تجارة المخدرات والرشاوى من النوع الثقيل.

ومعظم الأموال المذكورة تتسرب من الدول الفقيرة من خلال نظم التسويات المتبعة في عمليات التجارة الدولية حيث تقوم الشركات المحلية والدولية على السواء بفتح اعتمادات مستندية من خلال إصدار فواتير مضروبة أو بأسعار مزيفة ليس من السهل اكتشافها من قبل البنوك والمراسلين.
كما ان بعض الشركات المحلية في الدول الفقيرة تلجأ إلى حيل متعددة للتهرب الضريبي عن طريق تأسيس فروع أو شركات وسيطة او تابعة في الخارج لتمرير الكثير من الصفقات المزورة.
وهكذا تخرج العملات الأجنبية من الدول الفقيرة الى الدول الغنية بشكل قانوني وفي العلن.
ومن خلال بعض عمليات الهندسة المالية المعقدة التي تصممها مكاتب محاماة عالمية في الدول الغربية تستقر هذه الاموال النازحة من الجنوب الفقير إلى الشمال الغني في جزر ومدن الملاذ الآمن أو ما يسمى بال Tax Heaven مثل جزر الكايمان والانتيليز والفيرجين ولندن وليخشنشتاين داخل سويسرا ولوكسمبورج وغيرها حيث لا تزيد الضرائب عن الصفر بكثير في هذه الأماكن.
والبنوك ومكاتب المحاماة والمحاسبة التي تدير هذه الأموال في الملاذات الآمنة تتمتع بحماية تامة ولا يمكن الإفصاح عن الأموال المنهوبة والمحولة إليها إلا من خلال الجهات السيادية العليا فيها، وحتى لو أجبرت عن الإفصاح عما لديها فإنها تتبع عادة نظم هندسة مالية معقدة يصعب اختراقها. وقد عايشت بنفسي عملية احتيال دولية حاولنا اكتشافها ما بين جزر الكايمان في أمريكا اللاتينية وسويسرا وأحد الدول العربية والولايات المتحدة ولم ننجح في استعاده أي شيء من أي من هذه الدول. وعلى سبيل المثال فإن مبارك وأبنائه في مصر وبعض معاونيه اتبعوا عمليات هندسة مالية معقدة للغاية لإخفاء ما نهبوه من مصر ونعتقد أنهم أنفسهم لن يكون بقدورهم استرداد هذه الأموال لخوفهم من الفضائح وعمليات الابتزاز التي تتبعها مكاتب المحاماة في هذه الجزر.
وقد تعلمت أن الجهود الفردية لا تجدي في هذا وأنه يستحيل استعادة هذه الاموال إلا من خلال تدخل حكومي رسمي وعلى على أعلى مستوى. وكلنا يعلم كيف ان الحكومات المتعاقبة في مصر بعد ثورة يناير 2011 لم تمتلك الإرادة السياسية لاستعادة هذه الأموال بسبب الخوف من أن تفتح أبواب جهنم على جهات عديدة داخل مصر. ولذلك تم تجاهل الموضوع على المستوى الرسمي رغم عرض دول كثيرة مساعدة مصر في استعادة أموال كثيرة تم تهريبها اليها مثل سويسرا وإنجلترا وحتى امريكا.
وسوف يندهش القارئ عندما يعلم أن هذه الملاذات الضريبية الآمنة والتي يبلغ عددها حوالي 50 جزيرة ومدينة تخضع لسيادة دول مثل امريكا سويسرا وانجلترا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ وغيرها وهي ذات الدول التي تفخر بأنها تخصص نسبة من دخلها القومي للمساعدات الخارجية للدول الفقيرة علما بأن هذه النسبة تقل عن 1% بكثير.
وقد جرت محاولات عديدة في الاعوام الماضية لحث منظمة التجارة العالمية على فرض نظم قوية للتدقيق المالي على عمليات التسويات المالية والاعتمادات المستندية بين الدول الغنية والدول الفقيرة ولكن هذه الحالات باءت بالفشل نتيجة ما يدعيه المسؤولون في هذه المنظمة من أن عمليات التدقيق الصارمة من شأنها التأثير بشكل سلبي على حركة التجارة العالمية، بل إنها أوصت بأن يقبل المسؤولون في البنوك الفواتير المقدمة إليهم حسب قيمتها المسجلة أو ما يسمى بال face value وإنه ليس من مسئوليتهم التدقيق في حقيقة ما إذا كانت الفواتير مزيفة أو أصيلة.
وحقيقة الأمر أن الدول الفقيرة مثل مصر لا تحتاج إلى الحسنات والعطايا بقدر ما هي بحاجة إلى العدل من الدول الغنية وإلى الإصلاح الداخلي الحقيقي والحوكمة النظيفة من جانب أنظمتها السياسية. وإذا ما أرادت الدول الغنية حقيقة أن تتطهر من ذنوبها تجاه الدول الفقيرة فإنه بإمكانها مثلا أن تتنازل عن ديونها للدول الفقيرة أو حتى عن فوائدها وهو ما يسمح للأخيرة أن تنفق أقساط وفوائد هذه الديون الضخمة في مشروعات تنموية تساعدها على النهوض والاستغناء عن برامج المساعدات الوهمية.
كما أن بمقدور هذ الدول الغنية أن تغلق ملاذها الضريبية الآمنة في وجه الأموال المهربة من الدول الفقيرة ولكن لازالت هذه المناطق والجزر تستقبل هذه الاموال المنهوبة وتتفنن في اخفاءها وتحرم الشعوب الفقيرة من حقها في استعادتها.
وخلاصة القول أن التدفقات النقدية بالعملات الأجنبية والسلعية من الدول الفقيرة الى الدول الغنية تفوق بمراحل نظيرتها الواردة من الدول الغنية اليها وهي المسئولة عن فقر هذه الدول وفشل كل خططها التنموية، كما ان برامج المساعدات المقدمة من الدول الغنية إلى الدول الفقيرة ما هي إلا وهم وكاموفلاج يظهر الدول الغنية وكأنها دول مانحة بينما هي في الحقيقة دول ناهبة لثروات الدول الفقيرة ويساعدها على هذا انتشار الفساد والاستبداد في الدول الفقيرة.
إنها منظومة خراب محقق وهي المسئولة عن انتشار التطرف والإرهاب وتفاقم فجوة الدخل بين الأغنياء والفقراء بشكل غير مسبوق بالإضافة إلى ظاهرة الهجرة الجماعية غير القانونية لأبناء الدول الفقيرة الى الغرب بحثا عن لقمة العيش الشريفة وهربا من مستنقعات الفساد في دولهم.
والمؤسف أن الدول الفقيرة وقياداتها تتعامى عن رؤية هذه الحقائق ولا تتوافر لديها الإرادة السياسية للسعي لتغيير هذه المنظومة الفاسدة وبدلا من هذا امتهنت حرفة الاستجداء والاستدانة من الخارج.
ومصر أحد الأمثلة المحزنة على عدم إدراك حقيقة أن الاستجداء من الخارج وغض الطرف عن الفساد في الداخل لا يبني الدول والدليل أن أحوالنا تسير في منحنى هابط منذ أكثر من نصف قرن.