الجنس في الجماعات الطهرانية -اتباع محمود محمد طه مثالا-

الطيب عبد السلام
2017 / 1 / 24

الجنس في المجتمع المحمودي

تمامة لما ذكرناه في كتابة ماضية حول "الاخلاق في فكر محمود" نضيف موضوع مهم بل و مهمل و هو في ظني "عين التضحية بالانسان البايولوجي" لصالح الانسان "اليتوبي" الانسان الالهي.
الا و هو موضوع "الجنس" في الفكر المحمودي و بالتالي "المجتمع المحمودي".

كنت اشرت الى هذه النقطة في مقال سالف لي اسمه "التبتل المحمودي..المرأة في حياة محمود" و سعدت جدا بالاضافات النقاشية القيمة التي اضافها الصديق عادل عبد العاطي.

نقول هنا بأن مفهوم "الطهرانية" في الفكر المحمودي ضحى تماما بموضوع الجنس و استلهم ذات النظرة المسيحية للجنس باعتباره "الخطئية الاولى" مما انتج مجتمعات مسيحية تعاني من مشاكل نفسية رهيبة مفادها انعدام الاستقرار الجنسي،لأن الجنس محاصر و مخطاء و ليس عملية تواصلية فلسفية حوارية.
"تفصيل الموضوع سيكون في مقالة قادمة".

اهمية الموضوع كامنة في "ما وراء الجنس" في فكر محمود حيث ان ما ورأه هو سوأل هل "الجنس فعل بشري غريزي رغبوي يقوي الشراكة بين الطرفين و يلبي بهما المتعة النفسية" ام انه "مرحلة ابتدائية يتم تجاوزها و العبور منها الى "الدرجة الاسمى" حيث يتم التضحية به انتهاء تشبها بالانسان الالهي الذي "لم تكن له خليلة" و الذي لم يكن له كفواء احد؟؟

خطورة الموضوع تكمن في التأثيم المحمودي لممارس الجنس خارج الاطار اي "الزنا" في المصطلح الاسلامي.

هذا الزنا يؤدي مباشرة الى الابعاد و "الطرد" من الاكليروس المحمودي اي يتم "تكفيره" و ان كان هذا التكفير اكثر "ليبرالية" من غيره.
الا انه يبقى في النهاية طردا من معية الاخوان المحموديون..اخوان الرسول.

لماذا ينظر المحموديون الى الجنس بكل هذا التعالي و النفور،الطهرانية و السمو؟

اهو خطيئة تسليم الفردانية الى اخر يناددك و يشاركك في فردانيتك؟ الارتهان الى غيرك لنوال متعتك؟.. اهو الشرك ؟

اهو خطيئة ادم الاولى حينما انصرف عن معية الله و احتاج الى حواء؟

و لاتقاء "الطرد" و الابعاد من الاكليروس المحمودي يجتهد محمود اجتهادا من شقين لا يشكر علي الشق الاول فيه في شئ و هو مشروع "خطوة نحو الزواج في الاسلام".
شق اجتهاده الاول هو تيسير الزواج و تبسيطه كي لا يعزف الشباب عنه و "ينحرفون" و الشق الثاني و هو يحتفي به غيرنا هو "مناصفة المرأة العصمة" في خطوة تنتصر ل "حقوق المرأة".

اذا ف محمود يقترح الزواج من اجل ضمان "العفة" و هو هنا يضحي بالزواج لصالح الجنس! يضحي بمشروع معرفي فلسفي متكامل لا يقرر بين يوم و ليلة لكي يستجيب لحالة الجنس السريعة الملحة!!

انه يسحب غطاء الحفرة ليسد الثغرة!!!

و في حال حدوث الزواج فأن محمود ضحى هاهنا بالاهم في مشروعه و هو موضوع الفردانية،تلك الفردانية التي تكون غايتها "الانسان الالهي" الانسان "العلم المفرد" الانسان الذي "هو ذا ذاته".

ان الزواج و اشراك غيرك فيك،غيرك الذي يقول محمود انه انبثاق نفسك خارجك و هذا "يستحيل" لأن الانسان و ان تهافت هبرماس لا "يتذات" مع الاشياء بل ان كل شئ في نظره موضوع،لا و حتى هو في نظر نفسه موضوع.

من هنا نفهم التردد الخفي في مشروع محمود "خطوة نحو الزواج في الاسلام" الكلمة المفتاحية هنا هي خطوة!! و الخطوة مرحلة و ليست النهاية،الخطوة قابلة للتراجع عنها و تغييرها،و لكأننا نشعر ان "الزواج=الجنس" هاهنا مجرد خطوة ابتدائية لارضاء النفس "الشهوانية" على قول جالينوس،و نفس "المعاش" على قول محمود،نعبر منها الى النفس "الناطقة" في التحليل الجالينوسي و "الانا العليا" في التنظير الفرويدي و "نفس المعاد= النفس الالهية" في الاكليروس المحمودي.

ان الزواج هنا مرحلة عابرة،نزوة قاهرة يعبر منها الى "الديمومة" و صفاء القلب لتأمل الله في النفس و في الكون او كما قال ابن الفارض "سلطان العاشقين":
تزعم انك جرم صغير و فيك انطوى العالم الاكبر.

ان نهاية "خطوة نحو الزواج" نهايته زواج بالله و اتحاد معه،نهاية يتم اثناءها "التضحية" بالاخر الذي استنفذ اغراضه.

اننا هنا امام تصور ميتافيزيقي تماما للجنس.
تصور يعزل الجنس من حقيقته و يغمره في عالم من الرؤى و الخيالات و "الطموحات الفردانية"،فتكون لحظاته لحظات هاربة،لحظات يشتاق فيها الى ما هو بعدها و ليس ما هو حادث اثناءها.

فلا يكون الجنس "فعلا تواصليا فلسفيا بناء" او فرصة لرؤية جمال وجهك في غيرك،اناك في غيرها و الانا الاخرى فيك،يخرج الجنس من قيمه الجليلة الانسانية هذه ليصير عباء سيزيفيا على نفس السالك الطالب للحقيقة الالهية.

هذا الامر لا شك و أنه القى بظلال كثيفة على المجتمع المحمودي الذي رباه محمود و ما زال يربيه فحدثت في وعيه تصورات بالغة التشويه تجاه الجنس ابتداء و تجاه "اخواته المحموديات" و "اخوانه المحموديين" ثانيا.

انهم خرجوا من طبيعتهم الادمية الى "الورطة الملائكية" فدخلوا في هالة من "القداسة" لا تستسيغها اجسادهم و فضولهم و رغباتهم.

لقد انعزلوا بذلك من "طبيعة المادة" و ضربوا حولهم تصورات ملائكية طهرانية ميتافيزيقية تتعارض جملة و تفصيلا مع طبيعتهم البايولوجية.

هنا تكمن خطورة الموضوع،ليس الجنس في حد ذاته بل ما يترتب على غيابه،اي شخصية سيتحول اليها هذا البشري الظان انه مشروع الانسان الالهي؟؟

لقد ادى ذلك "قطعا" الى حدوث "المسكوت عنه" و كأنما السكوت هو بمثابة "واروا سواة اخيكم" و لكنه "قطعا" ليس الحل.

الحل كامن في كشف المشاكل و مناقشتها لا دفنها في "تربة الطهرانية".

اننا نقول ان محمود بكامل جرأته هذه لم يقدم على كسر التابوه الاقدس في الدين المحمدي و في الثقافة العربية،تابوه "الجنس=الشرف=العرض" التابوه الذي يحيل موضوع الجنس الى قضية "معنى" و المعنى هو بمثابة "الشرعية الوجودية" التي يحكم فيها على مدى اهلية هذا الانسان ليكون فردا في مجتعهم ام لا.

هذا المعنى الذي جعلهم "يدفنون بناتهم" حفاظا على كرامتهم و جدارتهم ان يكونوا افرادا مقبولين للعيش ضمن الجماعة القبلية.

لم يحاول محمود تفكيك هذا التابوه بل عمد الى "زيادة الطين بله" فصب عليه ماء الطهرانية و كامل وطء تجربته الروحانية.

لقد اخرج الجنس من الارض الى السماء!!

بل ان العربي القح يعرف ان الجنس "جنس" فهو في دفنه لبنته انما يهرب من "نتائج واقعية" كنا قد تطرقنا اليها عبورا في مقالنا المنشور في الحوار المتمدن مقال :
"لماذا نتخيل الله رجلا"،و هو امر في ظني متمم لمقالنا هذا من جهة تحول الجنس الى قضية معنى و وجود و شرعية انتماء للجماعة القبلية.

لقد هرب محمود بكامل جرأته الى الامام و اضفى على القيد الاجتماعي قيدا اوثق منه قيد مصدره الضمير و تجريم الجسد على طبيعته.
هذا الجسد الذي جعله محمود مجرد مرحلة،مجرد نزوة صوب الانسان الاعلى حيث سيرجع اليه كرة أخرى كادحا اليه كدحا فملاقيه.

تضحية بالواقع الانسان و الطبيعة البشرية لصالح واقع ميتافيزيقي لا وجود له الا في عالم العازفين عن الحياة الغارقين في "خيالاتهم".

كان يمكن لمحمود ان "يشير/يرمز/يشفر" الى حقيقة الجنس البشرية بدلا عن اغلاقه في "غرفة الله"،لكنه لسببين لم يفعل ذلك،اولهما انه لم يتجاسر ليعلمن هذه النقطة كما علمن بقية الدين،فربطها بمشروعه الالهي.
و ثانيهما انه ابعد الانسان من الموضوع و صار ما وراء الجنس "المشروع الميتافيزيقي".
ان هذا الامر لا شك انه انتج مجتمعا محموديا شديد "التناقض" بين رغائبه و حوجاته و بين يوتوبياه و امثولاته.
مجتمع مشوش لا علمي مكبوت حتى ولو تزوج و مشى "خطوته نحو الزواج في الاسلام"، ذلك و أن التصور الملح لما وراء الجنس،للميتافيزيقي فيما بعد يحرم اللحظة من تتويج تصوراتها البشرية النفسية و يجعلها هروبا لا اكتمالا و وصولا.