أسطورة ترامب ملكاً: هجرة التاريخ

سامي عبد العال
2017 / 2 / 1

لا نحتاج مشقةً كبيرةً لإثبات أنَّ دونالد ترامب يماثل أوديباً في الأسطورة اليونانية. فها هو غاد ورائح خلال مملكته القارية التي يؤكدها يومياً جراء قراراته. لقد جعل البيت الأبيض "ديواناً ملكياً" على غرار دواوين ممالك الفرس والعرب. يعين هؤلاء المسؤولين... ويعزل أولئك بحسب ولائهم لسياساته. ثم ها هو يبث تمييزاً بين عناصر المجتمع وأديانه. ويقطع بحماية القارة الأمريكية واتخاذ اجراءات حاسمة تجاه العالم. والأغرب إزاحته لأية عوائق ديمقراطية تقف له بالمرصاد. حتى لو خالف عمله التنوع والتقاليد الثقافية. داسَّاً أنفه المقدس في التفاصيل... من بطاقات الهوية إلى تصاريح العمل وآليات اللجوء والإقامة.
يبدو أنَّ هناك مواسم يهاجر فيها التاريخ الغابر إلى قارات العالم الجديد. تاريخ الحكم السلطوي الشامل والاستبدادي. ذلك بعدما هاجر البشر وبنوا صروحاً اقتصادية وسياسية كبرى. والأساطير- لحسن الطالع- لا ترقد والأموات، لكنها تفارق حفرياتهم حالَّةً في هياكل السلطة الراهنة. وتتلبس صوراً وأفكاراً وأشخاصاً إذ تتولّد بدلالتها عبر أحداث التاريخ وعواصفه كما يشير ليفي شتراوس.
يمكننا القول بأنَّ أمريكا امبراطورية في اهاب أسطورة. وكما هو رائج استطاعت تحريك الأحداث لصالح مآربها وخدمة اقتصادها. منذ أن قال هنري كسينجر علينا ألاَّ ندير الأحداث ترقباً لنتائجها فقط أنما يجب صناعة التاريخ وأمريكا تستبق إلى كيف يتشكل التاريخ ذاته؟ وما هي احتمالات المستقبل القادم؟ بل أكثر من هذا.
إنّها ترسم خريطة خاصة للتاريخ رغم مشاعه فوق مساحة العالم. حتى وإن كانت ثمة أحداث مختلفة تلوح في الأفق. وفي هذا ليس أبرز من (انتعال- احتذاء) الجماعات الإسلامية لتحقيق أهدافها. فالإسلاميون مناهضون بحكم عداء منطلقاتهم الدينية لأمريكا. وكم وصفوها بالشيطان الأكبر. لكن المفارقة أنهم يعملون تحت ابطها مباشرةً. في السياسة كما الحرب ليس أذكى من كيفية وضع سيناريو يعمل وفقاً له الأعداء قبل الحلفاء. وأن يسيروا كما رُسم لهم أن يبلغوا نقاطاً هي صميم الخطة الموضوعة. والعدو في تلك الحالة ليس بمسماه إنما كما أشار أحد وزراء خارجية أمريكا حينما سئل عن أصدقاء دولته وعن أعدائها. قال: ليس لنا أصدقاء ولا أعداء .. عندما توجد مصالح توجد أمريكا!! مكملاً كلامه: يمتد نفوذ أمريكا من الأن إلى نهاية العالم.
من هنا يجوز تشبيه الأسطورة الأمريكية بالأسطورة اليونانية. الاثنتان تنشطان في صورة عظمى وإن اختلف السياق والزمن. وإذا كان الرجل الأبيض يعتبر اليونان عمقاً تاريخياً لحضارة الغرب فإن أمريكا بمثابة السقف الأعلى له. على حد تعبير فرانسيس فوكوياما تمثل نهاية التاريخ وخاتم البشر. ورغم الأوهام المحيطة بهذا الطرح لكنه يستند إلى القدرات الاقتصادية والسياسية والعسكرية الأمريكية.
ولئن كان الاقتصاد فاعلاً خلف تلك الأوجه فإن الرأسمال هو الأب (الشرعي وغير الشرعي) لكل قدرات أمريكا. هو أب محارب يقف على عرش السلطة مهما كان الأشخاص الذين يمارسونها. أوديب كما جاء بأسطورته اليونانية كان ابناً للملك الحاكم. حيث كان الأخير يهيمن على العرش ويحيا بقدرات شعبه ويغزو بهم البلاد المجاورة مستولياً على خيراتها. في الأسطورة الأمريكية تتسيَّد الرأسمالية جميع المشاهد. لتحرك مشروعاتها الاستعمارية والعولمية عن بعد والمحلية عن قرب. وهي تستولي على خيرات العالم على ذات النهج كما أشار نعوم تشومسكي.
حروب أمريكا التي تمت -و خُطط لها- لم تذهب هباء. ولم تكن لتحدث هكذا بلا طائل. ربما كانت بلا عائد بالنسبة للشعوب المهزومة. لكنها جرَّت ثروات طائلة إلى خزائن العم السام. لنسأل العراق كم من البلايين نُهبت من جراء غزو أمريكا له؟! ولنسأل مملكة آل سعود كم المليارات تتدفق على الخزائن الأمريكية بمجرد التكشير عن الأنياب، وبمجرد بيانات رئاسية – من أوباما وترامب - بأن آل سعود لهم يد في الإرهاب العالمي كما حدث مع قانون جاستا الأخير؟!
من جانبٍ آخر لم يتورع أي رئيس لأمريكا من محاصرة الأنظمة المستبدة لتحصيل الاتاوات بأشكال مختلفة. سواء بشراء الأسلحة وعقد صفقات قذرة وتمويل المشروعات الاقتصادية أم بعقد اتفاقيات للمساعدة على حل الأزمات ومحاربة الإرهاب. بينما هناك خريطة للمصالح تكمن بالتفاصيل. وأمريكا تدرك جيداً أن جميع الطرق ستقود إلى تضخم الأب الرأسمالي. هذا القاطن بالبيت الأبيض والمؤسسات المخابراتية والعسكرية. وسيتم على أثرها – بمخططه- نشر الشركات العابرة للقارات وفتح أسواق الحروب علناً ودون مواربة. وتأجيج الصراعات المسلحة والحفر في أعماق المجتمعات الهشة لتمزيقها.
إذن الأب هو الرأسمال لعدة أسباب:
1- الرأسمال يقف وراء سياسات الدولة الكبرى(أمريكا). ويحكم بوصلتها العالمية على كافة المستويات. ويتعامل مع المجتمع كما يتعامل الأب المهيمن مع عائلته.
2- يؤسس لنمط الحياة الأمريكية. فالليبرالية مرتهنة بالأسواق المفتوحة القائمة على تداول السلع بلا قيد واطلاق العنان للحريات الفردية. وتلتقي هذه المعطيات في الحياة اليومية وفي أدق الأشياء البسيطة.
3- يتدخل الرأسمال لتصفية أيَّ أعداء مهما يكونوا. فارضاً توجهاته الخاصة خلال نسق القيم الذي يلائمه ويتماشى مع أهدافه.
4- يقلص الرأسمال فضاء العالم إلى مجرد مضاربة وصفقات تتلوها منافسات وصراعات لا تهدأ للمزيد.
5- الرأسمال والأب يحتمان- رغم سلطهما- الرعاية الدائمة. ويخافان المجهول القادم. وهذا السبب وراء تأمين رأس المال ومصادره. لذلك يحتاج قوات عسكرية لحمايته كما تفعل أمركا في مناطق نفوذها. والأب يسهر على سلطته المهددة دوماً. كما حدث بأسطورة أوديب عندما تنبأ أحد الكهنة بأن الابن(أوديب) هو من سيقتل الملك ويتزوج الملكة(أمه).
6- تنشأ بسبب رأس المال الحروب واعمال العنف. فجأة يتحول إلى لعنة كحال الأب. وتباعاً يصعب الخلاص منه. لأن لعنة الأب تكون اسماً يلاحق الأبناء أينما كانوا كما أنه يسكن اللغة. تلك التي تعطيه انتشاراً لا يحد.
7- الاب هنا يمثل رغبة نهمة جراء صراع الأبناء. إذ يحاولون أن يصبحوا هم هو( أن يتقمصونه). ذلك الوضع الاستيهامي للتوحد بالرمز وسلطته.. يبعد أبناءه عنه كي يجلبوا أرباحاً إضافية على شاكلته. لقد سمعنا بالآونة الأخيرة تمثيل الثروات بأسماء الحيوانات. مثل المليون حين يسمى بالأرنب. والمليار يقابل الفيل. ومع هذا الاسقاط تدخل الحياة والموت كعنصرين مهمين.
من تلك الجهة لم يكن ترامب إلاَّ ابناً للرأسمالية خارج أمريكا. وكم قيل الكثير عن انعدام خبرته السياسية. وكيف يتقدم للرئاسة شخص لم يفهم إلاَّ في الاستثمارات العقارية والشركات والفنادق والأموال. شخص يعرف فقط ايراداته الضخمة من مئات المشروعات في الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية(111 شركة في 18 دولة): مثل السعودية والإمارات ومصر والهند والأرجنتين والبرازيل وتركيا. تقدر ثروته بين 3.5 مليار دولار بحسب مجلة فوربس، و4.5 مليار دولار وفقاً لمصادر أخرى. وأغلب أصولها ممتدة بأطراف العالم. فالابن القاتل يأتي دائماً من الأطراف القصوى.
هذا الأوديب هو ما يخشاه رأس المال ويؤيده ويرعاه في الوقت نفسه. فبعدما شكل أسطورته خارج أمريكا آن الأوان لمزاحمة الرأسمالية في عقر دارها. بالفعل قبل فوزه برئاسة أكبر دولة وصاحبة أكبر اقتصاد عولمي، كان أسم ترامب علامة تجارية لثروات جناها "الملياردير الرئيس"(70 عاماً). لكنه شكل فوبيا للعالم الخارجي والداخلي أيضاً. حيث تراجعت الأسواق أثناء ترشحه للرئاسة. مخافة أن يتغير وجه أمريكا المنفتحة والمؤسسة لمفاهيم التجارة الدولية والأسواق الحرة. ولذلك كانت ردة فعل أسواق الأسهم والنفط والدولار التقهقر بنسب تفوق 5% للأسهم وتزيد على 3% للعملة الأميركية والنفط. فيما انخفضت عملة المكسيك بنسبة 14%.. وهو ما اثبتت صحته الأيام الأولى من جلوسه على العرش!!
إنها المعركة التي فاز بها ترامب باسم الانتخابات الأمريكية وقتل الأب المركز. وتزوج أمه- السلطة في أمريكا. سلطة الاقتصاد المفتوح والليبرالية معاً. لقد أقصى صورة معينة من الرأسمالية التي رعت الإرهاب في عهدي بوش الابن وأوباما. وأخذ يوطد رأسمالية سياسية تعلن صراحة اقتحام مناطق الصراع وبث الكراهية وترسيخ العنصرية. وظهر ترامب قائداً ومحارباً أسطوريا من نسل الأساطير القديمة. حاد الملامح، خبير بكلمات رنانة تقال في ميادين التنافس والمبارزات. ينظر شذراً لمن يقف بجواره من القادة والرؤساء والمسؤولين. كما أنك تستشعر أنه على أهبة الاستعداد لعمل أي شيء دونما سقف. يمد يده بقوة لمصافحة جلسائه كما لو كان على طاولة الصفقات وداخل حلبة المصارعة. يقتنص النظرات كما يقتنص النمر خطوات فريسته وسط الغابة.
أولاً: قيل إنه لأول مرة يجلس هذا الصنف من الرؤساء داخل البيت الأبيض بعد رموز الأمة الأمريكية. الذين أسسوا للحريات وحقوق الإنسان والانفتاح والتنوع.
ثانياً: أحدث اضراباً في أسواق السياسة وتوقعاتها كذلك. المواطن الأمريكي الذي انتخبه كان كاهنا تنبأ بقتله للأب وزواجه من أمريكا. ونحن ندرك أن أمريكا بلد التنبؤات الحرة أيضاً. فكل شيء جائز سياسياً.
ثالثاً: أخذ مكانة الأب سريعاً بالتلاعب في القوانين. ونحن ندرك أن القانون هو السلطة الناعمة داخل أي مجتمع. وحينما يذهب إليه أوديب الجديد فقد مارس دوره الزواجي من أمريكاً في مخدع المجتمع ككل. لأنه تسلل إلى جميع البيوت والمؤسسات بلا استثناء.
رابعاً: اشعل ترامب أعمال شغب حتى أثناء تنصيبه. وهذه النبوءة تزداد يوماً بعد يوم: أنه سيمارس وصاية أبوية لا حدود لها.
إلى الآن تبقى الأسطورة سارية حتى اشعار آخر. لكن متى سيدرك ترامب أنه تزوج أمه أمريكا. التي أنجبته وأنه افتتح لعنة القيام باستثماراته في عقر دارها. هل سيفقأ "أوديب أمريكا" عينيه هائماً على وجهه في براري العولمة؟! أم ستنقلب الأسطورة ويفقاً الأمريكيون أعينهم هائمين في انحاء العام بعدما تسود حقبة جديدة من الفوضى والتعصب والكراهية؟!