أفاق الزمن القادم(مرة ثانية)

منذر خدام
2017 / 2 / 1

أفاق الزمن القادم
(كنت قد كتبت هذه المقالة-الحوارية ونشرتها على مواقع التواصل الاجتماعي بتاريخ 5/3/2011،( انظر الحوار المتمدن بتاريخ 6/3/2011) ووزعتها على عدد من الأصدقاء، أي قبل أن يتحرك الشعب السوري مطالبا بحقوقه، أعيد نشرها من جديد. في حينه لاقت رواجا واسعا بين كثير من السوريين لكن "أعلام" من المثقفين والسياسيين السوريين، خصوصا ممن علا صراخهم بعد أن غادروا سورية، كانوا على قناعة بأن الشعب السوري لن يتحرك ضد النظام. كم كان وفر البلد الكثير من دماء أبنائه التي أريقت، وصان بناه التحتية والعمرانية من الخراب الذي حل بها، وحال دون تشرد ملايين السوريين في كل بقاع الأرض، لو استجابة السلطة في حينه لنداء العقل والمنطق؟!!)
الحوار مع الدكتورة و المستشارة بثينة شعبان(لست أدري أي صفة تفضل) له دائما نكهة خاصة. من جهة لكونها نموذج للمثقف السلطوي المتمكن من مجاله الثقافي، الذي يجيد استعمال أدوات الكتابة لكي يصل إلى عمق الموضوعات التي يعالجها، كاشفا عما فيها من ممكنات لتوصيل رسالة ما. فهي كما أدواتها تتميز بحساسية عالية تجاه موضوعات كتاباتها، ومن هذه الناحية لا يسع حتى المختلفين معها إلا احترامها.
ومن جهة ثانية؛ فهي منذ ما يقارب العقدين من السنين تشغل موقعاً قريباً جداً من دائرة صنع القرار السياسي في سورية، هذا إذا لم تكن فاعلة في داخلها، ومع ذلك فهي تبدي تناقضا صارخا بين ما تقوله في كتاباتها وما تمارسه في حياتها العملية. بمعنى آخر تستطيع بثينة أن تعيش التناقض بين ما تقوله كمثقفة وبين ما تمارسه كسياسية بدون أن تشعر بالحرج، فهي تمتلك قدرة عالية على تكييف المثقف الكامن فيها مع الدور السياسي الذي تمارسه.
ونظرا لأنني بطبعي أحترم المختلف معي لشخصه دائما، عندما يطابق سلوكه ودوره رأيه، لكنني أكتفي بتفهمي لشخصه، عندما يفارق سلوكه ودوره رأيه. أقول ذلك، حتى لا تتهمني الدكتورة بثينة شعبان " بالانفعالية المفرطة" أو بانفلات " مشاعر الكراهية"، أو بأنني أصدر عن "مواقف مسبقة الصنع"، في حواري مع ما كتبته بتاريخ 28/2/2011، في جريدة تشرين السورية الرسمية بعنوان " أفاق.. خصائص الزمن القادم". إن ما عبرت عنه الدكتورة بثينة في مقالتها المشار إليها من آراء، يمكن وصفها بالجيدة إذا استطعنا تجاهل الوظيفة التي تشغلها في السلطة السورية، والدور الذي تؤديه بناء على ذلك. غير أن موقعها في السلطة يكشف عن تناقض صارخ بين ما حملته المقالة من آراء ومواقف، وبين سلوكها اليومي، مما أفقدها مصداقية الرأي، تلك المصداقية التي يختبرها السلوك دائما اتفاقا أو تفارقا.
تقول الدكتورة شعبان " إن ما يجري في عالمنا العربي اليوم هو بداية تاريخ عربي جديد" وهي في قولها هذا توافق الحقيقة دون مواربة. لقد دشنت الثورة التونسية ومن بعدها الثورة المصرية عصرا جديدا ليس على المستوى العربي، بل والعالمي أيضاً. ليس من باب المغالاة القول: لقد قدم العرب نموذجا غير مسبوق للثورة ضد الطغاة، وهو نموذج يمتلك كل سمات وخصائص التعميم على وضعيات مشابه( انظر ماذا يجري في الصين مثلاً)، وعلى وضعيات أخرى يغلب عليها الطابع المطلبي. ومن حق الدكتورة أن تشعر بشيء من النشوة لكون " الملايين" من الجماهير العربية استطاعت " بمداد دمائها وكفاحها السلمي" أن تدفن "أنظمة المومياءات" إلى غير رجعة. غير أن ما غفلت عنه الدكتورة في غمرة نشوتها الظاهرية وكشف عن خوفها وامتعاضها مما يجري، هو أن هذه الجماهير في انتفاضتها السلمية قد أسقطت إمكانية الحكام المستبدين للمتاجرة السياسية بالعمالة للخارج، وكيل التهم بالخيانة لكل مطالب بشيء من التغيير، و لتكشف عن حقيقة أن الأنظمة الاستبدادية ذاتها هي العميلة لهذا الخارج. إن الأسلوب الجديد الذي ابتكرته الشعوب العربية في الانتفاضة على حكامها المستبدين هو الذي جعل جميع الحكام العرب ترتعد فرائصهم بما فيهم النظام السوري. لم يعد بإمكان الحكام العرب التهويل من شأن التدخلات الخارجية للحؤول دون تحقيق مطالب التغيير، فهاهي الجماهير المليونية تصنع التغيير وتأخذه بيدها، رغم أنفهم. وفي ذروة انتشاء الدكتورة الظاهري فإنها تصرخ " كفانا زمن الإحباط والترهل واليأس الممتد منذ استيلاد الطغاة أنظمة الاستبداد العربية، قديمها وحديثها.." مهلا مهلا دكتورة هل تقصدين جميع "أنظمة الاستبداد العربية"، بما فيها النظام السوري، أم أنك تستثنين النظام السوري من بينها، وتبقينه خارج "التاريخ الجديد القادم" على المنطقة العربية، لعدم انطباق المواصفات الاستبدادية عليه، فهو لم يكمل عقده الخامس بعد، ولا يشبه بقية الأنظمة العربية إلا في التفاصيل وأدق التفاصيل!!.
تقول الدكتورة بثينة بأنها "راهنت.." كغيرها " من المثقفين والكتاب العرب، قديما وحديثا" في كل ما كتبته على " أصالة قيم الحرية والكرامة والعدالة لدى شعبنا العربي، وعلى حيوية هذا الشعب، وحتمية رفضه لأساليب الذل والهوان التي تفرضها أجهزة قمعية ينفق على تجهيزها بأحدث معدات القمع المستوردة من الغرب، بأكثر مما ينفق على التعليم والجامعات..". في هذا المقتطف من مقالة المستشارة بثينة تبدو ازدواجية الشخصية لديها بأجل صورها، ولسان حالها يقول: انظروا في أقوالي وليس في أفعالي. لو كنت يا سيدتي المستشارة صادقة في ما كتبته، لما بقيت دقيقة واحدة في منصبك، لأن النظام الذي تقدمين له خدماتك من أشد الأنظمة الاستبدادية قهراً لشعبه، وهو يصرف على أجهزته الأمنية التي لا وظيفة لها سوى قمع وقهر الشعب وإذلاله أكثر بكثير مما يصرف على التعليم بكل مراحله. وتستطيعين اختبار صدقية ما أقوله بأن تنظري في مخصصات هذه الأجهزة في ميزانية الدولة، وقارنيها بمخصصات وزارة التربية ووزارة التعليم العالي، وإن ما هو تحت تصرفها من خارج الميزانية لأكبر بكثير.
نعم هناك كثير من المثقفين العرب والسوريين منهم بصورة خاصة ما انفكوا يراهنون على أصالة النزوع إلى الحرية والدفاع عن الكرامة والنضال في سبيل العدالة لدى شعبنا العربي، حتى في أقسى الظروف، وتحملوا في سبيل ذلك السجن الطويل، والتعذيب الجسدي والنفسي، ومنهم من استشهد وما بدلوا تبديلا. بل هم الآن أشد رهانا على أصالة هذه القيم لدى شعبنا السوري الذي لا أخاله إلا منتفضاً في سبيل حريته وكرامته ولقمة عيشه، و كأنني أراه يملأ الساحات رافعا ذات الشعارات التي رفعها الشعب العربي في تونس وفي مصر وفي غيرها: نريد إسقاط النظام....
أفتح قوسين لأذكرك بحوار جرى بيننا في مؤتمر عقد في فندق الميريديان بدمشق وكان تحت رعايتك، وكنت مدعوا كمحكم على بعض الأوراق الاقتصادية، واستمعنا جميعا في أحد المحاور إلى ورقة أعدها البروفسور رايموند هانيبوش من مركز الدراسات الشرقية في جامعة سانت أندروز في سكوتلندا، وكانت بعنوان "ممكنات الديمقراطية في الشرق: سورية نموذجا". وتميزت مداخلته بأكاديمية رفيعة، وبتحليل على درجة عالية من الرصانة، واستخدم معطيات لا تتوفر لدينا نحن الباحثين السوريين، فلقيت مداخلته ترحيبا كبيرا انعكس في المداخلات والنقاشات التي جرت بعد ذلك. وقمت أنت بالتعقيب عليه، وقدمت خطابا رسمياً بامتياز: لدينا خصوصيتنا، لدينا تجربتنا في التعددية من خلال الجبهة الوطنية التقدمية، لدينا نقابات لدينا..... واسترسلت في تفصيله، متجاهلة وجود نخبة من السوريين، من الكتاب والمثقفين والأكاديميين والإعلاميين الذين يعيشون في ظل ديمقراطية نظامك التي دافعت عنها، ولا يقدرون على ممارسة أبسط حقوقهم في التعبير بحرية. لقد كان خطابك في الواقع موجها إلى الأجانب المشاركين في المؤتمر، وفي قرارة نفسك كنت تودين أن لا يعترض على خطابك أحد من السوريين المشاركين في المؤتمر. لكن بعض الأصوات القليلة ارتفعت لتخيب أملك، وكان إحداها صوتي: لقد سألتك ما هذه الديمقراطية التي لا تستطيع أن تتسامح مع نخبة من المثقفين والمهتمين بالشأن العام في سورية الذين وقعوا على بيان يعرضون فيه وجهة نظرهم في بناء علاقات جيدة مع لبنان، فتدفع بعضهم إلى السجن، وتفصل آخرين من وظائفهم وتحرمهم من مصدر عيشهم. ما هذه الديمقراطية التي لا تستطيع تحمل آراء مفكر سوري كبير كميشيل كيلو، وآراء الاقتصادي السوري الأبرز عارف دليلة فتحكم عليهم بالسجن... والآن، وأنا أكتب ما أكتب، أسألك: ما هذه الديمقراطية التي لا تستطيع أن تتحمل نشاط بعض المدونين الشباب الذين يطالبون بتحسين الأوضاع في بلدهم، عداك عن نشاط العديد من الحقوقيين والإعلاميين وغيرهم فتسجنهم أجهزة النظام الذي تقدمين له خدماتك. وبالعودة إلى المؤتمر المشار إليه، أذكرك بما جرى بعد أن جاءت الأوامر بشطب محور القضية الكردية من جدول الأعمال، الذي كان سيتدخل به السياسي الكردي السوري البارز فيصل يوسف وهو لا يقل وطنية عن أي عربي معتز بوطنيته لا متاجرا بها، طالبناك بالتدخل لكي يبقى هذا المحور، وكنا حريصين على سمعة سورية وسمعة المؤتمر،إذ لا يجوز شطبه بعد أن وزع برنامج المؤتمر على الضيوف الأجانب، هذا عدا عن حقنا المبدئي نحن السوريين بمختلف انتماءاتنا القومية مناقشة القضايا التي تخص الوطن وشعبه، فجاء جوابك: هذه أوامر عليا.
نعم هي الأوامر العليا التي تتدخل وتقرر أية صغيرة وكبيرة في أنظمة الاستبداد العربي، فتخذل إرادة الشعوب، و تحول جميع هيئات المجتمع المدنية والنقابية والحزبية التي تسمح بها على صورتها إلى أجهزة لتوصيل الأوامر وتطبيقها، ويكاد يكون النظام الذي تقدمين خدماتك له نموذجا صارخا عنها. أنت فعلا كتبت عن أنظمة عربية لا تمثل تطلعات شعوبها، ولذلك فإنني أعلن على الملأ تضامني معك ضد من يتهمك بذلك. بتاريخ20 كانون الأول من عام 2003، نشرت مقالة في جريدة تشرين السورية الرسمية بعنوان " إفلاس العقلية الفردية " تناولت فيها الشأن العراقي ودور النظام الاستبدادي الحاكم فيه في تخريب العراق وإذلال شعبه.. في ذلك الحين كتبت بدوري مقالة بعنوان " المجتمع يشارك بفعالية إذا كان حراً "، أناقش فيها ما ورد في مقالتك، وطلبت منك أن تحذفي كلمة العراق أو النسبة إليها من مقالتك وتضعي بدلا منها كلمة سورية، فسوف تجدين أن ما ورد في مقالتك ينطبق أشد الانطباق على النظام الحاكم في سورية، مع فارق وحيد لكنه جوهري، وهو أن مقالتك كانت سوف تكتسب مصداقية أكثر، بدلا من النفاق أكثر الوارد فيها.
وإذ تدعينا في مقالتك التي نحاورها الآن لننظر كيف " تتصرف " هذه الأنظمة التي "لا تمثل شعوبها" بموارد هذه الشعوب ومقدراتها، وأنت تقصدين طبعا النظام المصري والنظام التونسي وربما الليبي، والمقدرة " بالمليارات من الدولارات التي هربت ووضعت في حسابات في البنوك الأجنبية من قبل الطغاة وأولادهم وزوجاتهم وأقاربهم، فيما يذل الشباب العربي بالفقر وبالبطالة في بلادهم...". مرة أخرى ادعوك يا دكتورة لتنظري من حولك، إنما بعيون مفتوحة، وإذا فعلت فسوف تجدين المشهد ذاته يتكرر كما في كل الأنظمة الاستبدادية العربية، وربما هو أفظع بالقياس إلى ثروة الشعب السوري المتواضعة، وبالقياس إلى إدعاء الصمود والتصدي والممانعة. فهل يتم الصمود بإفقار الشعب وإذلاله. هل تعلمين أن نحو 33% من الشعب السوري يعيش اليوم تحت خط الفقر( نحو 3000 ل.س/شهر) بحسب المصادر الرسمية، وهناك أكثر من مليون شخص عاطل عن العمل جلهم من الشباب وخريجي الجامعات. هنا أيضا جرت سرقة منظمة لثروة الشعب من قبل رجالات النظام وعائلاتهم وأقربائهم ونقلت إلى الخارج، وهي أيضا تقاس بعشرات المليارات من الدولارات. هل علينا أن نذكرك بثروة رفعت الأسد أو عبد الحليم خدام المهربة إلى الخارج، والتي أصبح الحديث عنها بعد انشقاقها لا يثير مشكلة مع النظام، أو بثروة آخرين(نتحفظ على ذكر أسمائهم) فهم لم ينشقوا بعد، وهي أكبر بكثير. والأخطر من ذلك فقد فتح النظام شهية كل من يتولى وظيفة عامة إلى استغلال منصبه من أجل الإثراء غير المشروع، حتى تحول الفساد والإفساد في سورية إلى أسلوب في إدارة المجتمع والدولة. ألا تتساءلين من أين جاءت الأموال التي بنيت بها هذه القصور المنتشرة في كل مكان من سورية، والتي يفوق بعضها خيال الحالمين في أبهته، هل سمعت بما يسمى "التفييش" المتفشي في الجيش، هل سمعت بشراء الوظائف في الدولة والتي زاد ثمن الرشوة المدفوعة لقاء الحصول على بعضها المليون ليرة سورية.
وإذا كانت" الأمور في غاية التعقيد" كما تقولين، ألا تتساءلين من المسؤول عن تعقيدها، أليست هي الأنظمة الاستبدادية عينها ومن يدور في فلكها ويقدم خداماته لها؟!. أليست هي التي سدت الأفق أمام أي تطور سلمي طبيعي للدول العربية ومنها سورية بالطبع. تقولين " إذا كنا نريد أن نكون مساهمين في صناعة مستقبل عربي زاهر بالحرية والكرامة نتطلع إليه منذ قرون، ونعمل من أجله منذ عقود جيلا بعد جيل، فلا بد أن نتبنى أسلوبا حضارياً في الحوار بعيداً عن القوالب الجامدة". ليس لدي شك بأن الشعوب العربية حلمت منذ قرون بمستقبل زاهر بالحرية والكرامة والتقدم، غير أن أنظمة الاستبداد العربي التي تقدمين خدماتك لأشدها قسوة، خربت كل شيء، وحالت بين الشعوب العربية وأحلامها، وكانت شريك الدول الغربية وإسرائيل في إذلالها، ومكنتها منها. الذين عملوا ولا يزالون يعملون في سبيل هذا المستقبل، جيلا بعد جيل، وقدموا في سبيل ذلك كل غال ونفيس، وقدموا الشهداء.. لعلمك لم يتركوا الساحات، أنظري بل ضاقت بهم الآن في تونس وفي مصر وفي غيرها من البلدان العربية، بعد أن ضاقت بهم سجون الأنظمة الاستبدادية العربية. أتحداك أن تطلبي من مسؤولي النظام الذي تقدمين له خدماتك الإفراج عن جميع مساجين الرأي في سجون نظامك ومنهم علي العبد الله، وطل الملوحي، وعباس عباس وهيثم المالح وكمال شيخو وغيرهم كثير. لكنك بالتأكيد لن تفعلي فأنت وأمثالك في الطرف الآخر، إلى جانب السجانين وسارقي ثروات الشعوب ومذليها... وبعد كل ذلك تطالبين بتبني أسلوب حضاري في الحوار. إنها لنكتة فجة، هل نظرتي كيف حاور النظام التونسي شعبه، وكيف حاور النظام المصري شعبه، وكيف يحاور النظام الليبي شعبه. ثم لماذا تنظرين بعيداً، فالنظر في البعيد ممكن لمن يمتلك بعد نظر، انظري من حولك كيف حاور نظامك معارضيه ومثقفي الشعب ومفكريه، بالزج في السجن أو المنع من السفر أو الفصل من الوظائف. كم من مرة طالبت المعارضة السورية بالحوار مع السلطة من أجل انتقال سلمي وآمن ومتدرج للدولة والمجتمع من وضعية الاستبداد إلى وضعية الحرية والديمقراطية، إلا أنها سدت أذانها ولا تزال. ورغم أنني لا أدعي تمثيل غير نفسي مع ذلك فإنني أتحداك أن تطالبي السلطة التي تخدميها بالإنصات إلى صوت العقل والتعقل إلى صوت الشعب، وتبادر إلى الدعوة إلى حوار وطني شامل يشارك فيه الجميع، من مؤيدي السلطة ومن معارضيها، ومن ممثلي هيئات المجتمع المدني والأهلي، ومن المثقفين ورجال الفكر ورجال الدين،ورجال القوات المسلحة، من جميع ممثلي الشعب بلا استثناء وبلا شروط مسبقة، للبحث عن أفضل السبل، وأقصر الطرق لوضع سورية على طريق الحرية والديمقراطية. فالثورة لذاتها ليست مطلباُ، فهي إذ تفتح أفقا رحبا للحرية والتقدم والكرامة والديمقراطية، إلا أنها في الوقت ذاته تتسبب بخسائر كبيرة وبآلام كثيرة سوف يمضي وقت طويل قبل تعويضها وتجاوزها.
تدعونا الدكتورة بثينة شعبان إلى "حوار شفاف" حول " أولويات شعوبنا، والسبل الحقيقية الكفيلة بتحقيق هذه الأولويات بأقل الخسائر الممكنة، وبأنجع السبل المتاحة". إن دعوة الدكتورة بثينة للحوار الشفاف كان يمكن أن تكون موضوعاً للتفكر والنقاش، وليست مجرد مزحة من مزحاتها الكثيرة التي حفلت بها مقالتها العتيدة التي نحاورها، لو كانت تعنيها فعلا بحكم موقعها الرسمي. لعقود من السنين وأنظمة الاستبداد العربي تسد آذانها عن أي مطلب شعبي مهما صغر، وتواجهه بالقمع. الآن بعد أن صارت الجماهير تسمع صوتها لمن به صمم، تستمر الدكتورة بتجاهل أولويات هذه الجماهير، بالحرية والكرامة والديمقراطية، أنصتي إليها يا دكتورة فهي تريد الحرية تريد دولة ديمقراطية مدنية قوية تحميهم وتصون بلادهم، وتتيح لجميع أفراد الشعب التطور والتقدم بحرية وشفافية في إطار القانون الذي يشرعونه هم لا المفروض عليهم، في إطار الدستور الذي يعدونه هم كعقد اجتماعي لا الدستور الذي يكبلهم ويشلهم عن الفعل والحركة، في مناخ تسود فيها سياسات تستلهم مصالحم لا مصالح الخارج وأعوانه في الداخل.
ربما تقصد الدكتورة بثينة بالأولويات التي تطالب بالحوار حولها وتبنيها، أولوية تحرير الأرض، فسورية كما هو معلوم لا يزال جزء من أرضها محتل من قبل الكيان الصهيوني. لأطمئنك أيتها المستشارة بأن تحرير الأرض السورية هي في مقدمة أولويات الشعب السوري، وهو يدرك جيداً موقعها المناسب في أجندته. مع ذلك فإنني كفرد من هذا الشعب أسألك ماذا فعل نظامك من أجل تحرير هذه الأرض منذ نحو أربعة عقود وهو يرفعها كأولوية له. كم كنا نشعر بالخجل ونحن نسمع تصريحات المسؤولين في الكيان الصهيوني وهم يعلنون بأن الجولان صار المنطقة الأكثر أمناً بالنسبة للصهاينة، أكثر أمنا حتى من تل أبيب. أسألك هل يمكن تحرير الأرض بالعبيد أم بالأحرار، بالفقراء والعاطلين عن العمل، أم بالذين يعيشون بكرامة ويعملون ويكسبون رزقهم بعرق جبينهم، بدولة تمثل الشعب وتعبر عن مصالحة، أم بدولة أمنية جهازية، بسلطة تنبثق من الشعب عبر انتخابات حرة ونزيهة تقوم على رعاية مصالحة، أم بسلطة مفروضة عليه، جل همها أن تسرق الشعب وتذله وتهرب ثرواته إلى الخارج، كما كشفت عن ذلك الثورة التونسية والمصرية وغيرها من الثورات العربية الجارية في أكثر من دولة عربية. تحرير الأرض يا سيادة المستشارة لا يكون بالعبيد والجوعانين والفقراء، تحرير الأرض لا يكون بتعميم الفساد والإفساد حتى لم يبق احد خارجه بحسب مفكرنا السوري البارز طيب التيزيني. تحرير الأرض بالقوة أو بالتفاوض يكون بأولوية خلق الظروف الملائمة لبناء الإنسان الحر العزيز الكريم، لبناء دولة القانون، دولة المؤسسات الديمقراطية، دولة المناقبية والقيم الوطنية المعممة، الدولة القوية بشعبها وجيشها.
ليس ثمة أي اكتشاف في القول بأن الثورة المتنقلة من قطر عربي إلى آخر دليل على وحدة الأمة العربية وقضاياها، خصوصا بالنسبة لنا نحن السوريين، غير أن ما أتحفتنا به الدكتورة بثينة من اكتشاف أن الكفاح " من أجل حياة حرة وعزيزة ومستقلة من الاضطهاد الأجنبي، يترجمه اليوم ملايين الشباب بالكفاح ضد الفساد والبطالة والفقر والاستبداد.." . في ظاهر المعنى يبدو أن الدكتورة قد ربطت وجود " الفساد والبطالة والفقر والاستبداد" بالأجنبي، هذا يعني ببساطة أن الأنظمة الاستبدادية العربية هي صنيعة هذا الأجنبي، تقوم على تنفيذ سياساته على الشعوب العربية، وليس من مجال للاستثناء. أما في باطن المعنى وهو الذي يحمل رسالة الدكتورة، يبدو الأمر مختلفا جداً وهذا ما توضحه عبارتها التالية مباشرة والتي تنص" لا يجب مساواة من دافع دائما عن عروبة قضايانا، ودفع ثمنا باهظاً من أجل مواقفه بمن تلقى المكافآت والمعونات من أعداء أمته على مواقفه..". إنها تريد أن تقول باعتبار أن النظام السوري كان يدافع دائما عن عروبة قضايانا(لست أدري كيف تكون قضايانا غير عربية، وإنها بحاجة لمن يناضل للحفاظ على هويتها العربية) لا ينبغي مساءلته عن قضايا " الفساد والفقر والبطالة والاستبداد"، فهذه مسائل ثانوية بالقياس إلى المواقف "العروبية" الكبيرة التي لم تفرط بالحق العربي. ينبغي علي الاعتراف من جديد، وقد قلت ذلك مراراً في السابق، وفي ذلك ربما نقطة توافق والتقاء مع الدكتورة بثينة، إنني أميز جيداً بين مواقف النظام السوري تجاه قضية فلسطين، وفي المفاوضات مع إسرائيل التي استمعت وإياها إلى عرض مسهب لمجرياتها منذ أن بدأت من عضوين في الوفد السوري المفاوض، لا ضرورة لذكر اسميهما، وكذلك مواقفه من دعم المقاومة اللبنانية والفلسطينية ضد إسرائيل، وبين مواقف بقية الأنظمة الاستبدادية العربية، خصوصا مواقف النظام المصري السابق والنظام الأردني. لكن المفارقة تكمن في الجمع بين هذه المواقف الخارجية التي تبدو جيدة وتدعمها غالبية الجمهور السوري، وبين انتشار الفقر والبطالة والفساد في الداخل. هل يمكن بناء أية مواقف سياسية خارجية قوية ومقنعة، على كيان سياسي ضعيف ينخره الفساد والبطالة والفقر والاستبداد المعمم. بودي أن أصارحك بأمر أنت لا تستطيعين سماعه بحكم موقعك، غير أنني أسمعه دائما حتى من بعض رفاقك، في أي نقاش يجري في الشؤون العامة، بأن المواقف "العروبية" للنظام السوري ليست سوى غطاء لاستمراره في الحكم، وأنه مستعد للقتال حتى آخر مقاتل لبناني أو فلسطيني، ومستعد أن يتحمل الإذلال والمهانة باستمرار كما حصل في تدمير الطيران الإسرائيلي لمنشأة عسكرية في دير الزور، وكما حصل من قصف معسكرات تدريب على الحدود السوري اللبنانية، وكما حصل في تحليق الطيران الإسرائيلي فوق القصر الجمهوري في اللاذقية، وكما حصل في اغتيال القيادي في المقاومة اللبنانية مغنية في دمشق، واغتيال المسؤول العسكري السوري محمد سلمان على شاطئ طرطوس...لكنه غير مستعد لتعريض نظامه للخطر من جراء أية مواجه محتملة مع العدو الصهيوني. بالطبع الحرب مع عدو قوي ومدجج بالسلاح ليس مطلباً، ومن الحكمة أن لا ننجر وراء استفزازاته، لكن من غير المعقول والمقبول إضعاف الدولة والمجتمع بصورة ممنهجة من خلال إفقار الناس وإفسادهم، بحيث لا تقدر على التصدي لهذه الاستفزازات في داخل سورية، بل والسكوت المريب عن المسؤولين المباشرين عن عدم التصدي لطيران العدو الذي استباح سماءنا. يا سيادة المستشارة كوني على ثقة بأن الشعوب العربية المنتفضة والثائرة على حكامها المستبدين تضع نصب أعينها قضية تحرير فلسطين، ألا تسمعين كيف هجمت حشود مصرية على معبر غزة لتكسر الحصار عن أبناء شعبنا الفلسطيني؟!، وإن الطريق إلى تحرير فلسطين لأول مرة يتم اكتشافها بصورة صحيحة وصائبة، بعد أن حالت أنظمة الاستبداد العربي دون ذلك، وهو طريق الحرية والديمقراطية، طريق محاربة الفساد والفقر والاستبداد. ألا تسمعين تصريحات المسؤولين الإسرائيليين وكيف أن الثورات العربية قد غيرت حساباتهم الإستراتيجية. إنهم اليوم لأشد قلقاً على مستقبل وجودهم في فلسطين، ولذلك نراهم يسارعون ويتوسطون لدى حلفائهم من أجل بلورة مبادرات دبلوماسية تفضي إلى تسويات مع الفلسطينيين وغيرهم تحافظ على وجودهم. والغريب في الأمر أنه في هذا الوقت العصيب بالنسبة لإسرائيل تطالعنا وسائل إعلام مختلفة بعضها قريب من النظام السوري بأن سورية تقوم بمبادرة دبلوماسية تجاه إسرائيل عبر "الوسطاء" الأمريكيين؟!!
ويبلغ التناقض ذروته عند السيدة المستشارة بين مستوى القول حيث تدعونا للتمسك بما هو مهم اليوم وهو " مشاركة الجميع في التعبير عن الرأي، والمساهمة في الحكم، وفي إدارة شؤون البلاد، وتحقيق مصالح الجماهير.." وبين مستوى الفعل حيث تؤدي خدماتها. عن أية حرية تعبير تتحدثين، وأجهزة نظامك الأمنية تحصي علينا الأنفاس، وإذا استطعنا أن نهرب بعض الآراء فذلك بفضل التكنولوجيا الحديثة. ثم ألا تسمعين بالمحاكمات الصورية التي تجري في سورية يوميا لنشطاء الرأي وحقوق الإنسان، لكل من ينتقد خطأ هنا، وسرقة هناك، وهدر للمال العام هنا وهناك تحت عنوان " وهن عزيمة الأمة، ونشر أخبار كاذبة". ويبدو أن السيدة المستشارة مصرة على إدهاشنا في دعوتها الجميع للمشاركة "في الحكم، وفي إدارة شؤون البلاد". لماذا لا توجهي كلامك لمن حولك أليسوا هم لا غيرهم من يستأثر بالسلطة منذ نحو خمسة عقود، ويديرونها من خلال الأجهزة الأمنية الفاسدة. ثم كيف يمكن الجمع بين السارق والمسروق، بين الفاسد ومن يمارس عليه الفساد، بين الظالم والمظلوم، بين المستبد وطالب الحرية في "إدارة شؤون البلاد وتحقيق مصالح الجماهير"، وبعد ذلك تدعين بوجود " العديد من الطرق لفعل ذلك" وأن " آليات العمل متاحة أو يجب أن تتاح" دون أن تبيني ما هي هذه الطرق وأين هي هذه الآليات المتاحة، في ظل نظام استبدادي شمولي خرب كل شيء مدني في الدولة والمجتمع، ليشيد بدلاً منها دولة جهازية أمنية غاشمة. الطريق لتحقيق ما تصبوا إليه الجماهير صار معلوما لديها بفضل وعيها ومعاناتها، إنه طريق الثورة في وجه من يكابر ولا يلاقي مطالبها بالتغيير، وسوف تهتدي أيضا إلى آليات تحقيق ذلك. فهذه الجماهير في غنى عن خدماتك الاستشارية، وإذا كنت حريصة فعلاً على حرية التعبير والمشاركة في الحكم والدفاع عن مصالح الجماهير السورية، قدمي النصح لمن حولك لملاقاة الجماهير في تحقيق مطالبها، قبل فوات الأوان. بعد نحو ثلاث وعشرين عاما يقول زين العابدين لشعب تونس الثائر" فهمتكم.. والله فهمتكم .."، وبعد نحو ثلاثة عقود يقول زميله حسني مبارك للشعب المصري الثائر" لم أكن أنوي الترشح لدورة رئاسية جديدة.. أمهلوني ستة أشهر فقط لكي أمنحكم نظاما ديمقراطيا...."، وها هو علي عبد الله الصالح في اليمن يصرخ" لا أريد التجديد.. ولا أريد التوريث..أمهلوني فقط لأكمل ولايتي الدستورية.." وهاهو زميله القذافي الأكثر سفالة وتوهما يأبى أن يغادر قبل تدمير بلده، وإذ يفعل فلن يجد في النهاية مكاناً يأويه. وعلى الطريق ملك البحرين وسلطان عمان وملك السعودية والنظام الطائفي المزروع أمريكياً في العراق والحبل على الجرار. إلى متى الصمت والمكابرة في سورية والرهان على تخويف المواطنين من حرب طائفية أو أثنية لا وجود لها في وعيهم، ولا في سلوكهم، بل هي من جملة فزاعات بعض أبواق النظام التي لم تعد تخيف أحداً. الشعب يا سيادة المستشارة يتوق فعلا إلى حرية التعبير وإلى المشاركة في إدارة البلاد دفاعا عن مصالحه، وهو في حال أرغم على الانتفاضة فلن يحتاج إلى نصائحك، فهو يعرف جيدا كيف يصون الممتلكات الخاصة والعامة، وكيف يحافظ على دماء الناس ومصائرهم. ألم تنظري في الدرس الذي قدمه الشعب التونسي والمصري في الوعي والانضباط اللذين أذهلا العالم. كوني على ثقة لن يكون الشعب السوري أقل وعيا وانضباطا من الشعبين التونسي والمصري، المهم أن لا تتحرك البلطجية. إن لغة "التخوين والانتقام والإقصاء والعزل والمنع.."، ليست لغة الجماهير، بل هي لغة الحكام المستبدين. وإن شعار " من ليس معنا فهو ضدنا" الذي تنسبيه لجورج بوش الابن، هو بضاعة مكتوب عليها صناعة النظام السوري التي استخدمها في وجه معارضيه من كل الاتجاهات السياسية، في ثمانينات القرن الماضي، وكان من نتيجتها الانتقام من عشرات الآلاف من المواطنين السوريين، الذين لم يكن لهم لا ناقة ولا جمل في كل ما كان يجري بين النظام والإخوان المسلمين، وكان ذنب البعض منهم أنهم وطنيون باعتراف بعض مسؤولي النظام.( أذكر جيداً في أول لقاء لنا في سجن تدمر مع مدير السجن الذي لا يجرؤ على التكلم إلا وفق التعليمات، بعد حفلة تعارف بواسطة الكابلات الرباعية مشفوعة بسيل من السباب، يقول لنا أنتم وطنيون انتم شرفاء، لكن تقتضي المرحلة وجودكم في السجن".قيل لنا هذا نحن - البعثيين الديمقراطيين- في ذلك الحين، كما قيل لغيرنا من الشيوعيين والناصريين ولآلاف المستقلين والرهائن بأساليب مختلفة). الشعب لا ينسى لكنه لا ينتقم يا سيادة المستشارة، بل يطالب بمحاكمات عادلة وعلنية وشفافة، يمتلك فيها المتهم حق الدفاع عن النفس بكل وسائل الدفاع القانونية المتاحة أو الممكن إتاحتها في ضوء شرعة حقوق الإنسان، لكل من ارتكب جرائم بحقه، أما حقوق الأفراد فإنني على يقين بأنها سوف تقبل المسامحة. نعم سوف يكون الهم الأول للشعب هو تحقيق " الانجاز الأكبر في نشر الحرية وسيادة القانون، وسوف يعلي من شأن الاختلاف، والحق فيه، والحق في الدفاع عن الوجود المختلف، إلى مستوى القيم العامة.
حقيقة نحن شعب سوري طيب، يعتز فيه العربي بعروبته، والكردي بكرديته والأشوري بأشوريته والأرمني بأرمنيته، وكل وجود أقوامي بقوميته، لكنهم جميعهم يعتزون أيضا بسوريتهم. وإذا كانت ثمة محاولات خائبة للتفريق بينهم فهي محاولات تقوم بها أجهزة نظامك العتيد.
في ختام مقالة السيدة المستشارة تتحفنا ببعض النصائح التي كان عليها أن توجهها لمن تقدم خدماتها الاستشارية، على أمل " أن يغيروا ما بأنفسهم أولاً، وأن ينظروا إلى ما يحدث ويعوا ما يرون وينظرون، وان يسمعوا صوت الجماهير، ويدركوا ما يسمعون، وألا يستسهلوا إعطاء أنفسهم الحق بالطغيان على الآخر، أو الاستبداد..." . وإذا كانت الجماهير بطبيعتها لا تخلط في القضايا الوطنية الكبرى، بين بعض المواقف المشرفة تجاه العدو الصهيوني، وبين من باع القضية، فإنها ترى أن مسؤولية من يزعم أن مواقفه مشرفة تجاه مطالب شعبه هي أكبر بكثير.
ملحوظة:
وأنا أراجع ما كتبته أعلاه، دخل صديق علي البيت، وجلس إلى جواري وأخذ يقرأ معي ما كتبته. وبعد أن انتهينا سوية من قراءة المقالة، خاطبني معقباً وهو في وضعية جدية أذهلتني: أعتقد جازما إن ما كتبته الدكتورة بثينة شعبان ليس من عندها، بل هو من وحي غيرها.. أنت تفهم قصدي.. ويبدوا أنه جاد هذه المرة بإجراء إصلاحات ذات مغزى. أجبته بأن بعض الأمل لا يضير، وان السيد الرئيس المقصود بتوريتك، هو رئيس شاب يمكنه إذا أراد أن يرسم فارقا حادا مع زملائه من الحكام العرب، وهو ليس مسؤولاً عن كل ما عانته سورية وشعبها، وهو لا يزال يتمتع بمحبة قطاع لا يستهان به من الشعب السوري، ولديه فرصة لم تتح لزملائه، أعني مؤتمر الحزب القادم لكي يعلن عن برنامج تغييري جذري. وكمساهمة مني وكنوع من استلهام ما يريده الشعب السوري أقترح عليه البرنامج التالي الذي ينبغي أن ينفذ خلال ستة أشهر على أبعد مدى:
أولا" العفو العام عن جميع سجناء الرأي، والشروع في تسوية أوضاع من تعرضوا للسجن سابقا بسبب أرائهم السياسية، والكف عن سياسة الملاحقة والقمع والمنع من السفر وغيرها، وكذلك الشروع فورا بتسوية الأوضاع المدنية للسوريين من غير العرب مثل الأكراد ومن في حكمهم.
ثانياً؛ إلغاء حالة الطوارئ وجميع القوانين الاستثنائية، ومنها المرسوم رقم 6، والقانون رقم 49، والمحاكم المبنية عليها، والشروع في تشكيل لجنة من الاختصاصيين للبحث عن أفضل الطرق لتعديل الدستور، أو كتابة دستور جديد يحول سورية إلى جمهورية برلمانية.
ثالثا؛ وحتى يتم تعديل الدستور، أو إعداد دستور جديد، ينبغي استصدار مرسوم يسمح بحرية التعبير، والإعلام، وممارسة الحياة السياسية بحرية، وإنشاء الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية والنقابية، بعيداً عن تدخل الدولة، والفصل بين الدولة ومؤسساتها، والأحزاب السياسية والنقابات وهيئات المجتمع المدني، وفي مقدمتها حزب البعث.
رابعا، إشراك القوى السياسية جميعها، من في السلطة ومن في المعارضة، في مناقشة وإعداد وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية لا تستثني أحدا، تقوم على متابعة تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، على أن يتم حسم الخلاف على بعض القضايا الجوهرية من خلال أخذ رأي الشعب بها عبر استفتاء ينظم لهذا الغرض.
وأقترح أن يختم الإعلان عن هذا البرنامج بالنداء الأتي: أيها السوريون الشرفاء هلموا لنتعاون ونبني وطنا مختلفا، ودولة مختلفة، يدا بيد...5/3/2011