بيان أستانة وقراءتي المتأنية له

منذر خدام
2017 / 1 / 26

بيان أستانة وقراءتي المتأنية له
منذر خدام
في ما يلي نص البيان المشترك، الصادر في ختام مؤتمر أستانة، بالعاصمة الكازاخية، بمشاركة وفدي المعارضة السورية، والنظام، ورعاية تركيا وروسيا وإيران:
“اتفق ممثلو كل من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وروسيا الاتحادية، وجمهورية تركيا، بناءً على البيان المشترك لوزراء خارجية الدول الثلاث، الصادر من موسكو، في 20 ديسمبر (كانون أول) 2016، والقرار الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، رقم 2336، على ما يلي:
1- دعم إطلاق محادثات بين حكومة الجمهورية العربية السورية، ومجموعات المعارضة المسلحة، في أستانة، 23 – 24 يناير (كانون ثاني) 2017.
2- تقدير المشاركة والتسهيلات التي منحها المبعوث الأممي الخاص لسوريا (ستيفان دي ميستورا) للمحادثات المشار إليها.
3- إعادة التأكيد على الالتزام بسيادة، واستقلالية، ووحدة أراضي الجمهورية العربية السورية، باعتبارها دولة ديمقراطية، متعددة الاثنيات، متعددة الأديان، غير طائفية، كما أكد مجلس الأمن بالأمم المتحدة.
4- إبداء قناعتهم بأنه ما من حل عسكري للصراع السوري، وبأن الصراع يمكن حله فقط من خلال عملية سياسية، قائمة على أساس تطبيق قرار مجلس الأمن 2254، بشكل كامل.
5- السعي، من خلال خطوات محددة ومتماسكة، وباستخدام التأثير على مختلف الأطراف، لتدعيم حالة وقف إطلاق النار، عملاً بالتفاهمات الموقعة في 29 ديسمبر 2016، التي دعمها قرار مجلس الأمن 2336، الأمر الذي سيساهم في تقليص العنف والحد من الانتهاكات وبناء الثقة وتأمين وصول سريع وسلس ودون معوقات للمساعدات الإنسانية، تماشياً مع قرار مجلس الأمن 2165 لعام 2014، وتأمين الحماية وحرية تنقل للمدنيين في سوريا.
6- اتخاذ قرار بإنشاء آلية ثلاثية لمراقبة وضمان الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، ومنع وقوع أي استفزازات ووضع الآليات الناظمة لوقف إطلاق النار.
7- تعيد الوفود المشاركة تأكيد إصرار الجميع على القتال ضد تنظيم “داعش”، و”النصرة” (على أن يتم) فصل مجموعات المعارضة المسلحة منها.
8- الإعراب عن القناعة بالحاجة الملحة لزيادة الجهود لإطلاق عملية مفاوضات بما يتوافق مع قرار مجلس الأمن 2254.
9- التأكيد على أن الاجتماع الدولي حول سوريا في أستانة، هو منصة فعالة لحوار مباشر بين الحكومة والمعارضة وفق متطلبات القرار نفسه
10- دعم الرغبة التي تبديها مجموعات المعارضة المسلحة للمشاركة في الجولة التالية من المحادثات التي ستعقد بين الحكومة والمعارضة برعاية الأمم المتحدة في جنيف في 8 فبراير (شباط) 2017.
11- حث المجتمع الدولي ليقوم بدعم العملية السياسية من منطلق التطبيق السريع لكل الخطوات المتفق عليها في قرار مجلس الأمن 2254.
12- اتخاذ قرار بالتعاون بفعالية، بناء على ما تحقق في اجتماع أستانة حول المواضيع المحددة في العملية السياسية، التي تتم بتسهيل من الأمم المتحدة، بقيادة وملكية سوريتين، بما يسهم في الجهود العالمية لتطبيق قرار مجلس الأمن 2254.
وأعربت الوفود عن الامتنان للرئيس الكازاخي نورسلطان نزار باييف، وللجانب الكازاخي بالمجمل على استضافته للاجتماع الدولي حول سوريا في أستانة”.

قراءة في بيان الأستانة
لا بد بداية من الإشارة إلى أن البيان الذي صدر عن لقاء الأستانة في نهاية اللقاء الذي جمع ممثلي الحكومة السورية مع ممثلي المجموعات المسلحة المعارضة بتاريخ 23 و24 كانون الثاني لعام 2017 هو بيان يعبر عن مواقف الدول الثلاث الراعية للمؤتمر، أي روسيا وتركيا وإيران، وليس عن مواقف الأطراف السورية المشاركة. من هذه الناحية لا يمكن الحديث عما تم التوصل إليه من قبل السوريين، بل ترك الأمر للتحليل و لتسريبات غير مؤكدة من هنا وهناك. مع ذلك، وهذا على الأقل مؤكد، فإن جميع الأطراف أكدت نجاح اللقاء، مما يعني أن هناك موضوعات هامة قد تمت مناقشتها من قبل السوريين ، وتم التوافق بشأنها، برعاية الدول الثلاث المشرفة على اللقاء.
وبالعودة إلى البيان فإن الدول الثلاث في الفقرة الأولى منه يقررون " دعم إطلاق محادثات بين حكومة الجمهورية العربية السورية، ومجموعات المعارضة المسلحة، في أستانة، 23 – 24 يناير (كانون ثاني) 2017. " هنا لم تتم الإشارة إلى المعارضة السياسية بل فقط إلى " مجموعات المعارضة المسلحة" ، وهذا ايجابي بتقديري كخطوة أولى، فهذه القوى هي التي تمسك بالأرض، وإذا اتفقت على الحل السياسي مع وفد الحكومة يسهل فيما بعد " إقناع " المعارضة السياسية بما تم التفاهم بشأنه.
في الفقرة الثالثة من البيان جرى التأكيد مرة أخرى على " على الالتزام بسيادة، واستقلالية، ووحدة أراضي الجمهورية العربية السورية، باعتبارها دولة ديمقراطية، متعددة الاثنيات، متعددة الأديان، غير طائفية، كما أكد مجلس الأمن بالأمم المتحدة." وهذا مهم أيضا في وجه دعاة التقسيم المحليين أو الإقليمين، لكن هنا حصل تراجع خطير عما ورد في بيان وزراء خارجية الدول الثلاث الراعية الصادر بتاريخ 20/12/2016، لجهة التأكيد على علمانية الدولة. وبحسب التسريبات فإن وفد المجموعات المسلحة مدعوما من تركيا هو الذي أصر على شطب هذه العبارة من نص البيان. من جهة أخرى فإن الإشارة إلى كون سورية " متعددة الاثنيات، متعددة الأديان، غير طائفية" لا يعدو كونه تلاعب لغوي لا معنى له، إذ لا توجد دولة ليست متعددة من الناحية الاثنية والدينية. ربما لو قيل بدلا من هذه العبارة أن الدولة السورية " دولة ديمقراطية على أساس مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات" لتم التعويض نسبيا عن شطب ما يشير إلى علمانية الدولة.
في الفقرة الرابعة من البيان أبدت الدول الثلاث الراعية للقاء(وربما الأطراف السورية المشاركة فيه) عن" قناعتهم بأنه ما من حل عسكري للصراع السوري، وبأن الصراع يمكن حله فقط من خلال عملية سياسية، قائمة على أساس تطبيق قرار مجلس الأمن 2254، بشكل كامل." وهذا أمر جيد في حال تم الالتزام به. اللافت هنا الاكتفاء بالإشارة إلى القرار الدولي 2254 كأساس للحل، في تجاهل واضح ومقصود لكل القرارات الدولية الأخرى التي لم يوافق عليها أصلا النظام السوري، وكان لدى روسيا أيضا تحفظات عليها على الأقل لجهة أن الواقع قد تجاوزها، وبالأخص بيان جنيف 1 لعام 2012.
في الفقرة الخامسة والسادسة والسابعة يجري الحديث عن دعم وقف إطلاق النار وتشكيل لجنة مراقبة ثلاثية من الأطراف الراعية للقاء أستانة، وهذا بتقديري من أهم ما ورد في البيان، إذ من غير الممكن الاشتغال على الحل السياسي للأزمة السورية تحت قصف المدافع ، عداك عن وقف حمام الدم السوري وتدمير البنى التحتية والعمرانية في البلد. تشير بعد التسريبات إلى أن وقف إطلاق النار سوف يستمر لمدة سنة يتم خلالها توجيه البنادق إلى داعش والنصرة، بدون تنسيق بين الطرف الحكومي والمسلحين، بل كل بحسب ظروفه وإمكانياته، ويبدو أن المعركة بين النصرة والمجموعات المسلحة المشاركة في لقاء في إدلب، قد بدأت فعلاً. ليس المهم من بدأها لكن مكاسبها سوف تصب في النهاية في خدمة الحل السياسي.
في الفقرة الثامنة من البيان تعيد الدول الثلاث الراعية التأكيد على "القناعة بالحاجة الملحة لزيادة الجهود لإطلاق عملية مفاوضات بما يتوافق مع قرار مجلس الأمن 2254. " وتؤكد على ذلك في الفقرة الثانية عشرة منه، وهذا نوع من التسليف لديمستورا الذي سوف يستفيد من مخرجات أستانة ( انظر في البند التاسع)لتنشيط المفاوضات القادمة في جنيف في الثامن من شباط القادم، والتي من المرجح أن يشارك فيها وفد موحد لمختلف منصات المعارضة وسوف يتم تشكيله في الأغلب الأعم في لقاء موسكو بتاريخ 27/1/2017، إضافة إلى وفد المجموعات المسلحة الذي شارك في لقاء أستانة، وربما يتم توسيعه هذه المرة لتشارك فيه مباشرة حركة أحرار الشام( البند العاشر).
بصورة عامة يمكن القول أن لقاء الأستانة والبيان الذي صدر عنه بما تضمنه من أفكار بصورة مباشرة، أو ما تضمنه من ممكنات لقراءة ما بين السطور، إضافة إلى العديد من التسريبات التي على ما يبدو لها أساس من الصحة، يؤسس هذه المرة بصورة جدية لحل سياسي للأزمة السورية. بالتأكيد لا تزال ثمة عقبات كثيرة جدية يتعلق البعض منها بالسوريين أنفسهم، نظاما ومعارضات، لكن بعضها الأخر يتعلق بالدول الإقليمية وغير الإقليمية المتدخلة بالأزمة السورية. ويبدو لي من الصحيح التحفظ عن إصدار أحكام قطعية حتى توضح سياسة ترامب من الأزمة السورية ،ومن قضايا المنطقة بصورة عامة