الإعاقة بجهة درعة تافيلالت بجنوب شرق المغرب: الأزمة قائمة والحل مفكر فيه

لحسن ايت الفقيه
2017 / 1 / 28

نظمت جمعية الأشخاص المعاقين بزاكورة وفيدرالية الجمعيات العاملة في مجال الإعاقة بجهة درعة تافيلالت مائدة مستديرة بمدينة الرشيدية، جنوب شرق المغرب، في موضوع «الديموقراطية التشاركية: أي دور للمنظمات العاملة في مجال الإعاقة؟»، أريد منها فتح باب نقاش بقاعة الاجتماعات بالفضاء الجمعوي بحي المسيرة بالرشيدية، بين الماهنين المؤسساتيين والمجتمع المدني حول السياسات العمومية، النقاش الذي دام طويلا مساء يوم الجمعة 27 من شهر يناير من العام 2017. ولئن كان منتظرا كما هو مسطر في متن الدعوة الموجهة للمشاركين من ذوي الصفات من ممثلي المصالح الإقليمية والجمعيات المعنية بالإعاقة والجماعات الترابية التي لم يحضر لتمثيلها أحد، أن تدعم المائدة هامشها بمؤتمر صحافي يرجو تسليط الضوء على الإعاقة بجهة درعة تافيلالت ومدى اهتمام الإعلام هناك بهذا الشأن ذي الصلة بمجال حقوق الإنسان، فإن الوقت لم يمكن من بلوغ ذلك القصد، أو تبين للمنظمين التغافل عن هذه النقطة لسبب ما لم يفصح عنه. حضر من المؤسسات ذات شأن في الإعاقة السيد مندوب التعاون الوطني وتمثيلية مندوبية الصحة والأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين واللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بالرشيدية ورزازات، بما هي آلية المجلس الوطني لحقوق الإنسان الجهوية.
حضر بالقاعة بعيد انطلاق النشاط، بعد تأخر دام طويلا مرده إلى انتظار الوفد القادم من إقليم فيجيج، 42 شخصا ضمنهم 18 نسوة. ودعي لتقديم مجال الممارسة الأستاذ المحجوب الدربالي أستاذ القانون العام بالكلية المتعددة التخصصات بمدينة الرشيدية. وحضر بمنصة التسيير شخصان: الأستاذة زهور التومي بصفتها رئيسة فيدرالية الجمعيات العاملة في مجال الإعاقة بجهة درعة تافيلالت، والسيد عبد الله لهرومي بصفته جمعية الأشخاص المعاقين بزاگورة، وزينت طاولة التسيير بلافتة تحمل الرسوم الضوئية للأطراف المدعمة ففضلا عن الطرفين المنظمين رسم «Handicap international, vivre debout»، و«Gouvernement Princier, Principauté, Monaco». تكلفت السيدة زهور التومي للتسيير، وهي امرأة ذات تجربة فائقة في مجال الإعاقة دفاعا ورعاية واهتماما وعطفا، وكاد شأن الإعاقة أن يستغرق جل وقتها. لذلك افتتحت النشاط بعد الترحيب بسم مجال ممارسة الفيدرالية التي ترأسها مذكرة أن الإعاقة شأن الجميع. لذلك زكى قولها السيد عبد الله لهرومي، مضيفا الأمل الذي يحدوه لتغيير العقليات والتمثل الثقافي حول الإعاقة بجنوب المغرب، ونصح بالتعاون وتضافر الجهود لرفع التهميش والميز عن الأشخاص في وضعية إعاقة. ذلك أن في كل أربع أسر مغربية شخص معاق واحد حسب البحث الوطني الأخير، لذلك فشأن الإعاقة شأن مغربي.
الأستاذ محمد الدربالي مؤطر الندوة ومنشطها انطلق من قراءته المشروع، «مشروع التعاون الجهوي والترافع: آليات لتفعيل الترافع الإقليمي للإعاقة» ليستشف أن المجتمع المدني العامل في مجال الإعاقة يشتغل بحرفية. وذكر بالهدف من مساهمته، التي اختار لها عنوانا:«الديموقراطية التشاركية: أي دور للمنظمات العاملة في مجال الإعاقة»، أن يوضح الآليات الدستورية والقانونية رجاء في أن يمكن الجمعيات العاملة في مجال الإعاقة من الترافع. وانتظمت مداخلته في أربعة محاور: «مفهوم الديموقراطية التشاركية»، و«المرجعية الدستورية للديموقراطية التشاركية»، و«الديموقراطية التشاركية على ضوء القوانين التنظيمية للجماعات الترابية»، و«أي تموقع للمنظمات العاملة في مجال الإعاقة في هذا المجال لتحقيق التنمية المحلية».
مفهوم الديموقراطية التشاركية عرفها أنها «مجموعة من الآليات والإجراءات التي تمكن من إشراك المجتمع المدني، والمواطنين عموما من صنع السياسات العمومية وتقوي دورهم في صناعة القرارات المتعلقة بتدبير الشأن العام عن طريق التفاعل المباشر مع المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، سواء على الصعيد الوطني أو المحلي». و«تفيد أيضا«مشاركة الأفراد والمجتمع المدني في اعتماد القرارات السياسية التي لها تأثير مباشر على حياتهم، بدل الاعتماد الكلي في هذه القضايا على المنتخبين». ويضيف أن «الديموقراطية التشاركية نظام يمكن من مشاركة المواطنين من صنع القرارات السياسية ذات الأولوية بالنسبة إليهم عن طريق التفاعل المباشر مع السلطات القائمة والمشكلات المطروحة». و«الديموقراطية التشاركية لا تلغي الديموقراطية التمثيلية، ولكنها تسعى لتتجاوز أوجه القصور، والعجز فيها بمحاولة حل المضاكل عن قرب، وتطوير التدبير المحلي والوطني عن طريق التكامل بين الديموقراطيتين، لا سيما وأن العديد من هيئات المجتمع المدني (نسائية، ذوي احتياجات خاصة بيئية) لم تعد تجد في الديموقراطية التمثيلية سبلا للتعبير عن حاجاتها ومطالبها وإيجاد حلول لها».
المحور الثاني يدور حول المرجعية الدستورية للديموقراطية التشاركية مفاد ذلك تصديق المملكة المغربية للاتفاقية الدولية للأشخاص ذوي الإعاقة والبروتوكول الاختياري الملحق بها أملا في تعزيز حقوق ذوي الإعاقة بترسيخ مسلسل المشاركة الاجتماعية للأشخاص في وضعية إعاقة. وذكر بما تضمنه تصدير دستور المغرب لسنة 2011 من التزام المغرب بحظر كل أشكال التمييز بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء العرقي أو الجهوي الإعاقة أو أي وضع شخصي، وذكر بمضمون الفصل 34 من الدستور يفيد أن تقوم السلطات العمومية بوضع سياسة موجهة إلى الأشخاص والفئات من ذوي الإعاقة وتفعيلها. و«الديمقراطية التشاركية في الوثيقة الدستورية، إحدى الأسس الأربعة التي يستند إليها النظام الدستوري للمملكة، حيث ورد في مقام ثان في الفصل الأول من الدستور مقرونة بالمواطنة بعد «فصل السلط»، ومتبوعة ب«مبادئ الحكامة الجيدة»، وربط المسؤولية بالمحاسبة»، والديمقراطية التشاركية،«من البنات الأساسية لبناء الديموقراطية بالمغرب، تهدف إلى خلق تكامل وظيفي مع مستويات الديموقراطية التمثيلية- المحلية والإقليمية والجهوية والوطنية»، ووقف الأستاذ المحجوب الدربالي عند الفصول الدستورية 12 و13 و14و15، وفوق ذلك، «يرتكز النظام الجهوي والترابي على مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن، ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة» كما ورد في الفصل 136 من الدستور. وفصل القول في تفسير الفصل 139 من الدستور.
المحور الثالث منصب حول الديموقراطية التشاركية على ضوء القوانين التنظيمية للجماعات الترابية والتي صدرت طبقا للفصل 146 من الدستور. وفي هذا الصدد ركز الأستاذ المحجوب الدربالي على الآليات كنحو: «المقاربة التشاركية» الواجب اعتمادها ريث إعداد برامج عمل الجماعة، و«هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع بالجماعات»، و«تقديم العرائض من قبل المواطنين والمواطنات أمام الجماعات». وقف الأستاذ المحجوب الدربالي عند هذه المقاربات بربطها بمرجعيتها القانونية، مفسرا طرق توظيفها وشروط ذلك التوظيف، ومذيلا ذلك ببعض الدعامات (المطبوعات الواجب تعبئتها)، وموصيا بوجوب استغلالها، رغم بعض المثبطات، كآليات تمكن فئات الأشخاص في وضعية إعاقة من بلوغ القصد.
المحور الرابع «أي تموقع للمنظمات العاملة في مجال الإعاقة في هذا المجال لتحقيق التنمية المحلية». أكدت نتائج البحث الوطني الثاني حول الإعاقة بالمغرب ضعف دور المنظمات العاملة في مجال الإعاقة لتحقيق التنمية المحلية. ووقف الأستاذ المحجوب الدربالي عند قانون الإطار رقم: 97 . 13 المتعلق بحماية الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بهم، بما هو متضمن «مجموعة من الإجراءات والتدابير لتمكين الأشخاص في وضعية إعاقة من الولوج إلى حقوقهم الأساسية في مجالات التربية والتعليم والوقاية الصحية والرعاية والتكوين والإدماج المهني والولوجيات والمشاركة في الأنشطة الرياضية والثقافية والترفيهية وفي الحياة المدنية والسياسية». وأشار إلى ثغرات القانون الإطار المذكور كنحو: «تغييب المقاربة التشاركية في إعداد قانون الإطار طبقا لمقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 12 من دستور 2011»، وقبل ذلك، ثبت أن «صيغة قانون الإطار لا تتماشى والإلزامية المطلوبة». والقانون المذكور يستخدم عبارات «تفقده القيمة الإلزامية من قبيل الإمكانات المتاحة، بقدر الإمكان»، و«يحيل على التعاقد في إعمال أغلب الحقوق، مع تحميل المسؤوليات التي هي من مهام الدولة لجمعيات المجتمع المدني».
المحور الخامس يدور حول «آليات تقوية الدور التشاركي للمنظمات العاملة في مجال الإعاقة»، والمحور يحوي في الواقع مجموعة من التوصيات فصل فيها الأستاذ محمد الدربالي الكلام بالتوضيح، من ذلك، وجوب «الانتقال من البعد الإحساني إلى البعد الحقوقي للإعاقة في المغرب»، ومنه ضرورة «التأهيل من أجل الترافع والتعاون»، و«التشبيك»، و«إرساء نظام التعاقد». فالانتقال من البعد الإحساني إلى البعد الحقوقي، على سبيل المثال، يقوم على تصديق المغرب للاتفاقية الدولية بما هي ملزمة له، بضمان جميع حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة وفق القواعد والمبادئ المتعارف عليها دوليا، فضلا عما أكد عليه الدستور من مبادئ المساواة بين جميع الأشخاص دون تمييز، وييسر التشبيك تقديم العرائض للمجالس الجماعية لتبني مشاريع جهوية.
وفي طور المناقشة جرى تسجيل بعض المواقف ضمن 15 مداخلة وسؤال من ذلك «تأكيد ضعف انحراط الجمعيات في مجال الإعاقة»، إن لم تكن هناك «إرادة وراء إقصائها من التمثيل»، إن هي، في الغالب، إلا جمعيات ذات قوة اقتراحية ضاغطة تشكل دواما مصدر التشويش والمضايقة للمسؤولين. لذلك تراءى لبعض المتدخلين أن الجماعات الترابية، لاتفتأ تعتمد هيئات «لا علاقة لها بالعمل الجمعوي». ووصى متدخل بوجوب «توظيف آليات الاستعراض الدوري الشامل في العقبى»، وإن كانت جمعية عدالة، من أجل محاكمة عادلة «قد حققت المراد في لقائها بطنجة في شهر نونبر من العام 2015، لما تعد العدة لإنجاز تقرير مواز للمناسبة المذكورة، متكئة على جمعيات الإعاقة مابرحت هذه الجمعيات قوية بشمال المغرب عن جنوبه». و«للإعاقة حضورها ضمن الرؤية الإستراتيجية لإصلاح التعليم 2015-2030، فوق أن الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة درعة تافيلالت تستحضر شأن الإعاقة» يقول ممثل الأكاديمية، و«قد أقدمت على برمجت يوما دراسيا حول الإعاقة يجري قريبا بتنسيق مع اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بالرشيدية ورزازات جرى أمس، في اجتماع تنسيقي، أي: في يوم الخميس 26 من شهر يناير من العام 2017». وصى أحدهم بوجوب «إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة في المدارس، إدماج يستحضر نوع الإعاقة»، ذلك أن «المدرس المنخرط في التربية الدامجة ليس من اختصاصه فهم نوع الإعاقة»، وإن «لتجانس الإعاقة في فوج واحد يضاهي 12 مستفيدا أكله، وأما إحداث قسم مدمج يحوي إعاقات متنوعة البكم، والعمي، والصم، فلا فائدة من ورائه». و«لم تدخر وزارة التربية الوطنية المغربية وسعا في إصدار بعض المذكرات»، و«لن تقبل الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين من يهين أشخاصا تلاميذ في وضعية إعاقة» جوابا على ما نشر مؤخرا من إشاعات في موقع التواصل الاجتماعي«فيسبوك». وأوصت إحدى الجمعيات ذات التوجه الإحساني بوجوب «إنشاء بوابة إليكترونية وخلق لجان ومراكز استماع». ودعا أحد المشاركين ينفي عن نفسه النزوع نحو المقاربة الإحسانية إلى «تكثيف الجهود في المرافعة والتحسيس من أجل اكتساب ثقة الأشخاص في وضعية إعاقة»، ولا يزال الثقافي يلتهم الحقوقي في الجنوب الشرقي المغربي «فمتى نعترف بالشخص في وضعية إعاقة كعضو في الأسرة، ولا نعتقد أن انتماءه لأسرتنا وصم» فتلك مقدمة لبداية ممارسة العمل الحقوقي، و«هناك جانب آخر حسن الانتباه إليه ويكمن في المحاكمة العادلة. ذلك أن محكمة الاستئناف بالرشيدية توظف عونا في عمل الترجمة من الأمازيغية إلى اللسان الدارج، وثبت أنه شخص لا يحسن الترجمة بالمرة»، و«أما لغة الإشارات فمنعدمة في جلسات المحاكم جميعها»، و«لما لن يقدر المتهم المعاق على الدفاع عن نفسه والإفصاح عن مراده فذلك مس قبيح للمحاكمة العادلة». وأمام توصيات تجاوز أزمة الأشخاص في وضعية الإعاقة بالجنوب الشرقي المغربي كان التسطير على «توفير التكوين رجاء في تقوية قدرات الفاعلين في مجال الإعاقة، وضمنه تكوين أساتذة الأقسام المدمجة»، و«إنشاء تنسيقيات في مجال جمعيات الإعاقة»، و«الانتباه إلى عمل الوقاية بتكوين نساء ممرضات منقطعات لعمليات التوليد»، علما أن مجموعة من الحالات «ناتجة عن التعاون ريث سقوط الإنسان على رأسه واستقبال الحياة»، أو ليس هناك من تعويض للذين مسهم التعاون وأصبحوا معاقين بفعل أخطاء طبية؟ سؤال طرحه أحدهم ولم ينفعل المشاركون في الإجابة عنه، كما لم ينفعلوا في الإجابة عن سؤال سيدة تساءلت عن التقرير الموازي وانصرفت من القاعة، فثبت أن لا حاجة للجواب على سائل غير راغب في انتظار الجواب. ذلك ما تمكنا من التقاطه في لقاء مفعم بالمعرفة والفكر والإحساس بالمسؤولية، والإعاقة مسؤولية الجميع. ولئن لم يمكن بعض الوقت من تلاوة البيان، في الأخير، ولا توصيات، فإن ما حصل ترويجه يكفي، بما هو تشخيص نابع من قصد سليم، لرسم ما يجب فعله.