محطات اجتماعية في الطائفية العراقية

محمد لفته محل
2017 / 1 / 22

1_مصادر الكره الطائفي
كيف تستطيع الطائفية الإسلامية بين السنة والشيعة بث الكره من التاريخ حتى الحاضر رغم الفارق الزمني الكبير بين حدوثها، فمعظم أحداثها جرت بالماضي مع ذلك لازالت فاعلة في مجتمعنا وإن كانت تكمن حيناً وتُبعث حيناً؟ كيف استطاع هذا الكره أن يحافظ على قوته؟ هذا ما يجب معرفته بدقة ودون تحيز، لان معرفته هو خطوة أولية لدراسة الطائفية ومعالجتها. والطائفية المرصودة هنا مستمدة من المجتمع العراقي.
سأبدأ من الأسئلة الأساسية. هل الكره الطائفي نابع من التدين المذهبي؟ وهذا يعني أن كل الطائفيون متدينون، والتدين هنا الالتزام بالصلاة والصيام كما يُفهم شعبياً. وهو خلاف الواقع فهي تشمل المتدين وغير المتدين والفاسد ولو كانت مختصة بالمتدينين لما كانت الطائفية ظاهرة عامة لأن ليس كل الناس ملتزمون بالصلاة. فالطائفية والتدين لا علاقة لهما ببعضهما. فمن أين مصدر الكره إذن؟ هل من حب المذهب فقط؟ وبهذه الحالة من الصعب القول أن الناس متساوين في حب المذهب ولكانت ردود أفعال الطائفيين مختلفة ونسبية، في حين نجد أن الطائفيين متشابهون بتفكيرهم وكلامهم وردود أفعالهم. فالطائفية نسق جماعي من التصورات والاتهامات عن الآخر ولا تعتمد على التصورات الفردية، ولو كان الكره أو الاختلاف هو سبب النزاع الطائفي لماذا لم يستمر هذا الصراع على مر التاريخ طالما هم كانوا متجاورين سكنياً؟ وكان يمر بفترات تعايش وسلام؟. إذن هل قداسة النص هي مصدر الكره لاعتقاد صاحبها امتلاكه الحقيقة المطلقة؟ لماذا لا يتقاتل المسلم مع المسيحي والأيزيدي أو يُهجره وهو يعتقد ببطلان دينه؟ وكلهم يدعون قداسة نصوصهم؟ إذن لا حب المذهب ولا القداسة هي سبب الكره الطائفي، ترى ماذا يكون؟ والسؤال هنا إذا كان المسيحي والمسلم لا يتقاتل، بينما السني والشيعي وهما من دين واحد يتقاتلان فما سبب ذلك؟ الجواب يكمن لان هذين الطائفتين حكمت واحدتها الأخرى وقمعتها ورفضت الاعتراف بها كونها تزاحمها على نفس الدين وليس دين آخر، بدليل ادعاء (المظلومية) التي يتبادلها كل طرف ضد خصه؟ فالكردي وهو سني المذهب يتحالف مع الشيعي بينما لا يثق بالسني العربي لكونه تعرض للقمع مثل الشيعي من الحكم السني، والشيعي العربي يتحالف مع السني الكردي ولا يثق بالسني العربي. ثم أليست الطائفية تتمحور على الحصول على السلطة (الخلافة/الولاية) وما فعلته السلطة بالمعارضة لازال يتردد على الألسن بأسمائه الصريحة (السقيفة، حرب الجمل، صفين، كربلاء الخ) أليس هذا كاف وحده لبيان المصادر السياسية للكره الطائفي؟ التي بدأت من اغتيال الخليفة الثالث (عثمان عفان). فإذا كانت كذلك فهي تعني أنها صراع مصالح؟ وهذا ما لا يقبله الطرفين لأنهم يدعون أن قضيتهم دينية ومسألة حق وباطل!! وهذا يؤيده أن الطائفية تتأجج كلما استلمت السلطة طائفة تعمل على قمع المذاهب الأخرى مبررة حقها المقدس بالسلطة. فمصدر الكره الطائفي هو القمع السياسي المذهبي في التاريخ والحاضر الذي كون صورة نمطية عن المذهب المغاير انه المسؤول عن حرمانه ومصائبه وانه الحاقد والمتآمر والمعتدي والباطل وهو الذي (الآخر) يفّرق ويمّيز، فيتقنع هذا كله بالفقه والمذهب في حين أن السياسة مصدره. فيتحصن بالقداسة لتغطية الدنيوي ألظرفي.
السؤال المهم الآخر: لماذا يلجأ الطائفي للتورية والاستعارة عندما يسأل عن مذهب الآخر؟ (تعليك لو طرح، صيني لو ياباني، شناكل لو سنافر، جماعتنا لو جماعتهم، الغربية لو الفرات الأوسط، ذيج الصفحة لو من عدنا، أبناء العامة لو ربعنا، رافضي لو ناصبي؟) بدل الصراحة في التمييز وهو يدعي أن قضيته مسالة حق وباطل؟ أليس الساكت عن الحق شيطان أخرس كما يقال؟ أليس صاحب الحق لا يجب أن يخاف من قاضي؟ أليست حقيقة مذهبه مدعمة بنص الهي وسنّة نبوية؟. السبب لأنها تهمة تنتقص من شرعية الحكومة فتردها على خصومها الذين قذفوها عليها، لتنتقص من شرعية معارضتها، كالجمرة التي تتقاذفها الأيدي، ولان كلاهما يمارس الطائفية فعلياً السلطة والمعارضة يلجأ كلاهما للتورية للممارستها دون الاتهام بها. وهذه التورية هي فضح للمصدر السياسي للطائفية فلو كانت مقدسة لكانت التورية محكوم عليها بالحرام وربما بالكفر. وهذه التورية هي لغة بديلة للمسكوت عنه للاحتقان الطائفي الذي مجرد الكلام عنه يثير المحرمات السياسية والتاريخية والاجتماعية.
2_جاذبية النقاش الطائفي
للنقاش الطائفي جاذبية عند عامة العراقيين فما أن يُفتح موضوع التاريخ الإسلامي في فترة ما قبل وفاة الرسول وبعدها حتى تزال كل التحفظات الأخوية بين المتحاورين بالتدريج أو دفعة واحدة، ويبدأ الحديث يردد كلمات (الحق والحقيقة) ويُظهر الطرفان أنهم يتكلمون "بالأدلة والإثبات" وأنهم مستعدون لتغيير مذهبهم "بالأدلة والإثبات"!! ويعلنون عبارة (لو تقنعني لو أقنعك)! ويدخل كل طرف منهم الحوار وهو يعتقد انه يحيط بالموضوع كامل الاطلاع حتى لو لم يقرأ كتاباً واحداً! مقتنعا انه يستطيع حل ما عجز عنه العلماء خلال مئات السنين، أي انه يبسط الموضوع الذي يختلط فيه التاريخ بالفقه بالحديث، والمناقش يخول لنفسه معرفة تفكير الآخر قبل أن يتكلم! فهو يتصور أن خصمه يعرف الحقيقة ويكابر أو يعاند! وانه إذا تكلم "بالحقيقة" فإن الآخر سيزعل أو يتهمه بالطائفية كتهرب من "الحقيقة"! ويخوّل لنفسه أيضاً تكذيب المؤرخين والروايات لكونها لا تتوافق مع "حقيقته" ويسمي هذا التاريخ المخالف "التاريخ المقلوب"! وكأنه شخص ثالث محايد خارج النقاش وليس خصماً!! أي أن الطائفي يحاور نفسه مسبقا ويحمل تصورات قبلية عن الحوار تحسم نتيجته من البداية، حاله كحال اطرش الزفة، وعلى الآخر الداخل شكلياً بالحوار أن يعترف بأنه على "باطل" وأن "الحق والحقيقة والصواب والهدى" في الطرف المقابل!. فكل حديث عن الأدلة والقناعة الحرة المحايدة هي مظاهر يختبئ خلفه الانفعال والعاطفة لان هؤلاء المتحاورين طرشان لم يعتنقوا مذهبهم عن قناعة وأدلة حتى يناقشوه بقناعة وأدلة وإنما ورثوه كما ورثوا لقبهم وصفات أبويهم.
بعد هذه الأوصاف ترى ماذا يمكن أن أعلق وأحلل على هذه الظاهرة المألوفة؟ لماذا يُقبل العراقي على موضوع بحماس وهو يجهل الاطلاع الكامل عليه سوى السمع فقط؟ اعتقد أن مصدر الحماس هو وراثة المذهب كما أسلفت واقتران المذهب باللقب الذين كلاهما يشكلان هوية هو سبب هذا الانفعال والحماسة، فهو حين يتحدث عن مذهبه فإنما يتحدث عن هويته التي يفتخر بها مع لقبه، فالمذهب هو شكل آخر للعصبية القبلية، وما (الفرقة الناجية) و(المذهب الحق) سوى امتداد للفخر القبلي الذي يجعل كل عشيرة تعتبر نفسها الأشجع والأشرف والأرقى أصولا ونسباً من غيرها، لان العشيرة أقدم من المذهب لهذا أرجعت حماسة المذهب إلى حماسة العشيرة. فالنقاش الطائفي ليس فكرة مجردة مقابل فكرة أخرى يتم ابدالها عند النفي او الاثبات، انما ابدال هوية تصطدم مع العائلة والجماعة لانها سترفض هذا التحول، والمذهب مرتبط ايضاً بالخلاص (شفاعة الأئمة مثلا عند الشيعة، وشفاعة الرسول عند السنة). والدكتور (علي الوردي) من اوائل الذين انتبهو للاصل القبلي للطائفية (إن المنطق الاجتماعي يستسخف هذا الجدل ويضحك على ذقون أصحابه فهو يعتبره جدلاً قبلياً أكثر منه جدلاً مبدئياً)(1) (ينشأ الانسان عادة في بيئة ذات عقيدة معينة. فهو لا يكاد يفتح عينه للحياة حتى يرى أمه وأباه وأهل بيته وأقرانه يقدسون صنماً أو قبراً أو رجلاً من رجال التاريخ، وينسبون إليه كل فضيلة. وعقل الانسان ينمو في هذا الوضع حتى يصبح كأنه في قالب، وهو لا يستطيع أن يفكر إلا في حدود ذلك القالب. إنه مقيد ويحسب أنه حر. ولهذا نجد كل ذي عقيدة واثقاً من صحة عقيدته وثوقاً تاماً، أما المخالفون له فهم متعصبون_تعساً لهم! أرى أحياناً بعض الطائفيين الذين ورثوا عقائدهم من آبائهم وهم يقولون أنهم أعتنقوا تلك العقائد بعد أن بحثوا في مختلف العقائد الموجودة لدى الناس وقارنوا بينها.)(ولهذا رأيناهم ينهالون بالبراهين العقلية على كل من يتعصب لعقيدة غير عقيدتهم، ظناً منهم أنه لا يكاد يستمع إلى براهينهم حتى يقتنع بصحتها ويترك تعصبه القديم. فإذا وجدوه لا يتأثر بها اغتاضوا منه وربما اضطهدوه أو قتلوه قربة إلى الله. إنهم يجهلون أن البراهين التي هي قوية في نظرهم قد لا تكون كذلك في نظر غيرهم، والانسان ينظر في البراهين من خلال المعايير اللاشعورية المتغلغلة في عقله الباطن.)(2) (وتظهر في الشعوب كذلك أحلام كيشوتية على منوال ما نرى في بعض الطوائف الدينية. فالطائفة من هذه الطوائف قد تكون ذات عقائد وطقوس مستهجنة ولكنها على الرغم من ذلك تعتقد بأنها وحدها الفرقة الناجية من بين الخلق اجمعين.) و(تتخيل بأن العقلاء في جميع أنحاء الأرض يعترفون لها بالأحقية وينظرون إليها باعجاب.)(3) )إنك لا تستطيع أن تقنع أحداً بصحة عقيدة جديدة إلا إذا تمكنت أول الأمر من تغيير معاييره اللاشعورية بحيث تكون ملائمة لتلك العقيدة. وهذا هو ما أدركه المحنكون من دعاة العقائد والمبادئ قديماً وحديثاً، إذ هم يحاولون جذب الجماهير إلى عقائدهم عن طريق الشعائر والاحتفالات، والمواكب والهتافات، أكثر ما يجذبوهم عن طريق البراهين العقلية المجردة. وهم مع ذلك لا يهملون أمر هذه البراهين، إنما هم يأتون بها من خلال الشعائر والهتافات فيجعلونها أقدر على التغلغل في أعماق النفس((4)
3_عندما يلبس الذئب فروة الخروف
عادة ما يُطرح سؤال ودي بين صديقين سواء من نفس المذهب أو مختلفين، سؤال هادئ غير متشنج في بدايته وهو كالتالي (برأيك الحق ويا السنة، لو ويا الشيعة)؟ سؤال كدس السم بالعسل، أو كإهداء قنبلة مشتعلة الفتيل، لأنه سيفجر شاء أم أبى كل الموروث الشفهي عن تاريخ الآخر وتاريخ النحن المؤدلج في الذاكرة، وتنتصب لغة التخوين والاتهام والشيطنة.
4_السني كآخر
معروف ما للطائفية من تمييز مذهبي تجعل من الجماعة الخارجية (آخر) مختلف قد يصل لمرحلة النقيض، يكون الخوف والحذر والاستعداء وعدم التواصل الوجداني هي أول الاجرائات المتخذة ضده، وهذه الحالة العامة للطائفية في شكلها المذهبي الإسلامي التي بموجبها نسمي هذه الظاهرة ونعيشها في حياتنا اليومية. لكن يبدوا أن ألطائفية لا تتوقف عند هذا الحد من التمييز المذهبي وإنما تصل إلى التمييز الثقافي داخل المجتمع الواحد! وإن بصورة مستترة بحيث لا تبدوا واضحة معلنة. أقول هذا الكلام لان الحديث عن (السني) في الأوساط الشعبية الشيعية أصبح ليس كآخر مذهبي بل كآخر ثقافي!! فهو هذا الذي "لا يكذب في البيع، نزيه في الدوائر، أفضل للحكم سياسيا، أكثر تحضرا من الشيعة، أجمل شكلا"، أو ترسم له أوصاف سلبية كأن يكونوا يمتازون "بالميوعة، مؤيدون الإرهاب، ضعيفوا الشرف، جبناء، تقاليدهم مختلفة عن جماعتنا" (أي الشيعة). وطبعاً كلا الصورتين مضرة حتى التي تمدح السني لأنها بالنهاية تجعله آخر محايث لا يمكن التقارب معه. هل يجب التذكير أن السني عراقي مثله مثل الشيعي، والشخصية العراقية لها مالها وعليها ما عليها من سلبيات وايجابيات مهما كان مذهبها وقوميتها؟ وان دمار العراق يتحمله السنة والشيعة على حد سواء، وهذه الصورة هي نتاج الطائفية السياسية أولاً حيث أن العزل الجغرافي بين الطائفتين كوّن صورة كل واحد منهما متخيلة، مرسومة حسب الدعاية السياسية لتكرس الانقسام وعدم الثقة والإقصاء المتبادل، بالتالي تزداد أزمة الحكم في العراق عمقا.
5_الشيعي كآخر
مثلما حولت الطائفية السني كآخر حولت الشيعي كذلك، فكلمة (شروﮔﻲ) كمفرد، (مشرﮔﮫ، شروگ، مشارﮔﮫ) كجمع، و(شين كاف) كرمز مختصر لهم. والأصل الفصيح لكلمة (شروﮔﻲ) هو (شرقي) المقابل للغربي (أبناء الغربية) أو (من الغربية) أي السنة كما يشار لهم عادة، وأضيفت الواو بعد الراء لكلمة شرقي لتعني المغرق في شرقيته بتصوري، حيث الأول متخلف والثاني متحضر وفق هذه التسمية، لتكون شتيمة يطلقها السنة على كل شيعي من سكنة جنوب العراق وهي تعني لديهم اجتماعيا كل ما هو متخلف، بدائي، همجي، جاهل، بربري وهناك مثل يتداوله بعض السنة (الشروﮔﻲ تكسر عظمه تلكه بي خره) والكلمة ذات دوافع طائفية وعنصرية بامتياز أطلقته السنة الحاكمة ضد الشيعة المحكومة مثلما يسمي الشيعة السنة (أبناء العامة) كنوع من الاحتقار لهم، و(الشروﮔﻲ) في خيال غلاة السنة انه متملق، خائن، غدار، عملي، مراوغ، نساءه غير شريفات وكما يقال بالعراقي (عرضه ﺻﮕط) وغالبا ما يتلذذ هؤلاء الغلاة بتشغيل الشروﮔية تحت أيديهم كنوع من العبيد محتقرين. ويكنى الشروﮔﻲ سخرية منه (الماني، ياباني، شيشاني) بأوصاف نقيضه لأوصافه، وهذه الحالة تتوفر شروطها على الأشياء النجاسة مثل قولنا على المياه النجسة (طهارة) أو تسميتنا للأفلام الجنسية (ثقافية). حتى صارت كلمة (ﭽا=إذن) للتندر والسخرية والاستهزاء وصار كسر الكاف (أﮔِلّك) نقيصة منهم وهي لهجة الشروﮔية. واستعملت هذه اللهجة كموضوع للفكاهة في المسرحيات الشعبية خصوصا كلمات (ﭽا، أﮔِلّك، بوية، خايب، شنهي) وغالبا ما يكون المحاور الآخر من المدينة يتكلم بميوعة ورقة ولغة قريبة للفصحى فيكون الأول همجي بدائي ساذج وهكذا تترسخ صورة نمطية عن هذه اللهجة ومتكلمها بأنهم همج، مثلما صور المصريين الصعايده كذلك. وانتشر هذا المصطلح بعد الحكم الطائفي وأصبحت الحكومة في منظار الغلاة (شروﮔية) حتى لو كان بها وزراء سنة!. وهناك صفحات على (الفيس بوك) بهذا الاسم انتقاصا من الشيعة مثل صفحة (بغداد لن تكون عاصمة للشروﮔية)، وهذا ولد رد فعل عند بعض الشيعة جعلهم يفتخرون كونهم (شروﮔية) بدليل انتشار قصيدة للشاعر (عريان السيد خلف) اسمها (انا شروﮔﻲ) يرددها الناس (انا شروﮔﻲ ، انا الماعفت اصلي وصرت لوكي) وهناك من حاول إرجاعها لأصول سومرية تعني "المواطن النبيل" في محاولة دفاعية منه عن اللقب. وغني عن البيان أن هذا المصطلح ما هو إلا اشتقاق من التمييز الطائفي يجب الحذر منه ومكافحته. وانطباعاتي الشخصية عنهم كونهم كانوا يسكونون في منطقتنا الشعبية هي أنهم قبليون جدا ويلجئون للفصل العشائري لأبسط مشكلة ولو على مستوى شجار أطفال ونسائهم غالبا تمتهن البيع أو جلب العلف للدواب، وأطفالهم أيضا يمتهنون العمل من الصغر بعد ترك المدرسة، والعمل هو أما جمع العتيق من القمامة أو جمع (الفافون) وبيعه بالكيلوات (عتّاق)، أما الرجال فهم إما رعاة غنم أو لديهم سيارات حمل أو يشتغلون بالبناء والمقاولات، وهم بينهم صلة قرابة قوية إذ غالبا ما يسكون متجاورين ويهبون جماعيا لأي مشكلة تصيب احدهم بما في ذلك نسائهم ذات اللسان الشرس، مع ذلك فإنهم ليسوا قليلي المشاكل بينهم، ومنطقي إن أوضاع كهذه تخلق منهم أناسا غير متحضرين يصعب العيش معهم بهذه الطريقة، وهم ليسوا كلهم هكذا فبينهم من هو مؤدب وخلوق ولا يرضى على تصرفاتهم، هذا الكلام على مستوى تجربتي الشخصية إذ لابد من وجود (شروﮔية) يعيشون في مناطق متحضرة ويتطبعون بها ويندمجون، أنهم ليسوا بطبعهم بدويين بل بفعل البيئة الاجتماعية.
6_الأصدقاء الطائفيين
بعض الأحيان أجد أصدقاء من السنة والشيعة تربطهم علاقة متينة ويظهرون تعاليهم على الاختلافات الطائفية وتجاهلهم للالتزامات الدينية. وما أن تتحدث إلى احدهم بانفراد عن السياسة الحالية بالعراق وعن مصدر الفتنة الطائفية حتى تنكشف التصورات الطائفية للصديق المتحدث! فيبدأ يحمل الطرف المذهبي الآخر كل البلاء والمصائب كأنه شيطان يتربص ضد مذهبه متحالفا مع اليهود من الماضي! وهذا يعني أن العلاقات الشخصية لا تغير الصورة النمطية للمذهب الآخر الذي صنعه التاريخ السياسي والديني والإعلام ورد فعل الرأي العام في الحرب الأهلية، علما أن الود بينهما حقيقي لكنه يبقى بمعزل عن الصورة المتوارثة عن مذهبه، فنرى أصدقاء طائفيين متحابين! وهذه أشبه بالشعارات التي ترفع في المظاهرات (أخوان سنة وشيعة الخ) والمساجد والخطب تخوّن الآخر وتلعنه (تهويد إيران أو السعودية) وهذه الصورة النمطية لا أجدها في الطائفية فقط بل في كل تصورات العراقي عن الآخر. من هنا جاء الرأي المتبادل عن الآخر بأنهم (مسمومين) أي يضمرون الحقد، أو (ما يرضون عنّا لو تشعللهم العشرة شمع) أو (وجوهم صفر) وهذا تعبير عن بقاء الصورة النمطية. يقول الدكتور علي الوردي (اعتدنا أن نضمر الطائفية في اعماقنا ثم نتظاهر بأننا بريئون منها. واذا كتب احدنا أخذ يطلي نزعته الدفينة بطلاء براق من حب الحق والحقيقة.)(وقد اعتاد ابناء الطائفة الواحدة ان يتحدثوا فيما بينهم بغير الحديث الذين يتحدثون به حين يجتمعون مع غيرهم.)(ومن الممكن القول بأن هذا التكتم الذي نلتزمه في نزعتنا الطائفية أخطر علينا من الافصاح والتظاهر. فالطائفية تمسي في قرارة نفوسنا بمثابة العقدة الدفينة، او هي تمسي بالأحرى مرضا نفسيا.)(5)
7_الجرة المزروفة
بينما مذيع البرنامج يدعوا للتسامح ونبذ الإرهاب والطائفية علّق أحد المشاهدين الجالسين على المُقدم (انتم اهل الارهاب، انتم اللي دزونا الارهابيين، ﮔول لنفسك هذا اﻟﺤﭽﻲ) وعندما ظهرت صور مساجد تتفجر علق احدهم (باوع هاي كلها جوامعنا!!) وأيده الجميع في ذلك دون أن يكترث المشاهدون لما يقول المقدم من دعوة للتسامح! والسبب إن المقدم من الطائفة الأخرى لهم! لان الصورة النمطية عن الآخر هي من تحكم وليس الواقع. ودماغ الطائفي مثله مثل الجرة المزروفة يتسرب منه كل دعوة للتسامح.
8_كالذي يبصق على السماء
أثناء تقليب قنوات الستالايت ظهرت قناة فيها مصلين من الطائفة الأخرى بادر الجمع الجالس من المسلمين إلى البصاق على المسلمين في التلفاز! ليس إلا أنهم مسلمين يلبسون زياً خاصا مختلفا عنهم! تذكرت لحظتها ذاك الذي يبصق على السماء فيرتد إليه بصاقه.
9_الأساطير الطائفية الستة
أولا_هم من بدأ قتلنا (الطائفة الأخرى).
ثانيا_لولا الدفاع عن أنفسنا لأبادونا.
ثالثا_نحن أكثر تسامحا منهم.
رابعا_قتلانا أبرياء شهداء وقتلاهم إرهابيين أو مجرمين.
خامسا_هم حاقدين علينا ويكرهوننا مهما فعلنا لهم.
سادسا_أهل دسائس وفتنة وخيانة من التاريخ إلى الآن.
10_هذا أنتَ ولستُ أنا
يتابع باستمرار قناة طائفية ضد مذهبه، يبتسم بسخرية لما يقوله الشيخ، ليؤكد أنهم (يكرهوننا ويحقدون علينا) مسقطاً انفعالاته عليهم لكي لا يرى نفسه أيضاً، وحقا قال ادونيس (أنت لاتكرهني انت تكره الصورة التي كونتها عني، وهذه الصورة ليس أنا، إنما هي أنت).
11_ليشوف الموت ....
كانوا يعجمون الجيش بالإعلام والرأي العام والإشاعات والمنابر ليل نهار، وبين ليلة وضحاها وبقدرة قادر، أصبحوا يريدون هذا الجيش الوطني النظيف! ويحمّلون تهمه السابقة ذاتها إلى الحشد الشعبي! صدﮒ لو ﮔال (ليشوف الموت يرضى بالصخونه).
12_أجه يكحلها عماها
بعد ساعة من الحوار مع سائق التاكسي في لعن الطائفية ونبذها ختم السائق كلامه قائلا: تريد الصدﮒ؟ تره زيارة القبور حرام بالإسلام!!. هاي شتحطلها وتطيب؟ من هالمال حمل جمال.
13_سؤال الى طائفي
يلعن القنوات الطائفية الأخرى إلا قنواته فهي ليست طائفية لانها تأتي "بالدليل" (من كتبهم) وذاك مثله يلعن قنواتهم إلا قناته التي تعرض (حقيقتهم)!. حسناً فالنفترض ان الآخر (سني أو شيعي) على ضلال ولم تنفع معه "الادلة" التي عرضتها قنواتنا في تغيير مذهبه "الظال" فهل نستمر بالبث دون جدوى بعد عقد من العرض؟ أم نقوم بطرده من وطننا او حملة ابادة له؟ وهي حلول جربناها في الحرب الاهلية وفشلت في تحقيق المراد وكانت النتيجة قلة الأمن والثأر المتبادل وزيادة في الفقر والافلاس والنزوح واليتم والترمل والحقد؟ ام ان الحل العيش المشترك بسلام وأمن كل منا مطمئناً مرتاحاً وهي مشتركات جميعنا يريدها؟ اترك لك حرية الجواب ايها الطائفي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1_الدكتور علي الوردي، وعاض السلاطين، الطبعة الأصلية، الوراق للنشر، الطبعة الثالثة2013، ص304.
2_الدكتور علي الوردي، الأحلام بَين العلم والعقيدة، الطبعة الثانية 1994، دار كوفان لندن، ص263، 264.
3_نفس المصدر، ص138.
4_نفس المصدر، ص265.
5_الدكتور علي الوردي، اسطورة الأدب الرفيع، دار الحياة للنشر والتوزيع، ص287.