ليتها لم تكن(مرة أخرى) : لكنها كانت

منذر خدام
2017 / 1 / 25

ليتها لم تكن( مرة ثانية): لكنها كانت
منذر خدام
مأساة التعليم في سورية
قد يكون قطاع التعليم بمختلف مراحله في مقدمة القطاعات التي تضررت في سورية من جراء " الثورة". يجري الحديث عن أكثر من مليوني طفل فقدوا فرصة التعليم الأساسي، عداك عن مئات الآلاف من طلاب المراحل الدراسية الأخرى، الإعدادية والثانوية والجامعية، الذين حالت ظروف الحرب دون التحاقهم بمدارسهم أو جامعاتهم. أضف إلى ذلك حجم الدمار الهائل الذي أصاب البنية التحتية للتعليم فآلاف المدارس تهدمت من جراء الحرب، وجامعات بكاملها خرجت من نطاق الانتفاع، وعشرات الآلاف من أساتذة التعليم ما دون الجامعي وآلاف الأساتذة الجامعيين قد غادروا البلد، أو لم يعد لهم فرصة للعمل نتيجة لظروف الحرب. وفقد التعليم في كثير من المناطق وحدته المنهجية فصار الطلاب والتلاميذ في منطقة سيطرة كل فصيل مسلح يتعلمون وفق مناهج يفرضها الفصيل المسلح عليهم، عداك عما يتعلمه التلاميذ في مخيمات اللجوء. وطال الضرر أيضا العملية التعليمية حتى في مناطق سيطرة النظام من جراء كثافة الطلبة في غرف الدراسة جراء الهجرة الداخلية، ومن جراء قلة عدد المدرسين نتيجة سحبهم إلى الجيش، عداك عن الفساد المسيطر على العملية التعليمية برمتها. " ادفع تحصل على العلامة التي تريدها، فإذا رغب الطالب، أو أهله غالبا، بكلية الطب تختلف التسعيرة عن كلية الهندسة وهنا تختلف من كلية إلى أخرى... وتختلف التسعيرة أيضا بحسب شراء رئيس القاعة الامتحانية، أو المراقبين الآخرين معه، أو شراء المركز بكامله...". نتيجة لذلك يصل كثير من الطلاب إلى الكليات التي أرادوها عبر قنوات الفساد وهم شبه أميين رغم علاماتهم شبه الكاملة في شهادة البكالوريا. وقد انتهز كثير من المدرسين الجامعيين في كليات الطب والهندسة على وجه الخصوص ضعف الطلبة العلمي لفتح معاهد للتدريس الخصوصي وبأسعار عالية.
إن إعادة ترميم وإصلاح النظام التعليمي في سورية وفق مؤشرات ما قبل الأزمة، حتى لا أقول وفق المؤشرات العالمية، سوف يحتاج إلى عقود من السنين، ليس فقط من أجل إعادة إعمار البنية التحتية فقط، بل من أجل إعداد الكوادر التعليمية المناسبة. في هذا المجال بحاجة التعليم في سورية إلى إبعاده عن حزب البعث، وعن أيديولوجيته، ومنظماته مثل طلائع البعث وغيرها التي ألحقت به بالغ الضرر. ويبدو لي من الملح اليوم أيضا إخراج حزب البعث من التعليم الجامعي، والقيام بعملية إصلاحية شاملة لهذا القطاع وفق المؤشرات العالمية. لقد ألحقت عملية تبعيث التعليم العالي في سورية ضررا بالغا به ليس فقط لجهة إغراقه بكوادر غير مؤهلة بل ولانتشار الفساد فيه، وجاءت " الثورة " لتعمق من أزمة هذا القطاع الحيوي. يمكن القول أن اغلب الأساتذة الجامعيين الجيدين قد غادروا البلد من جراء الأزمة سواء لمعارضتهم لسياسات النظام بصورة عامة، أو خوفا من مفاعيل الأزمة على حياتهم الشخصية. وفي محاولة السلطة لعودتهم من جديد إلى البلد وإلى عملهم الأكاديمي اصدر مجلس التعليم العالي قرارا يسمح بعودة كل الذين انشقوا ،أو استقالوا أو من هم بحكم المستقيلين بالعودة إلى البلد مع ضمان عدم مساءلتهم. وتضمن القرار بندا صريحا بأن الوزارة " تتولى تأمين جميع الموافقات اللازمة "، و ليس عليهم العودة فورا بل مجرد إرسال فاكس إلى الوزارة يعبرون فيه عن رغبتهم بالعودة. ومما يدعو إلى السخرية انه عندما قرأ هذا القرار في بعض أٌقسام كليتنا انتفض البعثيون وكأن عقارب قد لسعتهم" هؤلاء خونة لا يجوز السماح بعودتهم " في تجاهل لحاجة الجامعات السورية إليهم أولاً، بل وفي تجاهل للقرار ذاته الصادر عن مجلس التعليم العالي. ويبدو لي أن قلة استفادت من هذا القرار وعادت، لذلك فقد أعلنت وزارة التعليم العالي عن مسابقة لتعيين ألف وستمائة وخمس وستين مدرسا جامعياً جديدا في ملاك الجامعات السورية.
اللافت، لكنه ليس غريبا على سلطة تكذب في كل كبيرة وصغيرة، هو أنه عندما أعلمت احد الأصدقاء وهو من أفضل أساتذة التعليم الجامعي، وكان قد فصل من عمله جراء توقيعه على أحد بيانات المثقفين السوريين، ولا يزال في داخل سورية، بصدور قرار عن مجلس التعليم العالي يسمح بعودة المنشقين اللذين غادروا البلد إلى عملهم، كان جواب السلطات المعنية له أن هذا القرار لا ينطبق عليه؟!!!. يفاوضون المسلحين ويعفون عنهم، بل ويعيدونهم إلى الجيش، ومن لا يصالحهم يرسلونه إلى جبهات أخرى لمقاتلتهم، أما أن يطلقوا سراح معتقل سياسي أو معتقل لرأيه، وعددهم في سجون النظام بعشرات الآلف/ فهذا لا يحصل لأنهم بالنسبة للنظام أوراق تفاوضية. ربما عودة صديقي الدكتور المتميز إلى عمله ورقة تفاوضية أيضاً، من يدري؟!!.
بقي أن أشير إلى أن جميع العاملين في قطاع التعليم هم اليوم تحت خط الفقر السوري، بل وكثير منهم يرزح تحت خط الفقر المدقع. لنأخذ مثلا الأستاذ الجامعي الذي كان راتبه قبل " الثورة " يبلغ ما يعادل نحو ألف دولار أمريكي، اليوم صار راتبه لا يزيد عن مائة وخمسين دولارا، في وقت تضاعفت الأسعار نحو عشرة أمثالها. هذا الواقع البائس لقطاع التعليم في سورية جعل صوت كثيرين يرتفع " ليتها لم تكن " ولا كان كل هذا الخراب لقطاع التعليم الذي هو من أهم القطاعات في سورية.