المفكرين المسلمين و العلم

مولود مدي
2017 / 1 / 28

في الحقيقة لا نستطيع ان نفهم لماذا يحاول المفكرين المسلمين حصر كل الامجاد و الحضارة و التطور في الحضارة الاسلامية حتى وصل الامر الى اختراع الخرافات و اصبح تاريخ المسلمين مليئ بالخزعبلات بسبب شطحات بعض المفكرين, فيهربون إلى الخيال ويلجأون إلى ابتداع نجاح وهمي وعظمة خيالية في جميع مواضيع التاريخ الاسلامي, كما ازدهرت عادة سيئة عند المفكرين المسلمين و هي ترديد مقولة (ازدهار العلوم العربية) ومقولة أنّ (العلماء العرب ساهموا فى الكثير من الانجازات العلمية) ومقولة (أنّ أوروبا نقلتْ الكثيرمن العلوم عن العرب) و غيرها من المقولات لكن لا زال العرب يعتقدون ان لولا علوم المسلمين لما تقدم الغرب, كل هذه المقولات تدل على عقدة الشعور بالنقص و القزمية و الفشل في مجاراة الغرب بالعودة في كل مرة الى علماء المسلمين القدامى عندما يثار موضوع التقدم العلمي و كأن العلم يتوقف عند ابن سينا و جابر بن حيان و غيرهم, بينما مراجعة انتاجهم تؤكد أنها محاولات شديدة التواضع صحيح ان الغرب استفاد من علوم المسلمين لكن لا يجب تضخيم الأمور لأن الغرب لا يهمه من اين اتى العلم الذي تطور به و لكن المهم في توظيفه لبلوغ اعلى مستويات الحضارة و الرفاهية,
ان الدارس لتاريخ المجتمعات العربية يخرج بنتيجة ان الظروف التي كان يعيشها العرب من بيئة بدوية صحراوية قاحلة و اقتتال دائم بين القبائل العربية و النقص الشديد في الغذاء و الماء لا تسمح ابدا بأن يكون للعرب دورا كبيرا في العلوم و الاختراعات فإنّ أغلب من ساهموا فى هذا المجال أشخاص غيرعرب. وقد خصّص ابن خلدون فصلا لهذا الموضوع تحت عنوان (فصل فى أنّ حملة العلم فى الإسلام أكثرهم عجم) ومع ملاحظة أنه استخدم اللفظ العربى (عجم) ومعناه فى قواميس اللغة العربية (بهائم) (مختارالصحاح- المطبعة الأميرية بمصر- عام1911- ص440) ولكنه كان شديد الموضوعية عندما كتب أنّ السبب فى ذلك أنّ العرب لم يكن عندهم علم ولاصناعة. حتى إنّ علم النحو(العربى) وضعه سيبويه الفارسى..إلخ (المقدمة- المطبعة الأزهرية- بجوارالأزهر- عام1930- ص480، 481) كما خصّـص أكثر من فصل عن أنّ العرب (أبعد الناس عن الصنائع) (ص339 على سبيل المثال) وإذا كان العرب لهم اسهامات فى العلم (كما يزعم العروبيون) فلماذا أمرعمربن الخطاب بمحوعلوم فارس وعلوم الكلدانيين والسريانيين وأهل بابل وعلوم القبط (المصدرالسابق – ص32) كما كان ابن خلدون صريحا عندما وصف العرب بأنهم ابعد الناس عن العلوم و الصناعات و ان همهم الاول هو السيف و غزو البلدان لأجل الطعام فقط ((ولما فتح العرب (أى احتلوا) أرض فارس ووجدوا فيها كتبـًـا كثيرة ، كتب سعد بن أبى وقاص إلى عمربن الخطاب يستأذنه فى شأنها وتلقينها للمسلمين (العرب) فكتب إليه عمرأنْ اطرحوها فى الماء، فإنْ يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منها وإنْ تكن ضلالا فقد كفانا الله . فطرحوها فى الماء أوفى النار(فى بعض الروايات) وذهبتْ علوم فارس ولم تصل إلينا)) (المصدرالسابق- ص402).
كما المشكلة التي يصر عليها المفكرين المسلمين هو انعدام التواصل بين العلوم عند المسلمين من جيل الى جيل و يصرون ان طب ابن سينا صالح لكل زمان و مكان و كيمياء جابر بن حيان التي ظهرت في عصر يؤمن بخرافات الشعوذة و التماتم شاملة لكن هذا الامر لم يحدث ابدا في اوروبا فالجميع كان يؤمن ايمانا اعمى بنظريات ارسطوا الى ان جاء غاليلي و اثبت خطئها, لقد تصورّالبعض أنّ فيزياء نيوتن هى آخرالمطاف، وأنها تعبيرعن حقيقة مطلقة، ودام هذا الاعتقاد ما يقرب من قرنيْن من الزمان. ثم جاءتْ فيزياء أينشتاين وابتلعتْ فيزياء نيوتن فى داخلها وتجاوزتها وأثبتتْ أنّ ما كان يُعد حقيقة مطلقة ليس فى الواقع إلاّحقيقة نسبية. فلا مجال للحقيقة المطلقة في العلم و البحث العلمي لأن الادعاء باكتمال العلم دلاة على النقصان و هو مؤشر للتراجع و الانحدار فالتراكم و التواصل بين العلوم امر مهم جدا في العلم فيقول الدكتور فؤاد زكريا :( والنظرة المُـدققة إلى أوضاع التقاليد العلمية فى العالم العربى، لاتدعوإلى التفاؤل، حيث يبدوأنّ الأجيال الجديدة أقل تمسكــًـا بهذه التقاليد (حتى) من الأجيال السابقة، ومن ثمّ فإنّ الخط البيانى للروح النقدية السليمة، وللأخلاق العلمية بوجه عام، يتجه إلى الهبوط ، وهوأمرمؤسف ينبغى تداركه، حتى لا تتسع الهـُـوة بيننا وبين الدول المتقدمة التى يزداد علماؤها تمسكــًـا بالتقاليد العلمية جيلا بعد جيل. إنّ العلماء فى الدول الأوروبية التى ترسّـختْ فيها التقاليد العلمية ، يحاولون بقدرما فى وسعهم رد الفضل إلى أصحابه، وربما رأيتَ المؤلف منهم يُعدد فى مقدمة كتابه أسماء مجموعة ضخمة من الأشخاص، بعضهم ناقشه مناقشة قصيرة حول الموضوع، وأحيانــًـا قد يذكرالأستاذ فضل تلاميذه الذين ألهموه- بأسئلتهم واستفساراتهم- كثيرًا من أفكاره. أما الاقتباسات من المراجع الأخرى فقد أصبحتْ تقليدًا ثابتــًا لا يخالفه أحد ).
و بسبب مبالغات المفكرين المسلمين في حصر العلم في علماء المسلمين فقط لم يجدوا وسيلة لمجاراة التقدم العلمي الغربي سوى تحويل القرأن الكريم الى كتاب نظريات علمية فعندما نسمع عن اكتشاف جديد في علم الفلك مثلا يبدأ المسلمون في ترديد ايات احد عشر كوكبا رايتهم لي ساجدين و يقولون بكل سخافة ان ذلك الاكتشاف مذكور في القرأن و يتناسون ان النظريات العلمية هي نظريات غير صحيحة صحة تامة و يمكن ان يشوبها النقص و بالتالي يمكن ان يعود الادعاء بوجود تلك النظرية في القرأن على القرأن بالسوء ! و يذهبون الى تأليف الكتب في ما يسمونه الاعجاز العلمي في القرأن ليثبتوا صدق الله و صحة ايمان المسلمين رغم أن الإيمان لا علاقة له بتقدم أو تخلف إنما هو شأن شخصي ضميري والتخلف فيه مرجعه إلى الله ، أما العلم فهو موضوع التقدم وموضوع الأمة كلها وليس شأنا شخصيا ولا يحتاج لمن يبرره ويحسن وجهه وإلا كانت مصيبتنا في عقلنا قد أصبحت هي كبرى مصائبنا . فلماذا والحال كذلك لا نتوقف عن تبرير العلم أو تحليله استنادا للدين؟
من خصائص العقل العربي الإسلامي أنه لا يرضى بالهزيمة ولا يتقبلها حتى ولو صارت أمرا بديهيا وواقعا ملموسا و لا يريد ان يعترف بالتخلف في جميع الاصعدة و لا زال يعتقد الكلمات و الادعية التي كانت تحرك الجبال و تشق البحار الى نصفين ستنصره في القرن الواحد و العشرين فشرع يبسمل و يحوقل و يحاول استحضار قوى السماء لكي يتفوق على الغرب.