القُدَّاس السياسي: تنصيب الإله المنتخَب

سامي عبد العال
2017 / 1 / 25

نقلت الفضائيات (شعائر) تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد. كانت المشاهد صامتة في البدء. ثم ناطقة مع هالات التبجيل والتبُرك( في البدء كان الكلمة). النظرات تتعلق بالقادم المجهول، الغامض، الوامض. ولم تنقطع البلبلة والتكهنات عن التدفق بمساحة العالم(بلبل الربُّ ألسنتهم). والمظاهرات تطرق كتل الحشود المتراصة أمام الكابيتول(القيامة الدنيوية). وتستدعي الصفوف خلفيات الصلاة والتراتيل على الملأ الكوني(الرجاء). بينما تلتصق الرموز والأعلام بقوة جدارية على ناصية العولمة(قوة الرب). حيث يترقب جميع العالم- بلا استثناء-: ماذا سيحدث؟ وما هو المصير القادم لخريطة السياسة الدولية؟
هناك التقديس، القداسة، القُدَّاس... تطلعاً إلى طقس امريكي متعالٍ. إذ يعدُّ المعنى الكامن وراء هذا العنوان مقصوداً لذاته. لأنَّ ما يُقصد لذاته هو أطياف الدين بجميع مفرداته ومقولاته. فالإله متخف خلف ابراج عالية من الحُجب والمفاهيم والنصوص. بينما يحاول البشر النفاذ إليه بالتوجه نحو المعنى. إنتاج المعاني التي تكلف وجودنا تخليق المشاهد والرؤى والأيقونات. لا ننسى استهداف برجي التجارة بحس ارهابي متطرف. بالتالي ستكون الوضعية الدلالية لما هو ديني مترسبة، مترحلة في أكثر الأنشطة الإنسانية بعداً عنه(عن الدين). فقد نراها ضمن المناصب العامة تجتر هياكله المطمورة. وقد نشعر بها هناك حيث يصمت الإله ليقفز الوضع بمركزية السلطة وتضخمها إلى حد السماء.
هكذا الآن– أٌقصد الآن العولمي الحالي- ربما يظهر الدين بقوة داخل حاشية الأنظمة السياسية ومتونها. ذلك مثلما ترشح المياه الراكدة بسقف غرفة حديثة البناء. سقف العالم( دولُّه واقتصاده وثقافاته وتحالفاته) لم يخرج عن تلك الغرفة. كأن الزمن قد توقف منذ نشأة الطقوس والشعائر الدينية. وكأن العالم قد رجع إلى تضاريسه اللاهوتية. حيث تبرز جبال الموعظة وكهوف الوحي ثانية في الفضاء الافتراضي.
لم تقطع الإنسانية الراهنة رحلتها بواسطة مران قاسٍ مع الديانات وانتهى الأمر كما أشرنا. بل تركت الأخيرة خميرتها عبر أنماط مشابهة من الاعتقادات والأبنية الثقافية. دوما تشكل مراحل البدء(نقاط التحول السياسي) زناد القديم. ولم يعد أمام الراهنين من البشر إلاَّ إطلاق رصاصات تحشرج عبر الفوهات المعاصرة. فرغم التأسيس الديمقراطي للمجال العام ورغم اغراق الأنظمة السياسية في الحداثة والتكنولوجيا، إلا أنهما لم يحولا دون إطلالة الدين. وحدها السياسة تعمل في أعماقها على منوال لا هوتي. هذا من جهة الأداء الذي يتعلق بالتقديس خاصة. ومن جهة التراتب الوظيفي لعناصره الفاعلة. وفوق هذا وذاك فإنَّ ايقاع رجال السياسة وقراراتهم ينغمران بنفس الأحبار المستعملة في الكتابات ووثائق الأسرار الميتافيزيقية.
على نحو عام لعل أمريكا نموذج لملاحقة اشباح المقدس أينما وجد. فمن المعروف ظاهرياً أن سياساتها ورموزها ومساراتها الامبراطورية تأتي على أنقاضه من الأرض. وكم فتحت المجال السابق للسيولة الفكرية كيفما شاء الإنسان. لكن يبدو أن الطابع الديني مازال سارياً عبر أكثر العلمانيات ضجيجاً. هكذا كانت علمانية السياسة الأمريكية كمجتمع يفصل بين الدين وطقوسه وبين النظام العام للحياة. لم يترك الامريكيون فرصة دون التغني بحالة الأمة المتنوعة هوياً. وبقدرتها على التعايش الحر وقبول كافة الاعراق والاتجاهات. ولم يتوقفوا برهة عن تذليل صعوبات السياسة تحت هذا الخط الحياتي.
لكن احياء المقدس دار دورته بواسطة الاحتفال الأسطوري بالرئيس(ترامب). لماذا تستدعي الدولة المدنية بعض مظاهر الدين؟ وكيف يأخذ هذا طريقاً متسللاَ ومؤكداً نفسه؟ ما هي الأساليب التي يخيم بها وسط ساحات النضال الإنساني؟!
أول مظاهر التقديس مراسم الاحتفاء والتنصيب. والمراسم مفهوم عتيد في الديانات قديماً وراهنا. لقد اخترعها الفكر المضاف إلى هيكل الدين الأصلي. حتى كاد أن يبتلعه بالفعل وسط حراسة السلطة القائمة. وفي الحالة الأمريكية رأينا الشاشة تحتضن رموز السلطة المتعاقبين. حضر رؤساء أمركا مع زوجاتهم، الواحد وراء الآخر كاستعراض الآلهة في أزمنة غابرة. والأهم أن كل رئيس سابق جاء محملاً بماض متلاطم الأمواج. وأخذوا يتثاءبون وينظرون إلى الحضور من أعلى إلى أسفل. هل تتثاءب الآلهة؟ تاريخياً يضحكون ويتعاركون كآلهة الأولمب. بينما يقف هؤلاء داخل ملابس وأربطة عنق لامعة. وبجوارهم النساء الجميلات يمشين راقصات.
ليست هناك علامة فارقة للدين أكثر من طبقة الكهان والأتباع والحواريين. هكذا جاء المشهد مرسوماً ضمن حفل تنصيب ترامب أمام البيت الأبيض. الرؤساء السابقون يترنحون تحت وقع التأويل الحي للسلطة التي كانت يوماً هم. حيث تصوب الانظار والتصفيقات بأهدابهم. وينتهي الوقع بصيحات المباركة الآتية مع هذا أو ذاك. وطبقة الكهنة ليسوا بالمدلول التقليدي لكنهم قد يفرزون ذلك الاهتمام بالوظيفة البنائية والدلالية لعناصر الحدث. إن غاية السياسة هي اعادة انتاج الوظائف بشكل جذري. مع أن مسيرتها الطويلة عبر الثقافات الحديثة تكمن في تفريغ المضامين الميتافيزيقية نحو التحقق الفعلي للأفعال النسبية.
بيد أن مبنى التنصيب ( الكونجرس، البيت الأبيض) يشكل موضوعاً لدلالات الشعائر. لأن الديانات تحتمي عادة بمهبط الرب مجازاً وحقيقة. نفس الآثار بين البيت الابيض وأضخم المعابد على وجه الأرض. فالتاريخ العولمي جاء كتنويع لا هوتي سياسي بمركزية الكابيتول. وإن اختلفت العناوين المتباينة. والتحلق حول الرموز له دلالة التعبد إزاء محور ما، قوة تجدد نفسها وتعلن عن إمكانية التضخم دون نهاية.
ليست أمريكا دولة تلعق أطرافها -كالكلاب الجريحة- كلما مرت بمرحلة جديدة. إنها تعطي وجودها أهمية الهيمنة على كافة المستويات. هذا شرط أن نتحدث عنها كما يواظب العالم على متابعتها. حتى وإن كان الرئيس المنتخب ترامباً. هذا الذي بوصف بانعدام الخبرة السياسية. فمع القوة ستكون الخبرة إعاقة تحتاج إلى اصلاح وتحذير دائمين. وترامب يطلب من العالم سماع أقواله وصيحاته بكم المفاجأة التي تحملها.
تحرص طقوس التنصيب على احضار كاهن يبارك الرئيس الجديد. في مشهد ذهول تاريخي ديني بصريح العبارات. حيث أشار موقع service religion news إلى وجود رئيس المحكمة الدستورية العليا جنباً بجنب القس الذي سيتلو كلمات المباركة. واهتم ترامب بجلب الكتاب المقدس الخاص به والكتاب المقدس المرافق للقس. فإذا كان القانون يمكن الرئيس بتراتيل السيادة الشعبية فإن جعبة التراتيل المقدسة تؤكد سيادة مغايرة. وعلى أدنى تقدير لم تلغ الأخيرةُ القطيعة مع ميتافيزيقا السلطة. بل قبيل التنصيب لابد للرئيس من قداس ديني بكنيسة سان جون قرب البيت الأبيض. حيث بدأ هذا التقليد في عهد الرئيس فرانكلين روزفلت 1933. وحافظ عليه الرؤساء اللاحقين حتى باراك أوباما.
والأوضح صورة القس الذي يتلو بكلمات يتمتم بها الرئيس عالياً. إذ يردد نفس الكلمات في مشهد مكرس دينياً فوق رؤوس الجماهير. وتنزلق دلالة الكلمات من فم القس إزاء العالم كله. بصرف النظر عن الانتماءات والعقائد والأيديولوجيات. هل تخشى أمريكا الرب؟ أم أنها تأخذ كلمات الرب لتعتبر ذاتها وجوداً قائماً بذاته؟
لقد بات بارزاً أن الشعائر لم تنته عند هذا الحد. فقد تراشقت الأخبار عن دعم اليمين المسيحي المحافظ لإله البيت الأبيض الجديد. وكان وراءه خطوة بخطوة في مسيرته السياسية. وهو ما بلور فكرة محاربة الأديان الأخرى واعتبارها خطراً على الأمة الأمريكية. ومع التقاليد اليمينية كان يجب إلهاب الحماس العقائدي. فأبدى الرئيس تفهما للقضاء على التطرف الاسلامي. واغلاق أمريكا في وجه الوافدين الشرقيين وسواهم.
التكملة تأتي بنزعة شوفنية ضد الخارج. أمريكاً أولاًAmerica first مما استدعى اطلاق الوعود ببناء جدران بين أمة الرب والعالم. وعليه ستتم منع الرحمات إلا لمن داخل مملكة الرب. في اعلان صريح بالعمل وفق منطق السماء والأرض، الآلهة والعبيد. كل نزعة لاهوتية – خفية- تتحول إلى منطق أرضي مدمر. لم تعط أمريكا ما لا لقيصر لقيصر وما لله لله. بل سيكون ترامب مقاولاً في اللاهوت والاقتصاد والسياسة. إن ضرباته الخطابية هي اقتصاد سياسي يستند إلى تقديس أمريكاً كقوة عسكرية. وسيكون رأس المال هو النذور الدولي للإله المنتخب. فمنذ تنصيبه انهالت عليه المنح الخليجية(القطرية خاصة) لتحسين صورة النظام الأمريكي. وبدأت جميع الأبقار الحلوب تطلب الرعاية داخل مزرعة الكابيتول. لعلها تفلت من غضبه حتى يترك بعض الحليب في ضروعها العجفاء.